حتّى التّماثيل لم تسلم من المسخ في الجزائر!

حتّى التّماثيل لم تسلم من المسخ في الجزائر!

تمثال فرس في مدينة عين البيضاء (عبدالرزاق بوكبة/ ألترا صوت)

ما ضُرب شعب من الشّعوب في ذائقته الجمالية، إلا أصبحت قابليته للتّصالح مع الرّداءة قويّةً وذاتَ سلطةٍ في توجيه تفكيره وسلوكه. فيتحوّل من مقام الإبداع إلى مقام التّقليد والاستهلاك. وهو المقام الذي يمكن أن يتقبّل فيه المشاريع الفاسدة في المجالات كلّها، في مقدّمتها الفساد في المشاريع السّياسية، التي تحكم حاضره ومستقبله.

الذّوق الجماليّ العامّ هو الموجّه والدّافع والضّامن والحامي للموهبة من أن تبتذل وتصبح محلّ إدانة بدل الاحتفاء

ذلك أنّ الذّوق الجماليّ العامّ هو الموجّه والدّافع والضّامن والحامي للموهبة من أن تبتذل وتصبح محلّ إدانة بدل الاحتفاء. وإذا كان الفرق بين العاقل والمجنون، أنّ الأوّل ينتقي طعامه وهندامه على أساس الجودة، فيما يأكل ويلبس، الثّانى ما وقع تحت يديه؛ فإنّ الفرق بين شعب متحضّر وآخر متخلّف، أنّ الأوّل يحتكم إلى ذوق جماليّ متراكم في ما ينتجه ويستهلكه من أفكار وسلوكات وصناعات وفنون، فيما يحتكم الثّاني إلى الحاجة الغريزية غير المثقفة.

اقرأ/ي أيضًا: "الفنون الجميلة" غير معترف بها في الجزائر؟

صادفتُ مرّةً مظاهرة لجزائريين يحتجّون فيها على تأخّر السّلطات في توزيع السّكنات، ودُعيت إلى المشاركة فيها، فقلت إنني سأفعل، شريطة أن نوسّع الاحتجاج ليشمل خلوّ هذه السّكنات من الأبعاد الجمالية. فهي شبيهة بعلب التّونة من حيث الاتساع، وكأنها موجهة لحيوانات لا للبشر، ولا تتوفّر على ما يتوفّر عليه المسكن من لمسات جمالية في تصميمه وألوان دهنه، ومن مرافق للتنزّه والرّياضة والتّرفيه. بل إنّ هذه المساكن لا تتوفّر حتى على مصاعد، وكأن ساكنيها يملكون أجنحة لا أقدامًا. فكدت أداس بالأقدام.

لقد أسّس غياب الذّوق الجمالي من الفضاء العام الجزائري، في مجال السّكن مثلًا، لسيادة ثقافة "نخبّي راسي" أي أخفي رأسي تحت سقف معيّن، وهي نزعة حيوانية، عوض سيادة ثقافة "نمتّع راسي" أي أمتّعه، ممّا جعل ما بات الجزائريون، حكومةً وشعبًا، يبنونه اليوم، شبيهًا بالمراقد الإسمنتية الخالية من اللّمسة الفنّية. ولا شكّ في أنّ لذلك ثمارًا سيّئة في مقدّمتها هيمنة الكآبة والنّزوع نحو العنف.

زرت مدنًا جزائرية كثيرة. ووقفت على إقدام المجالس البلدية والولائية على نصب تماثيل لحيوانات وشخصيات تشكّل رموزًا تاريخية لتلك المناطق، فكانت أقرب إلى التّشويه منها إلى التّثمين، ذلك أنها موغلة في الارتجال والسّذاجة، لأن مهمّة إنجازها لم توكل إلى نحّاتين محترفين، بل إلى هواة عاثوا فيها فسادًا فنّيًا على غرار الفساد الماليّ، الذي تغرق فيه تلك المجالس البلدية والولائية، التي تفضّل الفنّان الهاوي لأنه لا يكلّفها كثيرًا، وقد لا يكلّفها شيئًا لأنّ همّ الظّهور عنده أقوى من همّ الإبداع.

إنّ الخيانة في هذه الحالة ثلاثية الأبعاد. خيانة للفنّ بخيانة شروطه، وخيانة للرّمز المنحوت بتشويه ملامحه، وخيانة للذّوق العام، بجعله يستهلك فنًّا مغشوشًا. فهل تمثال الكبش في مدخل مدينة الجلفة في مستوى الرّمزية التّاريخية والاقتصادية والأنثروبولوجية للكبش في هذه المنطقة؟ وهل تمثال الرّئيس محمّد بوضياف في وسط مدينة المسيلة في مستوى كونه واحدًا من أبرز رجالات الحركة الوطنية وثورة التّحرير؟ لقد تمّ اغتياله مرّتين، مرّة بالرّصاص ومرّة بإزميل النّحت.

تمثال فرس في مدينة عين البيضاء (عبدالرزاق بوكبة/ ألترا صوت)
تمثال فرس في مدينة عين البيضاء (عبدالرزاق بوكبة/ ألترا صوت)

كنت مؤخّرًا في مدينة عين البيضاء في الشّرق الجزائري. فواجهني تمثال لفرس تشبه البغل أكثر ممّا تشبه الفرس! فهي محرومة من كلّ ما يُميّز الحصان البربريّ من صفات أسالت لعاب الأوروبيين. فتساءلتُ: أليس من حقّ تاريخ الفروسية في المنطقة وعمق علاقة الإنسان الأمازيغيّ بفرسه إنجاز تمثال محترف؟ لماذا لا يجد المتديّنون حرجًا في الدّعوة إلى ما يعتقدون أنّه منكر أخلاقيّ، ولا يسعى الفنّانون والمثقفون إلى تغيير المنكر الجمالي؟

 الفنان العاجز عن الوقوف بوجه مسؤول لم يحرص على توفير الاحترافية في صناعة تمثال فني، لا يحق له معارضة المشاريع السياسية على الشاشات

إنّ الفنّان الذي يعجز عن الوقوف في وجه والٍ أو رئيس بلدية لم يحرص على توفير ما يجب أن يتوفّر من احترافية لتمثال فنّيّ يجسّد رمزًا عظيمًا من رموز الشّعب، لأنّه أولى بالدّفاع عن قداسة الفنّ، لا يحقّ له أن يقبع خلف الشّاشات ليعارض مشروعًا سياسيًا فاسدًا معيّنًا.

  

اقرأ/ي أيضًا: 

بعض الأحياء الجزائرية.. النّفايات ليست قدرًا

غرافيتي الجزائر.. لم يتبقى إلا الجدران