"حبة قمح" نغوغي وا ثيونغو في طبعة عربية جديدة

نغوغي وا ثيونغو بعدسة سيمون باديوفاني في فينيسيا الإيطالية (Getty)

قامت دار المدى بتقديم إصدار حديث لطبعة جديدة من رواية الكاتب الكينيّ نغوغي وا ثيونغو (1938) "حبّة قمح" ترجمة عبد الكريم محفوض. هذا  بعد مرور أكثر من 37 عامًا على صدور ترجمتها العربية الأولى عن (وزارة الثقافة والإرشاد القومي السوريّة)، لتعود بذلك إلى التداول مُجدّدًا باعتبارها العمل الروائي الذي عبّر عن تأثّر كاتبه بالماركسية الفانونية، نسبةً إلى فراتنز فانون، وقلبت حياته كذلك رأسًا على عقب. إذ تخلّى بعد نشرها عن الكتابة باللغة الإنجليزية، والديانة المسيحية، بالإضافة إلى اسمه الذي عُمِّد به "جيمس" مُعتبرًا إيّاها، أي اللغة والديانة وكذا اسمه، رموزًا كولونيالية انقلب عليها، ليصير اسمه القبلي الكيني الجديد "نغوغي وا ثيونغو" ويبدأ الكتابة بلغة الكيكويو منذ ذلك الوقت، برفقة اللغة السواحلية.

يمكن القول أن نغوغي وا ثيونغو أجاد إلى حد بعيد تقديم ترجمة روائية لخلاصات كثيرة سبق أن قدم لها فرانتز فانون في مباحثه الكثيرة حول الاستعمار وانعكاساته في السايكولوجية الجمعية لضحاياه

توصف رواية "حبّة قمح" من حيث بنية الشخصيات والأحداث والأماكن، رواية أفريقية في جوهرها الذي يكرّس الإرث الإفريقي المهمّش على مائدة الحكومات الاستعمارية ومستوطنيها، أولئك الذين تجسّدوا داخل العمل بشخصية "الأبيض" الذي جاء القارّة السمراء من باب الدين مدّعيًا أنّه جاء بطهر الأنبياء وإرادة الربّ، فتمكّن من خداع شعبها الذي اكتشف بعد فترة قصيرة وجهه الحقيقيّ. هكذا بدلًا من الإنجيل الذي جاء مبشّرًا به المستعمر الأبيض، حمل رجاله السيوف، وبدلًا من العطاء، كان يسرق أراضي الناس وينهب قوتهم، ليبني عليها مؤسّساته التي ستكون نواةً للمؤسّسات الاستعمارية فيما بعد.

اقرأ/ي أيضًا: فيليب روث.. حفريات "يهودية" في أمريكا

هكذا، تحوّل الرجل الأبيض، ضمن حبة قمح نغوغي وا ثيونغو وفي سياق حركة الواقع المحايث لها من رجل دين إلى ملك على الأفريقيين الذين خدعوا به، وبات يضرب كلّ من يحاول التصدّي له بقضبان الخيزران التي تتقيأ النار والدخان، وفي الأجواء، كما في قلوب الناس، ظلّت ضحكته الشريرة تتردّد لوقتٍ طويل، باعتبارها واحدة من ضحكاتٍ كثيرة كانت تتردّد في القارّة السمراء.

تتصدّى الرواية للمقولات الكولونيالية التي تدّعى أنّ الشعوب الإفريقية لا حضارة لها، وأنّ حضارتها بدأت لحظة دخول المستعمرين إليها، حاملين ثقافة جديدة ليست إلّا ثقافة السيف والقتل التي ثار ضدّها البعض، بينما بدا البعض الآخر مستسلمًا لها، مقتنعًا بأنّ التصدّي لها لن يجلب إلّا المشاكل والكوارث، في الوقت الذي اختار آخرون التعاون مع المستعمرين بغرض الاستفادة وتحقيق غاياتٍ شخصية.


نغوغي وا ثيونغو مرتديًا زيه الكيني في مينتوفا الإيطالية بعدسة ليوناردو كينتامو (Getty)

هكذا، يكون الصراع لا بين الافريقيين والقوى المستعمرة فقط، وإنّما بين الافريقيين أنفسهم، بين من اختار النضال ضدّ الواقع الجديد، وبين من اختار مساندته وتمكينه. هذا للمناسبة ما لم يغب عن أحد المعلمين الذين تتلمذ وا ثيونغو على يد تجاربهم، فرانتز فانون، حين تناول السكين المخفية بجنح الظلام في يد سوداء مستهدفة جسد أسود آخر، بينما تحتم مهمة الخلاص على تلك السكين وجهة مغايرة تمامًا، لناحية اللون والأسلوب. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

عوسج جان غريش المُلتهب.. ابتكار علمي لأنوار العقل في فلسفة الدين

رحيل كارلوس زافون... مقبرة الكتب المنسية ليس الوجهة هذه المرة