حافظ إبراهيم: اللغة العربية تنعى حظّها بين أهلِها

حافظ إبراهيم: اللغة العربية تنعى حظّها بين أهلِها

حافظ إبراهيم وديوانه

ألترا صوت – فريق التحرير

كثيرة هي القصائد التي تتحدّث عن اللغة العربية، لكن القصيدة التي كتبها الشاعر حافظ إبراهيم (1870- 1932) بعنوان "اللغة العربية تنعى حظّها بين أهلِها" في مطلع القرن العشرين هي الأشهر في بابها، لما فيها من استنطاق للحزن الدفين الذي تعيشه اللغة العربية من سوء استخدام أبنائها لها.

كان حافظ الذي عرف بلقب شاعر النيل خارجًا من صميم الشعب، باذلًا نفسه وشعر للشعب، ولهذا كان يخاطب الناس في قصائده التي تهتم بالشؤون الاجتماعية والسياسية، وبسبب ذلك لم يقتصر جمهوره على المثقفين فقط، إنما كان من مختلف الفئات الشعبية. وديوانه خير شاهد على ذلك، فقد سجّل فيه الأحداث التي شهدها، وكأنه كان يدون يوميات بلاده، بأفراحها وأحزانها.

قال فيه الشاعر خليل مطران: "أشبه بالوعاء يتلقى الوحي من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها في نفسه، فيمتزج ذلك كله بشعوره وإحساسه، فيأتي منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذي يحس كل مواطن أنه صدى لما في نفسه".

أما عباس محمود العقاد فقال "مفطور بطبعه على إيثار الجزالة والإعجاب بالصياغة".


رجعت لِنفسي فاتّهمت حصاتي

وناديت قومي فاحتسبت حياتي

 

رموني بِعقمٍ في الشبابِ وليتني

عقِمت فلم أجزع لِقولِ عداتي

 

ولدت ولمّا لم أجِد لِعرائِسي

رِجالًا وأكفاءً وأدت بناتي

 

وسِعت كِتاب اللهِ لفظًا وغايةً

وما ضِقت عن آيٍ بِهِ وعِظاتِ

 

فكيف أضيق اليوم عن وصفِ آلةٍ

وتنسيقِ أسماءٍ لِمخترعاتِ

 

أنا البحر في أحشائِهِ الدرّ كامِنٌ

فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي

 

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسِني

ومِنكم وإِن عزّ الدواء أساتي

 

فلا تكِلوني لِلزمانِ فإِنّني

أخاف عليكم أن تحِين وفاتي

 

أرى لِرِجالِ الغربِ عِزًّا ومنعةً

وكم عزّ أقوامٌ بِعِزِّ لغاتِ

 

أتوا أهلهم بِالمعجِزاتِ تفنّنًا

فيا ليتكم تأتون بِالكلِماتِ

 

أيطرِبكم مِن جانِبِ الغربِ ناعِبٌ

ينادي بِوأدِي في ربيعِ حياتي

 

ولو تزجرون الطير يومًا علِمتم

بِما تحته مِن عثرةٍ وشتاتِ

 

سقى الله في بطنِ الجزيرةِ أعظمًا

يعِزّ عليها أن تلين قناتي

 

حفِظن وِدادي في البِلى وحفِظته

لهنّ بِقلبٍ دائِمِ الحسراتِ

 

وفاخرت أهل الغربِ والشرق مطرِقٌ

حياءً بِتِلك الأعظمِ النخِراتِ

 

أرى كلّ يومٍ بِالجرائِدِ مزلقًا

مِن القبرِ يدنيني بِغيرِ أناةِ

 

وأسمع لِلكتّابِ في مِصر ضجّةً

فأعلم أنّ الصائِحين نعاتي

 

أيهجرني قومي عفا الله عنهم

إِلى لغةٍ لم تتّصِلِ بِرواةِ

 

سرت لوثة الإِفرِنجِ فيها كما سرى

لعاب الأفاعي في مسيلِ فراتِ

 

فجاءت كثوبٍ ضمّ سبعين رقعةً

مشكّلة الألوانِ مختلِفاتِ

 

إِلى معشرِ الكتّابِ والجمع حافِلٌ

بسطت رجائي بعد بسطِ شكاتي

 

فإِمّا حياةٌ تبعث الميت في البِلى

وتنبِت في تِلك الرموسِ رفاتي

 

وإِمّا مماتٌ لا قِيامة بعده

مماتٌ لعمري لم يقس بِمماتِ

 

اقرأ/ي أيضًا:

أحمد شوقي: نهج البردة

محمود سامي البارودي: رضيت من الدنيا