خوسيس كوريا/ إسبانيا

كنتُ تلميذًا داخليًّا في متوسّطة الشّهيد محمّد بلغربي، في مدينة برج بوعريريج، ما بين عامي 1990 و1993. وكانت المسافة الفاصلة بينها وبين قرية "أولاد جحيش" سبعين كيلومترًا. فكنتُ ملزمًا بأن أنطلق في الرّابعة فجرًا حتّى أستطيع الوصول إلى المتوسّطة في الثّامنة تمامًا، فأتجنّب العقوبة التي يُسلّطها أستاذ اللّغة الفرنسيّة على المتغيِّب من تلامذته، إذ كانت حصّته أوّلَ ما نبدأ به مطلع الأسبوع.

شرحتُ له أنّ هناك حافلةً يتيمةً ومنكوبةً في قريتي. وإذا حدث أن تعطّلتْ، فإنّه يستحيل عليّ أن أصل في الموعد، إلا إذا قطعتُ راجلًا سبعة كيلومترات في الأحراش إلى محطّة "القليتة"، وأنا أخاف فخاخ الطّريق. فاكتفى بالقول: "ما يهمنيش".

لم أكن، في الحقيقة، أخاف خلال تلك الرّحلة الأسبوعية فخاخ الأرض، من ذئابٍ وضباعٍ وخنازيرَ، فأنا بنُ مرعًى ثريٍّ بها، بل كنتُ أخاف فخاخ السّماء، من جنّياتٍ وعفاريتَ وغيلانٍ كبرتُ على أن أنام متدثّرًا بحكاياتها. فقد كانت جدّتي مريم مبدعةً في سرد تفاصيل حيواتها وقدراتها على أن تتلبّس الإنسان، ممّا جعلها حقيقةً في ذهني.

 لقد كنتُ شغوفًا بسماع ذلك. فأرفض نهاية الحكاية بأن تنسف الجدّة على الشّمعة إيذانًا بالنّوم. هذه خلفية حضور الشّمعة في العناوين الفرعية لثلاثيتي الرّوائية: "من قال للشّمعة: أف؟"، و"من قال للشّمعة: أح؟"، ومن قال للشّمعة: أخ؟".

كنتُ أخوض الطريق فجرًا مرفوقًا بأدعية أمّي والحقد على أبي، الذي كان يرفض اصطحابي اعتقادًا منه أنّ ذلك يُسهم مبكّرًا في جعل وحيده رجلًا. فأعوّض صحبته بصحبة القرآن العظيم، إذ سمعت أن العفاريت لا تقترب من بقعةٍ يُقرأ فيها. إنّ حاجتي إلى القرآن في هذا المقام المرعب جعلتني أحفظ منه ثمانية وثلاثين حزبًا.

غير أنّني كنتُ أفقد الكلماتِ والحركاتِ والأنفاسَ، حين أبلغ مقبرة "بن جريد" في الثّلث الأخير من الطّريق، لأنّ فيها قبر الفتى مسعود ولد بن الشّيخ.

تحت شجرة الزّعرور، سرقتُ جبنة العنزة، وكذبتُ على الله ومسعود

كان مسعود لا يُشقّ له غبار في استعمال المقلاع المصنوع من الحلفاء. وفي إعداد الجبن المصنوع من حليب الماعز، بعد أن يُضيف إليه قطراتٍ من السّائل الأبيض، الذي تُفرزه تينة غير ناضجة. ثمّ يضع الجبن في طبق مصنوع من الحلفاء، ويُعلّقه في شجرة الزّعرور ليبرد.

تسرّبتُ ـ ذات ضحًى ـ إلى شجرة الزّعرور، وقد ابتعد مسعود عنها ليردَّ قطيعَه، فلم أبقِ من الجبنة إلا ما سقط منها على التّرابِ، من غير أن أحسب لعاقبة ذلك أيّ حسابِ.

عاد فتى المقلاع وسأل عن جبنته. فأقسمتُ بالقُرَانِ العظيم (هكذا كنّا ننطق كلمة القرآن في القرية) إنّني ما شفتُ ولا سمعتُ ولا دريتُ.

ـ رزيق.. لن أسامحك حتّى بعد أن أسكن المقبرة.

سؤال الثّعلب سارق الجبنة

هل قسمي بالقُران كاذبًا هو ما جعله يَتَفَلَّتُ منّي، كلّما كنتُ أبلغ المقبرة، التي دفن فيها الفتى مسعود؟

صبّ الرّشراش في ليل العاصمة

كبر معي الخوف من المقابر، ليلًا ونهارًا. فكنتُ أتفادى مجرّد النّظر إليها، حتّى بعد أن تجاوزتُ عتبة العشرين. ولم يُحرّرني من هذه العقدة إلّا فتًى آخرُ اسمه مسعود.

كان صديقي الكاتب رابح ظريف عضوَ المكتب الوطنيّ لمنظّمةٍ طلّابيةٍ، ممّا أهّله لأن تكون له غرفة في الحيّ الجامعيّ بغاريدي في الجزائر العاصمة عام 2002. فكنت، على مدار أسابيعَ، أقضي سحاباتِ نهاري متصعلكًا في الجزائر العاصمة، وأقصد غرفته مغربًا، فأنال ما أحتاج إليه من طعامٍ ومأوى.

غبتُ عنه أيّامًا، ثمّ عدتُ إليه ليلةً، فقيل لي، عند نقطة التّفتيش في مدخل الحيّ الجامعيّ، إنّ رابح غائب ولا يُمكنك الدّخول.

لم يكن عندي مأوًى آخر، فتموقعت قريبًا. ورحت أمارس الطّمع في أن يطلع رابح، وأقرأ القُرانَ العظيم في الوقت نفسِه، تفاديًا للخوف من المقبرة، التّي كانت خلفي تمامًا.

انتصف الليلُ واكتمل الخوفُ من المقبرة ولم يأتِ رابح. هناك جرّبت أن يهرب الإنسانُ من مكانٍ يخافه، فيجد نفسَه داخلَه.

كانت القبور مثل الأحياء متفاوتةً في العناية بها. وكنتُ أشقّ صفوفَها غيرَ مصدّقٍ أنّني أفعل ذلك. لقد كبرتُ على سلامة لساني من الأخطاء النّحويّة، بفضل أستاذة اللّغة العربية في المتوسّطة جهيدة صقّال، التي ضاعفتُ محبّتي لها هروبًا من قسوة أستاذ اللّغة الفرنسيّة، الذي لم يتفهّمْ وضعي، فتركني فريسةً للخوف من الفتى مسعود في مقبرة "بن جريد"، لكنّني في تلك اللحظة، التي خضتُ فيها مقبرة غاريدي، كنتُ أنصبُ الفاعلَ وأرفعُ المفعولَ به، وأنا أقرأ القُرَانَ.

تذكّرتُ أنّ صديقي الكاتب الخيّر شوّار أخبرني، في زيارةٍ سابقةٍ إلى غرفة رابح ظريف، بأنّ الفنّانة زليخة دفنت هنا عام 1993. فقرّرتُ أن أبحث عن قبرها، وأخبرها بأنّي مثلها دخلت الجزائر العاصمة لأصنع لي اسمًا. وبأنّني مطالب بأن أجد لي مكانًا بين عشرات الأسماء المكرّسة في الكتابة الأدبيّة، مثلما فعلت هي في ظلّ هيمنة رابح درياسة ونورة وخليفي أحمد ومحمّد العمّاري وسلوى وبقّار حدّة وبلاوي الهوّاري.

طال بحثي عن القبر اليتيم. ربّما لأنّني لم أكن أعرف أنّ اسمها الحقيقي كان حسينة لوّاج، أو لأنّ الخوف حدّ من قدرتي على قراءة شواهد القبور بشكل مليح، فقرّرتُ أن أغادر المكان.

في اللّحظة التي نويتُ فيها ذلك، سمعتُ صوتًا شابًّا يُردّد بنبرةٍ مخمورةٍ "صبّ الرّشراش"، الأغنية التي أدّتها زليخة في برنامج "ألحان وشباب"، قبل ثلاثين عامًا، وجعلتْ منها نجمةً ذاتَ أضواء.

نسيتُ أن أخاف، فتتبّعتُ مصدر الصّوت، مع حرصي على ألّا أدوس قبرًا، إلى أن وقفتُ على المشهد التّالي: فتًى ثلاثينيّ غارق في كوخ كرتوني وفي جبنة مع زجاجة نبيذ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ميكروفون

سقوط شاهد آخر في اليرموك