جيل "النوستالجيا".. لماذا يحنّ الشباب إلى ثقافة التسعينيات؟
10 يوليو 2026
ليست التسعينيات مجرد مرحلة زمنية انقضت مع نهاية القرن الماضي، بل هي حقبة تركت أثرًا تجاوز حدود السنوات التي وُلدت فيها. لم تنتهِ بانتهاء عام 1999، بل بقيت حاضرة في أغنية ما تزال كلماتها تُردد، ولحن يستحضر ذاكرة جيل كامل، وفيلم يقاوم الزمن، ورسوم متحركة ما تزال شاراتها تُوقظ الحنين، وألعاب وأزياء تحولت من تفاصيل عابرة إلى رموز ثقافية تتناقلها الأجيال.
موروثٌ ثقافيٌّ لم يبقَ حبيس الذاكرة، بل انتقل من جيل إلى آخر حتى أصبح جزءًا من الحاضر. نشاهد هذه الفتاة العشرينية تتمايل على إيقاع "سيدي وصالك" لراغب علامة وتردد كلماتها، وذاك يعود لمشاهدة محمد هنيدي في فيلم "صعيدي في الجامعة الأميركية"، فتنتزع مواقفه الكوميدية الضحكات نفسها التي انتزعتها قبل أكثر من ربع قرن، فيما يرفع آخر صوت شارة "القناص" أو "عهد الأصدقاء" كلما صادفها على منصات التواصل، وكأنها لم تفقد قدرتها على إيقاظ الحنين.
خلف هذا الحضور المتجدد لا تقف مجرد ذكريات عابرة، بل ثقافة تشكلت من تفاصيل صغيرة نسجت رابطًا وجدانيًا بين الشباب وثقافة ذلك الزمن؛ أغنية تختزن لحظة، ومشهد يوقظ إحساسًا قديمًا، وشخصية بقيت حاضرة رغم تغير الأجيال. إنها ثقافة يجد فيها الشباب اليوم أنفسهم، حتى وإن لم يعايشوا تفاصيل تلك المرحلة ولحظاتها.
خلف هذا الحضور المتجدد لا تقف مجرد ذكريات عابرة، بل ثقافة تشكلت من تفاصيل صغيرة نسجت رابطًا وجدانيًا بين الشباب وثقافة التسعينات
أكثر من ذاكرة
لثقافة التسعينيات عالم خاص؛ فهي ليست مجرد أعمال عُرضت ثم مضت، بل عالم له ملامحه الخاصة؛ ألوان صورها، وإيقاع حكاياتها، وشخصياتها التي بدت قريبة من الناس. بقيت مشاهد كثيرة عالقة في الذاكرة، ليس فقط بسبب حكاياتها، بل بسبب اللحظات التي رافقتها؛ شاشة تلفزيون صغيرة تجتمع أمامها العائلة في غرفة واحدة، صورة أقل وضوحًا وألوان أكثر هدوءًا، وجلسة تجمع الكبار والصغار حول طاولة صغيرة تتوسط المكان، حيث يصبح الفيلم أو المسلسل مناسبة يتشاركها الجميع. من أفلام مثل "همام في أمستردام" التي لامست أحلام جيل يبحث عن فرصة جديدة، إلى "الناظر" الذي تحولت شخصياته ومواقفه إلى جزء من الثقافة الشعبية، وأعمال أخرى رسمت ملامح مجتمع كامل بتناقضاته وأحلامه.
تلك اللحظات الجماعية ارتبطت أيضًا بمسلسلات ومسرحيات دخلت تفاصيل الحياة اليومية؛ من "الفصول الأربعة" و "نهاية رجل شجاع" و "خان الحرير" في سوريا، إلى "ليالي الحلمية" و "المال والبنون" و"لن أعيش في جلباب أبي" في مصر. كما حضرت المسرحيات الكوميدية بقوة في ذاكرة الجمهور، مثل "الواد سيد الشغال" و"العيال كبرت" و "شاهد ما شافش حاجة"، التي تحولت مشاهدها وعباراتها إلى جزء من الحديث اليومي بين الناس.
لم تكن هذه الأعمال مجرد مشاهدة عابرة، بل حكايات كانت العائلات تنتظر حلقاتها وعروضها بشغف، يتبادل أفرادها التوقعات حول ما سيحدث، ويبحثون عن إجابات لأسئلة تركتها الحلقة السابقة، أو يرددون عبارات المسرحيات التي حفظوها مع الوقت.
كما امتد أثر تلك الثقافة إلى الكتب والرسوم المتحركة؛ من عوالم "ما وراء الطبيعة" و "رجل المستحيل" لأحمد خالد توفيق، إلى شارات "سالي" و "أنا وأخي" و "عدنان ولينا" التي ما تزال تعيد معها إحساس الطفولة. فالتسعينيات لم تترك أعمالًا فقط، بل بل تركت أثرًا في طريقة رواية الحكاية وصناعة الذاكرة؛ صورة تحمل ملامح زمنها، وصوت يرتبط بلحظاته، وشخصيات تجاوزت أدوارها لتصبح جزءًا من الوجدان الجمعي، وتجربة ثقافية ما تزال حاضرة رغم مرور العقود.
ذاكرة لم نعشها.. لماذا يجد الشباب أنفسهم في ثقافة التسعينيات؟
قد تبدو الفكرة متناقضة للوهلة الأولى، لكن علماء النفس يميزون بين الحنين إلى الذكريات الشخصية، والحنين إلى ماضٍ لم يعشه الإنسان أصلًا. ويُعرف ذلك أحيانًا بـ"النوستالجيا التاريخية" أو "النوستالجيا غير المباشرة"، حيث تتكون صورة مثالية عن حقبة معينة من خلال الأفلام والأغاني والصور وروايات الأهل ووسائل الإعلام. فالشخص لا يحنّ بالضرورة إلى أحداث عاشها، بل إلى المشاعر والصور والمعاني التي ارتبطت بزمن معين، وكأن الذاكرة يمكن أن تنتقل أحيانًا عبر الحكايات والثقافة كما تنتقل عبر التجربة الشخصية.
وتشير أبحاث أجراها عالما النفس كونستانتين سيديكيديس وتيم وايلدشوت في جامعة ساوثهامبتون إلى أن النوستالجيا تساعد الإنسان على تعزيز شعوره بالانتماء والمعنى، وتخفف من الإحساس بالوحدة والقلق، خاصة في الفترات التي تتسم بعدم الاستقرار. وتوضح هذه الدراسات أن الحنين لا يعني مجرد العودة إلى الماضي، بل يمنح الإنسان إحساسًا بالاستمرارية والارتباط بالآخرين، لأنه يعيد استحضار لحظات تحمل قيمًا وعلاقات وتجارب مشتركة.
وبالنسبة إلى كثير من شباب اليوم، تبدو التسعينيات وكأنها تمثل عالمًا أقل تعقيدًا؛ زمنًا سبق هيمنة الهواتف الذكية والإشعارات المتواصلة والخوارزميات التي تفرض إيقاعها على الحياة اليومية. لذلك لا يكون الحنين موجّهًا إلى السنوات نفسها، بل إلى الصورة التي أصبحت تمثلها تلك السنوات في المخيلة الجماعية: البساطة، والعلاقات الإنسانية المباشرة، والإيقاع الأبطأ للحياة، والشعور بأن الثقافة كانت تُعاش بشكل جماعي لا فردي.
فما يستعيده هذا الجيل ليس ماضيًا شخصيًا، بل إحساسًا بزمن صاغته الصور والأصوات والحكايات؛ زمن يبدو بعيدًا بما يكفي ليصبح حلمًا، وقريبًا بما يكفي ليمنحه شعورًا بالألفة.
بالنسبة إلى كثير من شباب اليوم، تبدو التسعينيات وكأنها تمثل عالمًا أقل تعقيدًا؛ زمنًا سبق هيمنة الهواتف الذكية والإشعارات المتواصلة والخوارزميات التي تفرض إيقاعها على الحياة اليومية
حين تحيي السوشيال ميديا الماضي
رغم أن النوستالجيا ليست ظاهرة جديدة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي منحتها حياة مختلفة. فالمقاطع التي تستعيد إعلانًا قديمًا، أو شارة مسلسل كرتوني، أو أغنية من التسعينيات، تحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات، بينما تعيد خوارزميات المنصات تدوير هذا المحتوى باستمرار لأنه يثير التفاعل العاطفي.
وأدى ذلك إلى انتقال ثقافة التسعينيات من ذاكرة جيل عاشها، إلى ظاهرة يشارك فيها جيل جديد بالكامل. فالشاب الذي يشاهد اليوم مقطعًا من فيلم أو أغنية أو لعبة قديمة لا يستهلكها بوصفها مادة أرشيفية، بل بوصفها جزءًا من ثقافة معاصرة يعاد إنتاجها كل يوم.
ولذلك لم تعد العودة إلى التسعينيات مجرد استذكار للماضي، بل أصبحت لغة مشتركة بين أجيال مختلفة، تتجلى في الموسيقى والسينما والموضة وحتى طريقة التصوير وصناعة المحتوى.
وربما لهذا السبب لا تبدو التسعينيات وكأنها انتهت يومًا. فما بقي منها لم يكن مجرد تقويم أو أحداث تاريخية، بل إرث ثقافي استطاع أن يعبر الزمن، وأن يجد لنفسه مكانًا في وجدان أجيال لم تعشه، لكنها وجدت فيه ما يشبهها، أو ربما ما كانت تتمنى أن تعيشه.