جيل الحرب.. هل بات مستقبل اليمن بلا عقل معرفي؟
28 يناير 2026
ألقت الحرب في اليمن بثقلها على مختلف مجالات الحياة، ويدفع اليمنيون ثمن صراع لا تُعرف نهايته حتى الآن. ويُعد قطاع التعليم من أبرز القطاعات التي دُمّرت، بما ينذر بمستقبل قاتم للبلاد. وبعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب، يقف جيلٌ كاملٌ على حافة مستقبل غامض.
الأطفال الذين التحقوا بالمدارس مع بداية الحرب في اليمن، وصلوا اليوم إلى نهاية التعليم الثانوي دون أن يتلقوا دراسة حقيقية، في ظل مدارس مدمّرة، ومعلمين بلا رواتب، وتسرب متصاعد نحو جبهات القتال وسوق العمل القسري.
يشكو أولياء أمور الطلاب من تدني المستويات التعليمية لأبنائهم. ويقول المواطن غالب حسين لموقع "الترا صوت" إن أبناءه الثلاثة توقفوا عن الدراسة وفضّلوا البحث عن فرص عمل، إذ غادر ابنه الأكبر قبل إكمال الثانوية للعمل في السعودية، فيما فضّل الآخران العمل في بيع نبتة القات، وهي عشبة يتناولها الكثير من اليمنيين.
من جانبه، يقول المواطن عبد الرقيب سالم إن تدهور العملية التعليمية وغياب الدولة جعلا كثيرًا من الأسر تفقد الثقة بمستقبل أبنائها، مشيرًا إلى أن ابنه أحمد لم يتمكن من الالتحاق بالدراسة الجامعية وفشل في اختبارات القبول، ما دفعه إلى العمل في أحد مصانع الطوب.
3 ملايين طالب خارج المدارس
في هذا السياق، كشفت نقابة المعلمين اليمنيين أن نحو 3 ملايين طفل خارج مقاعد الدراسة، وأكثر من 170 ألف معلم بلا رواتب منذ قرابة عشر سنوات، إلى جانب خروج 2900 مدرسة عن الخدمة بعد تدميرها أو تحويلها إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة.
يُعد قطاع التعليم من أبرز القطاعات التي دُمّرت، بما ينذر بمستقبل قاتم للبلاد
وبيّنت النقابة، في بيان لها بمناسبة اليوم العالمي للتعليم حصل موقع "الترا صوت" على نسخة منه، أن ملايين الطلاب باتوا مهددين بالحرمان من التعليم والتجنيد القسري، في ظل تحريف المناهج، وعسكرة المدارس، وقطع رواتب المعلمين.
معلمون منهكون وبلا رواتب
يقول أمين عام نقابة المعلمين بمحافظة تعز، عبد الرحمن المقطري، لموقع "الترا صوت"، إن "توقف رواتب المعلمين والإضرابات الطويلة تركا انعكاسات خطيرة على العملية التعليمية والتربوية".
ويشير المقطري إلى أن هذه الانعكاسات لم تقتصر على فقدان الطلاب للمعارف والمهارات التعليمية الأساسية، بل امتدت إلى الجوانب الوجدانية والسلوكية، حيث خلق غياب المدرسة فراغًا واسعًا لدى كثير من الطلاب، خصوصًا أولئك الذين لا تحيطهم أسر قادرة على المتابعة، ما دفع بعضهم إلى الانخراط في مجموعات الشوارع وما يرافقها من سلوكيات خاطئة وتنمّر ومشكلات داخل الأسرة.
ويوضح أن آثار التعليم لا تظهر فورًا، بل تتكشف لاحقًا، لافتًا إلى أن طلابًا التحقوا بالجامعات هذا العام وفشلوا في اختبارات القبول رغم حصولهم على معدلات مرتفعة في الثانوية العامة، بسبب ضعف التحصيل الحقيقي وعدم معيارية الاختبارات خلال سنوات الانقطاع.
ويؤكد أن النزوح الواسع للمعلمين منذ بداية الحرب شكّل أحد أخطر العوامل المؤثرة على العملية التعليمية. ويوضح أنه مع اندلاع الحرب كان عدد المعلمين يقارب 43.600 معلم ومعلمة، نزح منهم نحو 15 ألفًا، ولا يزال ما بين 10 و12 ألف معلم نازحين حتى اليوم، رغم عودة بعضهم إلى مدينة تعز والمديريات المحررة.
ويضيف أن هذا النزوح، إلى جانب إحالة نحو ثمانية آلاف معلم إلى التقاعد، تسبب بعجز كبير في الكادر التعليمي، خصوصًا في تخصصات الفيزياء والكيمياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية، ما أثّر بشكل مباشر على جودة التعليم واستقرار العملية التعليمية.
الحكومة: إنقاذ التعليم ما يزال ممكنًا
تقول الحكومة إن اليمن يواجه واحدة من أخطر أزمات الفاقد التعليمي في تاريخه الحديث. ويقول نائب وزير التربية والتعليم، الدكتور علي العباب، في حديثه لموقع "الترا صوت"، إن جيلًا كاملًا التحق بالتعليم الأساسي مع بدايات الحرب التي شنتها جماعة الحوثي، وصل اليوم إلى نهاية المرحلة الثانوية وهو يعاني فجوات معرفية ومهارية عميقة.
وبحسب نائب الوزير، تشير تقديرات وزارته بالتعاون مع منظمات دولية إلى أن نحو ستة ملايين طفل تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بانقطاع أو اضطراب العملية التعليمية، من بينهم أكثر من مليوني طفل خارج المدرسة كليًا، إضافة إلى نحو 3.7 ملايين طفل معرّضين لخطر التسرب.
ويؤكد الدكتور العباب أن هذا الفاقد لا يُقاس بعدد السنوات الدراسية الضائعة فقط، بل بالتراجع الحاد في مهارات القراءة والكتابة والحساب والتفكير التحليلي، ما يهدد قدرة هذا الجيل على الالتحاق بالتعليم العالي أو الاندماج المنتج في سوق العمل مستقبلًا.
وينظر، بحسب نائب الوزير، بقلق بالغ إلى تصاعد ظواهر التسرب المدرسي، وعمالة الأطفال، والانخراط في النزاع المسلح، بوصفها نتائج مباشرة للحرب والفقر وانهيار دخل الأسر، لافتًا إلى أن عدم انتظام رواتب المعلمين وحده يضع تعليم نحو أربعة ملايين طفل إضافي في دائرة الخطر.
ورغم قسوة المشهد، يؤكد الدكتور العباب أن إنقاذ التعليم ما يزال ممكنًا إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية ودعم مستدام، مشددًا على أن أولويات الوزارة تتمثل في إعادة الاعتبار للمعلم عبر انتظام الرواتب، والتأهيل المهني، والدعم النفسي، وإعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتحييد التعليم عن الصراع، وتنفيذ برامج واسعة لتعويض الفاقد التعليمي، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية لضمان استدامة التمويل.
أطفال في جبهات القتال
في السياق، يؤكد رئيس منظمة "سياج" لحماية الطفولة، أحمد القرشي، أن التعليم في اليمن تعرض لتفكيك وتجريف غير مسبوق خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى انهيار شامل في مكونات العملية التعليمية من المناهج والمعلمين إلى مباني المدارس والسياسات التعليمية.
ويشير إلى أن أكثر من خمسة ملايين طفل حُرموا من التعليم الأساسي، فيما فقد عشرات الآلاف من المعلمين وظائفهم أو رواتبهم، أو اضطروا للنزوح داخل البلاد وخارجها، ما دفع كثيرين منهم إلى ترك مهنة التعليم والالتحاق بأعمال أخرى لتأمين لقمة العيش.
ويحذر القرشي من أن المناهج الدراسية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، التي تضم أكثر من 70% من سكان اليمن، تعرضت لتغييرات جوهرية، حيث جرى إدخال مضامين تحث على العنف وتعزز العنصرية والطبقية، وتدفع الأطفال نحو جبهات القتال عبر المراكز الصيفية والأنشطة المدرسية المؤدلجة.
التعليم في اليمن تعرض لتفكيك وتجريف غير مسبوق خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى انهيار شامل في مكونات العملية التعليمية
انهيار التعليم يعقّد إعادة بناء الدولة
يرى الباحث الاجتماعي الدكتور عصام الأحمدي أن معضلة اليمن تتمثل في غياب التعليم الحقيقي منذ عقود، ما أسهم في الوصول إلى الوضع الكارثي الراهن. ويؤكد لموقع "الترا صوت" أن انهيار التعليم يؤدي إلى تخلخل بنية المجتمع ووظائفه الأساسية، ويعيد إنتاج الفقر، ويوسع الاقتصاد غير المنظم، ويقضي على فرص الحراك الاجتماعي.
ويحذر الأحمدي من أن المجتمع يتحول تدريجيًا، في ظل غياب التعليم، من مجتمع قائم على المعرفة والمؤسسات إلى مجتمع تحكمه العصبيات الأولية مثل القبيلة والطائفة والجماعات المسلحة، مبينًا أن التعليم هو الرابط الأساسي بين الفرد والدولة الحديثة، ومع غيابه تتفكك هذه العلاقة لصالح قوى غير رسمية.
وحول الجيل الذي نشأ في الحرب، يوضح أن اليمن يواجه فجوة معرفية واجتماعية عميقة، حيث تراجعت المدرسة كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية والمدنية، وحلّت محلها الدورات الطائفية، والمراكز الصيفية المؤدلجة، والإعلام التعبوي، وسوق العمل القسري، ما أفرز جيلًا يفتقر إلى المهارات الأساسية ويعاني هشاشة في الوعي المدني والانتماء الوطني.
ما بعد الحرب
ما تكشفه شهادات المسؤولين والمعلمين والمدافعين عن حقوق الطفولة والباحثين ليس مجرد أزمة عابرة في وجه العملية التعليمية، بل خطر يهدد مستقبل اليمن، ويكشف عن جريمة خلّفتها الحرب بحق جيل كامل نشأ خارج المدرسة وبعيدًا عن حماية الدولة.
فهل سيكون بناء الإنسان أولوية في أجندة الأطراف المتصارعة حين يصمت السلاح؟