جيل أميركي يفقد ثقته بالمستقبل.. لماذا أصبح الشباب أكثر تشاؤمًا من كبار السن؟
18 مايو 2026
في تحول غير مسبوق داخل الولايات المتحدة، بدأ الشباب الأميركي ينظر إلى سوق العمل بقدر متزايد من التشاؤم، بينما يتمسك كبار السن بنظرة أكثر تفاؤلًا تجاه الاقتصاد وفرص التوظيف. وذلك بحسب استطلاع أجرته مؤسسة Gallup كشف عن فجوة عمرية حادة في تقييم الواقع الاقتصادي، لتصبح الولايات المتحدة الدولة الأكثر انقسامًا بين الأجيال في النظرة إلى فرص العمل بين 141 دولة شملها الاستطلاع.
وحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، فإن النتائج تعكس تغيرًا عميقًا في المزاج العام لدى الشباب الأميركي، خصوصًا بعد سنوات طويلة كان فيها الجيل الأصغر أكثر ثقة بقدرته على بناء مستقبل مهني أفضل مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا. لكن هذه المعادلة تبدلت بسرعة خلال العامين الماضيين، مع تراجع الثقة بسوق العمل إلى مستويات تقترب من تلك التي سُجلت خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.
انهيار ثقة الشباب بسوق العمل
بحسب الاستطلاع، يرى 43% فقط من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 عامًا أن الوقت الحالي مناسب للعثور على وظيفة في مناطقهم، مقابل 64% من الأميركيين الذين تجاوزوا سن 55 عامًا. هذه الفجوة تُعد الأكبر عالميًا بين جميع الدول التي شملها الاستطلاع.
يشعر كثير من الشباب الأميركيين بأن الطريق نحو الاستقرار أصبح أطول وأكثر تكلفة وغموضًا من أي وقت مضى، في لحظة يبدو فيها "الحلم الأميركي" أقل وضوحًا بالنسبة لجيل كامل
المفارقة أن الاتجاه العالمي يسير بالعكس تمامًا، إذ يُظهر الشباب في معظم دول العالم تفاؤلًا أكبر من كبار السن تجاه فرص العمل. لكن داخل الولايات المتحدة، أصبح الجيل الأصغر أكثر قلقًا من أي وقت مضى، في مؤشر يراه مراقبون انعكاسًا لتراكم أزمات اقتصادية ومعيشية متلاحقة.
ويقول باحثون إن الشباب الأميركي لم يعد يرى أن الاجتهاد وحده كافٍ لبناء مستقبل مستقر، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف السكن، وتضخم أسعار المعيشة، وصعوبة امتلاك منزل، إضافة إلى القلق المتزايد من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف المستقبلية.
ما الذي غيّر المزاج الأميركي؟
بعد جائحة كورونا، شهد الاقتصاد الأميركي انتعاشًا واضحًا خلال عامي 2021 و2022، وارتفعت حينها ثقة مختلف الفئات العمرية بسوق العمل. لكن منذ عام 2023 بدأت المؤشرات تتراجع مجددًا، وكان الشباب الأكثر تأثرًا.
الاستطلاع أظهر أن نسبة الشباب الذين يعتبرون الوقت الحالي مناسبًا للعثور على وظيفة هبطت بمقدار 27 نقطة مئوية خلال عامين فقط، وهو تراجع يوازي تقريبًا ما حدث خلال الأزمة المالية العالمية قبل أكثر من عقد ونصف.
لكن الاختلاف هذه المرة أن كبار السن لم يفقدوا ثقتهم بالدرجة نفسها، بل حافظوا نسبيًا على نظرة مستقرة تجاه الاقتصاد وفرص العمل. ويربط خبراء ذلك باختلاف الظروف الاقتصادية بين الجيلين؛ فكبار السن أكثر احتمالًا لامتلاك منازلهم الخاصة، وأقل تأثرًا بأزمات الإيجارات والقروض، كما أن نسبة كبيرة منهم متقاعدون بالفعل ولا يواجهون المنافسة الحالية في سوق التوظيف.
أحد العوامل الجديدة التي تُثقل نظرة الشباب للمستقبل يتمثل في الصعود السريع للذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من اختفاء وظائف كثيرة كانت تُعتبر بوابة الدخول التقليدية لسوق العمل. ويرى كثير من الشباب أن الوظائف المخصصة للمبتدئين أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى، خصوصًا في القطاعات التقنية والإدارية والإبداعية، مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى.
هذا القلق ترافق مع بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، في وقت ما تزال فيه قضية التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة تحتل صدارة النقاشات السياسية والاقتصادية في البلاد.
أزمة نفسية تتجاوز الاقتصاد
لا يقتصر تأثير الأزمة على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى الصحة النفسية والشعور العام بالأمان الاجتماعي. ويقول خبراء إن جزءًا كبيرًا من إحباط الشباب يرتبط بإحساسهم بأن الأجيال السابقة لا تدرك حجم الصعوبات الحالية.
ويواجه الشباب الأميركي اليوم واقعًا مختلفًا عن ذلك الذي عاشه آباؤه؛ فالحصول على وظيفة مستقرة لم يعد يضمن القدرة على شراء منزل أو تأسيس حياة مريحة، حتى بالنسبة لخريجي الجامعات.
وتُظهر الاستطلاعات أن النساء الشابات، وخريجي الجامعات، ومن لم يحصلوا بعد على أول وظيفة، هم الفئات الأكثر تشاؤمًا تجاه المستقبل المهني. كما يتزايد الشعور بأن الحراك الاجتماعي الذي ميّز "الحلم الأميركي" أصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا.
انقسام سياسي يتعمق
هذا التحول الاقتصادي والنفسي بدأ ينعكس بقوة على المشهد السياسي الأميركي. فالشباب الذين منحوا اهتمامًا متزايدًا لقضايا مثل تكاليف السكن والعدالة الاقتصادية باتوا أقل ثقة بالمؤسسات السياسية والاقتصادية.
ورغم أن ترامب تمكن خلال انتخابات 2024 من تحسين نتائجه بين الناخبين الشباب عبر وعود مرتبطة بالاقتصاد ومحاربة التضخم، فإن استطلاعات حديثة تشير إلى تراجع الرضا عن أدائه الاقتصادي، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
ووفقًا لاستطلاع أجرته أسوشيتد برس في نيسان/أبريل الماضي، فإن نحو 8 من كل 10 أميركيين دون سن 35 لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد وتكاليف الحياة، وهي نسبة أعلى بوضوح مقارنة بكبار السن.
لا يزال كبار السن ينظرون إلى سوق العمل باعتباره مساحة مفتوحة للفرص، لكن في المقابل، يشعر كثير من الشباب الأميركيين بأن الطريق نحو الاستقرار أصبح أطول وأكثر تكلفة وغموضًا من أي وقت مضى، في لحظة يبدو فيها "الحلم الأميركي" أقل وضوحًا بالنسبة لجيل كامل.