جيلٌ لبناني مُعجز

جيلٌ لبناني مُعجز

تظاهرة في الانتفاضة اللبنانية (أ.ب)

كان جيل ما بعد الحرب الأهلية في لبنان، محل سخرية دائمة من الأجيال التي تسبقه، وكل ذنب هذا الجيل أنه كبر في خضم الثورة الرقمية المهولة! 

المفارقة أن من يسخر ويتهم جيل الانتفاضة اللبنانية، هو نفسه الجيل الذي تسبب في دمار لبنان بحرب أهلية استمرت 15 عامًا 

"إنتو جيل مغنج"، و"جيل الآيباد ما بيعرف يقلي بيضة"، وغيرها من التوصيفات التنميطية، والاتهامات بالفشل حينًا والانحلال الأخلاقي حينًا آخر.

اقرأ/ي أيضًا: "بوعزيزي لبنان".. ينتصر أخيرًا 

المفارقة أن من يطلق هذه التوصيفات والاتهامات على هذا الجيل، هو جيل تسبب في دمار لبنان بحرب أهلية استمرت 15 عامًا. ولا يبدو أنه تعلم منها شيئًا، فبقي بعد الحرب في نفس اصطفافاته وتمترسه الحزبي/الطائفي.

ومن جهة أخرى، فهذا الجيل، جيل الحرب، الشاهد عليها، تحول لشاهد زور على فترة ما بعد الحرب، التي كان له مُقدّر إدارتها، فنُهش لبنان، وجُعلت بنيته التحتية تهترئة، ونخر الفساد في كل مفاصل الدولة.

إذًا لم يكتف جيل الحرب الأهلية بحمل السلاح، بل شارك بعد الحرب التي شعلها في منظومة الفساد، فخلع هؤلاء -ولا نعمم- بدل العسكرية، وتحولوا من "زلم" الزعيم في الشارع، إلى أزلامه وراء المكاتب وكواليس الصفقات المشبوهة والسمسرة.

في المقابل، فإن "جيل الآيباد" كما يصفوه، لم يعد يصدق كذب الزعيم وخطبه الطائفية. وإن صدّق الأب، فإن الابن ينتفض أمامه، مفندًا الأكاذيب، بما تعلمه من الإنترنت!

هذا الجيل، بكل بساطة، لا يمكنك أن تضحك عليه لا بخطاب طائفي ولا بوظيفة لا طائل منها، لأن طموحه أكبر بكثير من أن يأكل ويشرب ويصوت للزعيم كي يستمر في نهبه للمال ومضاعفة ثروته.

هذا الجيل يريد أن يتزوج زواجًا عابر للطوائف، لأنه لا يخاف من الآخر، ليس لأنه أقوى أو أشد بأسًا، بل لأنه ببساطة يعرفه ويتقبله ويحبه، بعد أن رفض البقاء في قوقعة الطائفية، ورافق الآخر في التعلم والسفر والسهر، ووصل لقناعة بأن من ينتهج طريقًا غير طريقته، لا يعني أنه عدو يجب محوه من الوجود!

وقد تجلى صراع الأجيال هذا بوضوح في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، عندما نزل كل إلى شارعه، فرأينا، بمسح عيني بسيط، كيف أن معدل الأعمار في تظاهرة بعبدا، يزيد عن الـ50 عامًا، وكيف أن خطاب هؤلاء كله استدعاء لذاكرة الثمانينات.

وعلى العكس من ذلك، بلغ متوسط أعمار متظاهري بيروت وطرابلس وصيدا، 25 عامًا، بخطاب كله عن المستقبل، منفوح بالطموح والأحلام.

الجميل في هذا الصراع، أن نتيجته محتومة، والمسألة مسألة وقت فقط. صحيح أن المجموعة الحاكمة تستأثر على السلطة، وتمتلك المال والسلاح، لكنها تخسر من رصيدها الشعبي كل يوم لصالح الجيل الجديد، فالزمن دائمًا للأمام، والوعي عملية تراكمية تتغذى ذاتيًا؛ فمتى ما تفتحت آفاق الفرد في المجتمع، صار من الصعب العودة إلى ما كان عليه من قبل.

وبمقارنة بين حراك 2015 وانتفاضة 2015، يتبين كيف قفز وعي المتظاهرين نوعيًا، بما جعل من انتفاضة 2019 أكثر نضجًا، بعد أخطاء مني بها حراك 2015.

فسنجد في انتفاضة 2019، لا مركزية في التجمع والتظاهر سهلت على الكثيرين إمكانية المشاركة، وجعلت نَفس المتظاهرين أطول، وقطعت الطريق على المتسلقين والراغبين في شق الصفوف.

كما سنجد مطالب واقعية، تعبر عن إدراك بماهية المعضلة اللبنانية. وسنجد تكتيكات احتجاجية للضغط على السلطات، تأتي بأكلها، مثل قطع الطرقات لإظهار السلطات عاجزة، ومن ثم الانتقال إلى التمركز الاحتجاجي أمام المؤسسات العامة.

كما أن هناك حالة عامة من الاستعداد لخوض معركة سياسية طويلة مع السلطة، بعيدًا عن سريالية المطالبة بإسقاط نظام لا وجود له، بين ليلة وضحاها، فنحن، وكما يعلم الجميع، لا يحكمنا نظام واحد، بل شبكة أنظمة طائفية سياسية.

تعيش السلطة الآن في تخبط مع نفسها، فالوسائل التي طالما كانت تستخدمها لإحباط أي تحرك يمكن أن يزعزع عروش رجالاتها، لم تعد تجدِ نفعًا مع هذا الجيل المحصن جيدًا ضد جميع أنواع المسكنات المستخدمة لإبقاء الشعوب نائمة.

بمقارنة بين حراك 2015 وانتفاضة 2015، يتبين كيف قفز وعي المتظاهرين نوعيًا، بما جعل من انتفاضة 2019 أكثر نضجًا

إن نزول هذا الجيل بأغلبيته الساحقة مدججًا بالحماس الشبابي وبأحلامه الواسعة، خالعًا الطائفية للأبد، ومتحررًا من السلطة الأبوية، وضاربًا بالميراث الاجتماعي العرفي عرض الحائط؛ هو معجزة في حد ذاتها، فما بالك إن حقق نصرًا كان حتى 17 تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، ضربا من الخيال؟! إنه حقًا جيل المعجزات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حكومة التكنوقراط.. فخ السلطة للانتفاضة اللبنانية

أسئلة الانتفاضة الجادة بعد استقالة الحريري