23-أبريل-2021

جوزيف عيساوي وكتابه قصائد المنزل

ألترا صوت - فريق التحرير

في مناخ القلق والوحدة نبتت "قصائد المنزل" (1992) للشاعر جوزيف عيساوي. شِعرٌ خلا من رمزية شعراء الستينات والبعد الأسطوري، ومن غنائية بعض شعراء السبعينات. قصائد حميمة وفجّة تهجس بالموت والجنس والوحشة وموت الإله. نسيجٌ من السورياليّة والواقعيّة والكثير الكثير من التأمّل. شعرٌ ناقمٌ مفترسٌ غاضبٌ يحاولُ بلا كللٍ التفلّت من سلطات العائلة والادب والدين.

حمَلَ كتاب "قصائد المنزل" مناخات عيساوي الشعرية اللاحقة العدمية والساخرة والأيروسية والغنائية المخفَّفة، بل المُموَّتة في الحب والعلاقة مع اليوميات بعد ترفيعها وإعادة تدويرها. البعد المسيحي ذو الاتجاه الصوفيّ الوجودي. كذلك وبقوّة هو شعر المدينة وشوارعها وآرماتها وحروبها المتنقّلة والعزلة داخل البيت.

جوزيف عيساوي شاعر وإعلامي ومنتج برامج لبناني. له إصدارات شعريّة عديدة منها: "قصائد المنزل"، "شاي لوقاحة الشّاعر"، "على سرير ينكسر"، "ميّت سكران يطلبُ المزيد"، "نصفُ قبلةٍ وفخذ". أعدّ وقدّمَ عدة برامج تلفزيونية أبرزها كان "عكس السير" "بلا كرافات" وقريب جدًا".


بُستانٌ لم يُقطفْ

أو رجلٌ

يأكلُ جسدَهُ

مع جرعاتٍ من الويسكي

 

حياتُهُ تتنزّهُ

مع كلبٍ بلا اسمٍ وأجرة

من لُهاثِه يصعدُ هَواءٌ

يُنعِش المارّة

 

يشربُ حليبَه

في صمت،

يُفسِدُ الكلامُ البياضَ

مرّاتٍ مضاعفةً أكثرَ من الأنفاس.

 

ابتسامةٌ منسيّةٌ

منذُ انحسارِ الطُّوفان

تزين وجهَهُ،

يتثاءَبُ الحُزنُ ليسَعَ رأسَه

والكرشَ والأطراف.

 

     من نافذتِهِ

لا طُحْلُبَ يُضيء الشَّارع.

المطرُ ينتحرُ على السيّارات

ولا يموت.

بعضُ المارّة

يسحبونَ اللّيل بمعاطفهم

ليُعدَّ موائدَ أحلامهم.

 

في الصّباح المُزدحِم

فتيانٌ يركلونَ كلبًا يُسافِدُ كلبة.

تفاءَلْ بالحياة

ستستمر، قال، على مرأى من البشر

وفي نَدَمِ الأحذية القديمة

 

في خزانةِ الحائط

لَمَح حذاءَهُ الأسود

تذکَّر دفنَ والدِهِ

البذلةُ السّوداء

نظراتُهُ غارقةٌ في أكمامِ المُعَزِّين

البرودةُ المُعَبِّرةُ لخواتِمِهِم

مظلّتُهُ الكحليّةُ الّتي مثلهُ لمْ تدمع

تذکَّرَ ترابًا نضجَتْ ثمرتُهُ وسيأكُلُها بحنان.

      وابتسمَ لفرحِهِ يومَها حينَ عَطَسَ

فانتبه أنّ محرمتَهُ بيضاء

وأيضًا ثيابَهُ الدّاخليّة.

 

    أُمّه

عرفَ مِنْ رائحةِ رسائِلِها

أنّها تسكُنُ ياسمينةً مُزهرة

تقيها طوفان الليل.

 

شرفتهُ طائرتهُ التي اصطدمَ جناحُها بالبيتِ

منها يُتابعُ سفرَهُ إلى مدينة

حيثُ المارّةُ تتعرَّى لإلقاءِ التحيّة

وتغفو شجرةٌ وعصفورُها

في عشٍّ واحدٍ.

 

        وسيمٌ

 كأنفٍ شامخٍ

في وجهِ رجلٍ وسيم

يدمعُ كملاكٍ رعدت سماؤه

إذ باحَ لفتاةٍ من الأرض:

أحبّك.

 

 تحت الدوش

غنّى كثيرًا للحياة

أمّا النُّقَطُ الّتي لامسَتْ لسانه وشفتيه

فهي كلماتٌ لنْ يبوحَ بها

حتّى لنَفسِه.

 

 كانَ سعيدًا جدًا بالماء،

حَسِبَ رأسَهُ حوتًا

والصابونةَ العجوزَ فتاةً

يكادُ يوقظُ قمرًا بين نهديها.

 

من الراديو

أغنيةٌ تقول:

رَحِمُ امرأةٍ سجنتني خارجًا

فخذٌ خلّصتني من نفسي.

الله ما أجملَ الغناء لِفخذٍ ترشح زيتًا

تنقُره عصافير الذكرى.

 

            صديقٌ

أهدى إليه علّاقةَ مفاتيح.

لم يعرفْ ما يفعلُ بها .

في الزيارة التالية

علّقَ بها، على عَجَلٍ ،

بعضَ أصابعه

ليبدو ممتنًا للهدية.

انصرفَ الصديقُ بعد مصافحتين حارّتين

وما انتبه أن يدَ الرّجُل

بلا أصابع

 

بَدَلَ الدّواء

ناولَ أمّه تاريخَ ميلاد.

 

لم يكُن يرفعُ قبعته

إلّا أمامَ المقابر

والبارات

وساعةِ الحائطِ كُلّما دُقَّت.

قُبَّعتهُ التي تريّثَ فيها الله

وعادَ من حيثُ أتی

أحَبَّ أن يُنجبَ ولدًا

لا ليشبهَهُ

أو يَحمِلَ اسمه

ولكن ليتفرّجَ على والدِهِ ينطفىء فجأة

كتلفزيونْ.

 

عندما سمعَ طرقًا

 لم يعرفْ

قبل أنْ يقتربَ من الباب

أن أوهامهُ خارجةٌ

 تفتشُ عن قبر.

 

        في مرضِهِ الأخير  

خرجَ إلى الحديقة

وجلسَ على كرسيِّه الهزاز

حتّى إذا مات

حسبهُ اللّصوصُ مجرّدَ حالم

لا يستحقُّ حركةً خفيفةً توقظهُ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عمر أبو ريشة: أمتي هل لك بين الأمم؟

عباس بيضون: صُوْر