جورجينا من السويداء وجوني من برلين

جورجينا من السويداء وجوني من برلين

الصداقة ليست بحاجة إلى اللغة (شيان غالوب/Getty)

صدفة أو محاولة تلك التي جمعت جورجينا بجوني. فلم يكن قد مضى وقت طويل على وصول جورجينا إلى برلين، حتى أقامت صداقتها الأولى مع جوني الألمانية. جورجينا التي غادرت ضيعتها الصغيرة في السويداء، لم تعتد بسرعة وربما لن تعتد على حياة المدن الكبرى، التي تفقتد الجلسة الحميمية والحديث الطويل وتناول المشروبات الساخنة الذي لا ينتهي، في ضيعتها الصغيرة. هناك حيث لا يحتاج الضيف إلى دعوة سابقة كي يدخل المنزل، فبمجرد مروره من جانبه أصبح مشروع ضيف.

الصديقتان استخدمتا "غوغل ترانسلايت" للتواصل

بهذه العقلية تجولت جورجينا، في إحدى حدائق برلين، لسبب ما لفتت انتباهها جوني، التي تجلس على ضفة النهر وتشرب البيرة. جورجينا التي لا تجيد الكلام إلا باللغة العربية. صرخت في جوني: هالو هالو هالو، كان يومًا متعبًا بالنسبة لجوني التي اعتقدت أن جورجينا تريد أن تجمع عبوات البيرة الفارغة، فأعطتها العبوة. رفضت جورجينا وأشارت لها بيدها بأنها تريد أن تجلس إلى جانبها، تجاذبا أطراف الحديث وفهمت جورجينا ما فهمت وفهمت جوني ما تيسر، جوني كانت في سوريا منذ سنوات وهي تكتب الدكتوراه الخاصة بها حول الشرق. ترغب في تعلم اللغة العربية وعمرها 36 عامًا. جورجينا أتت منذ شهرين إلى ألمانيا زوجها مقيم في برلين وعمرها 23 سنة وتريد أن تتعلم الألمانية، اتفقتا على أن تلتقيا بعد أسبوع في نفس المكان لاحتساء القهوة.

في ذلك اليوم هطل المطر بلا توقف، ولكن جورجينا أصرت أن تذهب إلى الموعد، الساعة الخامسة، كانت مهمتها ليست سهلة، بأن تقنع زوجها بأهمية اللقاء، حملت مظلتها وانطلقت، وكم فرحت عندما وجدت جوني وقد وفت أيضًا بعهدها. أتت رغم المطر الذي بلل كل مقاعد الحديقة، جلستا تحت شجرة للاحتماء من المطر الشديد الذي كان يهطل، وأخرجت جوني قهوتها وبعض قطع الكيك وتبادلا كل بلغته أيضا شيئًا من الحديث.

في الموعد الثالث لم تحتمل جورجينا ألا تدعو الصديقة الجديدة إلى منزلها، وتعرفها على زوجها والأصدقاء الآخرين، اللذين كانوا يراقبون الاثنتين بكثير من الاستغراب والفضول، وبسؤال ملح، هل سينجحان؟ في المرة الرابعة كان الموعد في منزل جوني، لتشكل تلك الصدفة سلسلة من الزيارات بين الاثنتين.

جوني ذات الرأس الحليق من جهة والشعر المجدل من جهة أخرى، وبعض الأقراط التي تزين وجهها، ألمانية تمامًا. جورجينا بوجهها المستدير الطفولي، ووعيها الحديث بالمدينة الجديدة، تبدو عربية على نحوٍ واضح أيضًا. هكذا، وبلغة غير مشتركة، ودفتر وقلم وغوغل ترانس ليت، يحاولان أن يبنيا جسرًا.

جسر بين مدينة وضيعة وبين جيل وآخر وبين لغةٍ وثانية. بين ثقافة واُخرى. لا عناصر تجمع بينهما من تلك التي تجمع الأصدقاء التقليدين أو المعارف العاديين، ما يجمعهما فضول تجاه الآخر، ورغبة في التواصل معه. والأهم أن كلتيهما أظهرتا قدرة استثنائية في تقبل الآخر، تصلح لأن تدرس أو أن تكون محورًا في أحد المحاضرات التي تلقى في معاهد العالم عن قبول الآخر. وفي أية حال، جورجينا من مئات السوريين، الذين بدأوا يتأقلمون ــ تدريجيًا ــ مع الحياة الألمانية.

اقرأ/ي أيضًا:

لاجئة سورية سرقت 1000 يورو!

من اليرموك إلى أوروبا.. اللجوء متواصل