جوديث بتلر.. عن التغيير في زمن كورونا

جوديث بتلر.. عن التغيير في زمن كورونا

نجد أنفسنا في مواجهة فيروس عابر للحدود لا يبالي بفكرة الدول القومية (EPA)

يقدم ألترا صوت أدناه، ترجمة لمقال نشرته المنظرة النسوية المعروفة  جوديث بتلرعبر موقع "فيرسو"، مقدمة معالجتها لأسئلة التغيير، في زمن تسيطر عليه المخاوف من الوباء، ويتكشف فيه فشل أشكال الإدارة الحالية للسياسة والمجتمع.


في زمن الجائحة الجديدة وفضائها، تتزامن ضرورة الانعزال مع الاعتراف العالمي بالتداخل والاعتماد المتبادل. من ناحية، نحن مطالبون بأن نحجز أنفسنا في وحدات عائلية، وفي المنازل المشتركة وأماكن الإقامة الفردية، محرومين من التواصل الاجتماعي ومنسحبين إلى فضاءات معزولة نسبيًا. أومن الناحية الأخرى، نجد أنفسنا في مواجهة فيروس عابر للحدود لا يبالي بفكرة الدول القومية. لكن، لا يملك كل شخص مأوى أو عائلة، كما أن هناك عددًا متزايدًا من المشردين في الولايات المتحدة. ولذلك فإنه يتم تصور الأسرة باعتبارها مساحة آمنة، لكن هذا لا يبدو صحيحًا دائمًا بالنسية للكثيرين. في الولايات المتحدة، توضع استراتيجية قومية، وتلغى، ثم تظهر في أنماط عامة مشتتة. أما السؤال عمن سيعيش ومن سيموت فيبدو بالنسبة لرئيسنا مثل معادلة (ربح، تكلفة) يحددها السوق.

في زمن الجائحة الجديدة وفضائها، تتزامن ضرورة الانعزال مع الاعتراف العالمي بالتداخل والاعتماد المتبادل

ما هي عواقب هذا الوباء على التفكير في قضايا المساواة والاعتماد المتبادل بين البشر والتزاماتنا تجاه بعضنا البعض؟ لا يمارس الفيروس التمييز ولا الإقصاء، فهو يساوي بيننا جميعًا ويضعنا جميعًا في مهب نفس الخطر وهو المرض أو فقد شخص قريب والعيش في عالم مسكون بالتهديد المحدق. لكن في نفس الوقت، فإن فشل بعض الدول أو المناطق في الاستعداد المسبق (لعل الولايات المتحدة أشهر مثال الآن على هذا) والعودة لسياسات القومية وإغلاق الحدود (مصحوبة بالهلع من الغرباء) وظهور رواد الأعمال الباحثين عن الربح على حساب المعاناة العالمية، تشهد كلها على السرعة التي تجد بها عقائد اللامساواة الجذرية التي تشمل القومية وتفوق البيض والعنف ضد النساء والمثليين والمتحولين جنسيًا وكذلك الاستغلال الرأسمالي، طرقًا جديدة لإعادة إنتاج سلطتها في فضاء الوباء وزمانه. لا يجب أن يكون هذا الأمر مفاجئًا لنا.

اقرأ/ي أيضًا: وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ

تسلط سياسات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الضوء على هذا الأمر بطريقة مميزة. واحد من السيناريوهات التي يمكننا تخيلها الآن وهو إنتاج وتسويق لقاح فعال ضد فيروس كورونا الجديد. ترامب الطامح لتسجيل نقاط سياسية ليضمن إعادة انتخابه، سعى لشراء حقوق حصرية للولايات المتحدة للقاح تنتجه شركة ألمانية تسمى CureVac، تمولها الحكومة الألمانية. أكد وزير الصحة الألماني المستاء من الموقف للصحافة الألمانية أن ترامب قدم العرض بالفعل. وعلق كارل لاوترباخ السياسي الألماني على الأمر قائلًا: "يجب علينا منع عملية البيع الحصري للقاح للولايات المتحدة بأي ثمن. للرأسمالية حدودها". أفترض أن اعتراضه نبع من فكرة "الاستخدام الحصري" وأنه كان ليغضب بنفس القدر لو كان استخدامه مقصورًا على الألمان وحدهم.  لنأمل ذلك، فقد شهدنا سابقًا عالمًا تقدر فيه حياة الأوروبيين فوق حياة الجميع، وشهدناه مؤخرًا على حدود الاتحاد الأوروبي.

لا جدوى من السؤال مجددًا، ما الذي كان يفكر فيه ترامب؟ فقد طرح مرارًا وتكرارًا لدرجة أننا لم نعد نتفاجأ. لكن لا يعني هذا أن غضبنا وحنقنا يقل مع كل مثال جديد يقدمه على الأنانية وحب الذات الإجرامية واللاأخلاقية. لو أنه نجح في شراء لقاح محتمل وقصر استخدامه على المواطنين الأمريكيين فقط، هل يعتقد أن المواطنين الأمريكيين سيحيون جهوده فرحين بفكرة نجاتهم من موت محقق بينما تظل بقية شعوب العالم واقعة تحت رحمته؟ هل سيحبون حقًا مثل هذا النموذج الجذري من انعدام المساواة والاستثناء الأمريكي ويصفقون على وصفه لنفسه بالعبقرية في إتمام الصفقات؟ هل يعتقد أن معظم الناس يؤمنون بأن السوق هو الذي يقرر كيفية تطوير اللقاح وتوزيعه؟ هل من المعقول أن نصر على أن مخاوف الصحة العالمية تفرض علينا أن نتخلى عن عقلية السوق في هذا الوقت؟ هل يصح أن نفترض أننا نعيش وفقًا لمعايير هذا العالم المتخيل؟ 

حتى لو طبقت هذه القيود المبنية على الجنسية الوطنية، سنرى بالتأكيد الأغنياء ومن يتمتعون بالأمان الصحي يهرعون للحصول على مثل هذا اللقاح فور توفره، حتى لو كان نمط التوزيع يضمن أن يحصل البعض على اللقاح بينما يقبع آخرون في مواجهة الخطر المستمر والمتزايد. ستحرص الفروق الاجتماعية والاقتصادية على أن يصبح الفيروس إقصائيًا ومفرقًا. الفيروس بمفرده لا يميز ولا يفرق، لكننا نحن البشر، نفعل ذلك بالتأكيد، من واقع تشكلنا وتحركنا في فضاء سلطات متداخلة هي القومية والعنصرية وكراهية الأجانب والرأسمالية. يبدو أننا سنرى الأرجح في العام القادم مشهدًا مؤلمًا يشدد فيه بعض البشر على حقهم في الحياة على حساب الآخرين، ويعاد فيه فرض تمييز زائف بين الأرواح التي تستحق الحداد وأخرى لا تستحق ذلك، وبين من تستحق حياتهم الحماية بأي تكلفة، ومن تعد حياتهم عبئًا لا يستحق الحماية ضد المرض أو الموت.

يحدث كل هذا في خضم سباق رئاسي في الولايات المتحدة، لا تبدو فيه فرص ساندرز لضمان ترشيح الحزب الديمقراطي كبيرة وإن لم تكن مستحيلة. المسارات الجديدة التي قادت جو بايدن إلى مقدمة المتنافسين كارثية في هذا الوقت تحديدًا، لأن ساندرز ووارن كلاهما نادا بحق الجميع في الرعاية الصحية وببرنامج شامل للرعاية الصحية يضمن الرعاية الصحية الأساسية لجميع من في هذا البلد. سيقضي مثل هذا البرنامج على شركات التأمين الصحي الخاصة المدفوعة بمنطق السوق والتي تخلت عن المرضى في كثير من الأحيان وفرضت عليهم تكاليف لا طاقة لهم بها، وفرضت تراتيبية متوحشة بين المؤمن عليهم وغير المؤمن عليهم ومن لا يمكنهم الحصول على تأمين صحي.

رؤية ساندرز الاشتراكية للتأمين الصحي يمكن وصفها بالديمقراطية الاشتراكية وهي لا تختلف كثيرًا عن تلك التي أعلنت عنها إليزابيث وارن في بداية حملتها. في رؤيته هذه تمثل التغطية الصحية "حقًا من حقوق الإنسان"، يعني به أن لكل إنسان الحق في الرعاية الصحية التي يحتاجها. لكن لم لا نفهمها على أنها التزام اجتماعي، التزام يتأت من العيش في مجتمع واحد مع بعضنا البعض؟ ولإرساء هذا المفهوم سيكون على ساندرز ووارن إقناع الشعب الأمريكي بأننا نريد العيش في عالم لا يحرم فيه أي شخص من الرعاية الصحية لصالح آخرين. بعبارة أخرى، يجب علينا أن نوافق على عالم اقتصادي واجتماعي لا يقبل فيه أن يحصل البعض على اللقاح الذي ينقذ حياتهم بينما يحرم منه آخرون بدعوى عدم قدرتهم على الدفع وعدم تمتعهم بالتأمين الصحي الذي يدفع عنهم.

اقرأ/ي أيضًا: خراب الاقتصاد العالمي.. وجه كورونا القبيح

أحد أسباب تصويتي لساندرز في الانتخابات التمهيدية في كاليفورنيا كما فعل غالبية الديمقراطيين المسجلين هو أنه، إلى جانب وارن، طرح طريقة لإعادة تصور عالمنا كما لو أنه محكوم برغبة جماعية في تحقيق المساواة الجذرية، عالم نصر فيه جميعًا على أن المواد الأساسية والضرورية للحياة مثل الرعاية الصحية يجب أن تمنح للجميع سواء امتلكوا أسبابها المالية أم لا. مثل هذه السياسية ستزيد من تلاحم الدول الملتزمة بالرعاية الصحية الشاملة، وستفتح الطريق لتطبيق سياسات صحية ملتزمة بتحقيق مثل العدالة والمساواة. تظهر استطلاعات الرأي أن قصر السباق الرئاسي بين ترامب وبايدن في زمن الوباء وفي ظل توقف جميع مناحي الحياة، يزيد من سوء أوضاع المتشردين والفقراء ومن لا يتمتعون بالتغطية الصحية. 

بتلر: أحد أسباب تصويتي لساندرز في الانتخابات التمهيدية في كاليفورنيا هو أنه طرح طريقة لإعادة تصور عالمنا كما لو أنه محكوم برغبة جماعية في تحقيق المساواة الجذرية

لوهلة قصيرة أصبحنا شعبًا يتمنى نظامًا صحيًا ملتزمًا تجاه كل الأرواح بالتساوي وعالمًا خاليًا من استيلاء السوق على الرعاية الصحية وتقريره لمن يستحق الحياة ومن يترك فريسة للمرض والفقر. أصبحنا نفهم أنفسنا بشكل مختلف حين فتح ساندرز ووارن باب هذه الإمكانية أمامنا. فهمنا أن بإمكاننا التفكير في القيمة خارج الشروط التي تفرضها عليها الرأسمالية. رغم أن وارن لم تعد مرشحة، ومن غير المرجح أن يستعيد ساندرز زخمه، يجب علينا أن نسأل أنفسنا، لماذا لا يزال شعبنا معارضًا لعلاج جميع الأرواح بالتساوي؟ لماذا يتحمس البعض لجهود ترامب الساعية لتأمين اللقاح للشعب الأمريكي وحده قبل الآخرين؟ يداعب حلم الرعاية الصحية الشاملة مخيلة الاشتراكيين في أمريكا، ولم يبق سوى تطبيقه في السياسات الاجتماعية والاقتصادية على الأرض. لكن للأسف في زمن الوباء ليس بوسع أحد أن ينتظر. على الحراك الاجتماعي القائم أن يتبنى هذه الفكرة ويبقيها حية في السباق الرئاسي القادم وأن لا ينتظر تطبيقها على المدى البعيد. لقد نالت هذه الأفكار ما يكفي من الاهتمام والانتباه لتشعل لدى الكثيرين رغبة حقيقية في تغيير العالم، رغم رفضها والسخرية منها من قبل الرأسماليين الواقعيين. لنأمل أن تبقى هذه الرغبة حية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 اتحاد أوروبي بلا أوروبيين.. كورونا والقوميّة المتخيّلة