ultracheck
  1. قول

جهاز كشف الكذب يطارد حرب إيران

8 سبتمبر 2026
البنتاغون
أخضع البنتاغون نحو 50 مسؤولاً من أعضاء هيئة الأركان المشتركة لاختبارات جهاز كشف الكذب (Getty)
عبد الله مكسور عبد الله مكسور

قبل سنوات، خلال إحدى الدورات الخاصة والمتقدمة في السلامة المهنية الصحفية في مدينة أوروبية، جلس زميل لي على كرسي جهاز كشف الكذب بدافع الفضول. لم يكن متهمًا بسرقة بنك، ولم تكن الشرطة تحقق معه، ولم يكن يحمل سرًا من أسرار الدولة. أراد فقط أن يعرف إن كان الجهاز يستطيع فعلًا أن يكشف متى يكذب الإنسان. وضع المدربون حزامين حول صدره، وأجهزة ومشابك معدنية على أصابعه، وجهازًا حول ذراعه، ثم بدأت الأسئلة الصغيرة التي تبدو في ظاهرها بلا أهمية. ما اكتشفته من مراقبة تلك التجربة كان أكثر إثارة من النتيجة نفسها: الجهاز لا يقرأ الكذب بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما يقرأ الجسد وهو يتفاعل مع سؤال يعتقد من يجلس خلف الجهاز أنه قادر على تفسيره. كان الجسد، بطريقة ما، هو الشاهد الذي لا يستطيع صاحبه أن يطلب منه الصمت.

حضرت أمامي تلك التجربة وأنا أقرأ عن وصول البنتاغون الأميركي إلى واحدة من أكثر الوسائل بدائية وحساسية في البحث عن مصدر التسريبات: جهاز كشف الكذب. فنحو خمسين شخصًا من هيئة الأركان المشتركة، وفق ما نقلت وسائل إعلام أميركية، خضعوا للتحقيق بشأن تسريب معلومات تتصل بالحرب مع إيران ومخزونات الذخائر الأميركية. نتحدث هنا عن بعض كبار المسؤولين العسكريين الذين دخلوا فعلًا إلى الاختبار، فيما استُثني رئيس هيئة الأركان المشتركة. والأهم من عدد الذين جلسوا أمام الجهاز هو السؤال الذي دفع المؤسسة العسكرية إلى وضعهم هناك: من الذي يقول الحقيقة؟

هذه ليست تفصيلة إدارية صغيرة في حرب طويلة. هناك شيء رمزي للغاية في أن تصل المؤسسة العسكرية الأقوى في العالم إلى اللحظة التي تشعر فيها أن أوراقها السرية لم تعد آمنة داخلها، وأن عليها أن تبحث عن الكاذب بين رجالها باستخدام جهاز يراقب النبض والتنفس والتعرق. فحين تبدأ الدولة – أي دولة – في إخضاع موظفيها لجهاز كشف الكذب، فهي لا تبحث فقط عن شخص قام بتسريب معلومة، إنها تبحث عن الثقة المفقودة. وبطبيعة الحال فإن الحرب، في نهاية المطاف، لا تُدار بالصواريخ وحدها، بل تُدار أيضاً بالثقة في التقارير، وفي الأرقام، وفي تقديرات الاستخبارات، وفي رواية القيادة لما يحدث على الأرض.

من سرّب المعلومة؟

وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة. فالبنتاغون لا يحقق في تسريب عابر يتعلق بملف إداري، وإنما في معلومات عن استهلاك الذخائر ومخزوناتها خلال الحرب مع إيران. وهي معلومات شديدة الحساسية، لأن الحديث عن المخزون العسكري ليس حديثًا عن المستودعات فقط، بل عن قدرة الحرب نفسها على الاستمرار. لذلك يصبح السؤال الحقيقي خلف جهاز كشف الكذب أوسع من: من سرّب هذه المعلومة؟ ليصبح: هل كانت المعلومة صحيحة؟ وإذا كانت صحيحة، فلماذا كان ينبغي إخفاؤها؟ وإذا كانت خاطئة، فمن الذي يريد أن يعتقد الأميركيون أنها صحيحة؟

حين تبدأ الدولة – أي دولة – في إخضاع موظفيها لجهاز كشف الكذب، فهي لا تبحث فقط عن شخص قام بتسريب معلومة، إنها تبحث عن الثقة المفقودة

المشكلة أن جهاز كشف الكذب نفسه ليس محكمة للحقيقة. هو يقيس تغيرات فسيولوجية، لا الكذب بوصفه سلوكًا أخلاقيًا أو منطقيًا. يستطيع الإنسان الصادق أن يتوتر، ويستطيع الكاذب أن يبدو هادئًا، ويمكن للخوف من الاتهام نفسه أن يُنتج استجابة جسدية تشبه استجابة الكذب. لهذا ظل جهاز كشف الكذب المعروف "بالبوليغراف" موضع جدل علمي ومهني طويل. ومع ذلك تستخدمه المؤسسات الأمنية لأنه، حتى مع عيوبه، يؤدي وظيفة أخرى: إنتاج الضغط. فمجرد الجلوس أمام الجهاز قد يجعل الشخص يشعر بأن جسده صار طرفاً في التحقيق، وهذا يماثل لحظة الاستعداد لقياس ضغط الدم تمامًا.

لذلك ربما يكون جهاز كشف الكذب في البنتاغون مهمًا حتى لو لم يخبر المحققين من الكاذب فعلًا. فالجهاز هنا يعمل كرسالة داخلية أكثر منه آلة للحقيقة: نحن لا نثق بكم، نحن نريد أن نعرف ماذا تعرفون، ونريد أن نعرف من تحدث إلى الصحافة، وما إذا كانت المعلومات التي وصلت إلى الخارج قد خرجت من غرفة مغلقة أم من شخص يعمل لحساب جهة أجنبية. وحين تصل المؤسسة الأمنية أو العسكرية إلى هذه الدرجة من الشك، تصبح المشكلة في مكان آخر تماماً: العدو المحتمل لم يعد بالضرورة خارج المبنى.

ترامب تحت جهاز كشف الكذب

لكن إذا كان الأمر كذلك، فثمة سؤال يستحق أن نضعه على الطاولة: ماذا لو أخذنا الفكرة نفسها ووضعنا الرئيس دونالد ترامب أمام جهاز كشف الكذب؟ ليس لأن الجهاز يستطيع أن يصدر حكمًا نهائيًا على رئيس الولايات المتحدة، فهذا تبسيط لا يصح، وإنما لأن تصريحات ترامب خلال هذه الحرب تمنحنا مادة مثالية لاختبار العلاقة بين الخطاب السياسي والحقيقة. ماذا سيحدث لو جلس ترامب أمام الأسلاك نفسها، ووُضعت أمامه تصريحاته الأخيرة واحداً تلو الآخر، ثم طُلب منه أن يجيب فقط: نعم أم لا؟

"العملية انتهت". هذه كانت إحدى الروايات التي خرجت من الإدارة الأميركية في مرحلة مبكرة من الحرب مع إيران، حتى إن وزارة الدفاع طلبت لاحقًا من العسكريين التوقف عن استخدام هذا التعبير عند الإشارة إلى العمليات الأميركية في إيران، مؤكدة أن العملية انتهت في الخامس من أيار/مايو. ثم عاد التصعيد العسكري إلى الواجهة. وفي الثاني من أيلول/سبتمبر، قال ترامب إن الحملة الأميركية المتجددة على إيران لن تستمر طويلاً، بينما كانت الضربات والمواجهات تتواصل. هنا لا نحتاج إلى جهاز "بوليغراف" كي نشعر بأن هناك شيئًا لا يستقيم بين الكلمات والوقائع. يكفي أن نضع الجملتين إلى جانب بعضهما بعضًا.

ثم هناك الرواية الأخرى: يقول ترامب نحن لا نريد حربًا طويلة. قد تكون العبارة صحيحة في نية صاحبها، لكنها لا تجيب عن سؤال الزمن. فالحرب التي تدخل شهرًا سادسًا أو سابعاً لا تصبح قصيرة لأن الرئيس يقول إنها لن تطول. وفي الثالث من أيلول/سبتمبر، كان نائب الرئيس جي دي فانس يرفض حتى تسمية ما يجري حربًا، متحدثًا عن عمليات عسكرية متقطعة وعن هدف أميركي يتمثل في ضمان الملاحة في مضيق هرمز، في وقت تنتشر القوات الأميركية بكثافة في المنطقة. وفي هذا التفصيل تحديداً يصبح اختيار الاسم جزءًا من إدارة الحرب. إذا لم نسَمِّها حرباً، فربما يصبح من الأسهل سياسيًا إقناع الأميركيين بأنها ليست حربًا.

من العبارات التي يمكن التوقف عندها أيضًا في تصريحات ترامب: نحن ننتصر، والخصم يتراجع، والقدرة الأميركية لا تتأثر. لكن ماذا تقول الذخائر؟ في حزيران/يونيو، كان وزير الحرب بيت هيغسيث يصف الحديث عن أزمة في مخزون الذخائر بأنه قصة مصطنعة تدفع بها وسائل الإعلام، رغم أنه كان قد أقر أمام مجلس الشيوخ بأن إعادة بناء المخزونات يمكن أن تستغرق أشهرًا وربما سنوات في ظل استمرار الحرب في إيران. وفي الوقت نفسه، يلمس المتابع قلقًا حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية الأميركية بشأن سرعة استهلاك بعض الذخائر كما تشير التقارير وجلسات الاستماع في الكونغرس. وهنا تحديداً يصبح جهاز كشف الكذب استعارة سياسية واضحة المعنى: إذا كانت الرواية تقول شيئاً والمخازن تقول شيئاً آخر، فأيهما نصدق؟

لكن الأمر لا يتوقف عند الذخائر. فالإدارة الأميركية تقول إن الضغط العسكري والاقتصادي هو الطريق إلى طاولة التفاوض وإخضاع إيران، بينما تقول الوقائع إن التصعيد نفسه مستمر. وفي الأول من أيلول/سبتمبر، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران مستعدة للرد بالمثل إذا التزمت واشنطن بالتعهدات المرتبطة بالاتفاق المؤقت، فيما كانت المواجهات قد عادت بالفعل إلى المنطقة. وفي الثالث من أيلول/سبتمبر، كانت واشنطن تقول إنها لا تجري مفاوضات ما دامت إيران تهاجم السفن. وفي الرابع من أيلول/سبتمبر، كان ترامب يلوّح بضربة جديدة قرب "نطنز". وهذه ليست بالضرورة أكاذيب متناقضة، بل قد تكون استراتيجية تفاوضية تقوم على إبقاء كل الأبواب مفتوحة، لكنها بالتأكيد رواية أكثر سيولة وتتحرك أسرع من الوقائع.

المؤسسة العسكرية لا تبحث فقط عن الحقيقة، بل عن شخص يخاف من أن تكشفه أجهزتها. أما البيت الأبيض، فيبحث عن شيء مختلف: أن يصدق الجمهور روايته بما يكفي كي تستمر السياسة. وبين الاثنين مسافة هائلة

اللغة سلاح في الحرب

وهنا ربما تكمن الحكاية الأميركية الأعمق. ترامب لا يستخدم اللغة بوصفها تأطيرًا لما يحدث فقط، وإنما باعتبارها سلاحًا في الحرب. حين يقول مثلاً إن الضربة كانت هائلة، فهو لا يصف الانفجار وحده، بل يريد أن يصنع أثرًا نفسيًا. وحين يقول إن الحرب ستنتهي قريبًا، فهو يرسل رسالة إلى الأسواق والحلفاء والخصوم والناخب الأميركي. وحين يهدد بضربة جديدة، فهو يترك الاحتمال قائمًا على طاولة التفاوض. لذلك سيكون من السذاجة التعامل مع كل تصريح باعتباره جملة قابلة للاختبار بمعيار ثنائي يقوم على "صدق/كذب" فقط. السؤال الأدق هو: ما الذي يريد ترامب أن يحدث لأن الناس صدّقوا الجملة؟

أعود إلى تلك التجربة التي بدأت فيها حديثي. فعندما خرج زميلي من الاختبار، لم يقل إن الآلة اكتشفت الحقيقة، بل قال شيئًا أبسط: الجسد مخيف. وربما هذه هي أفضل طريقة لفهم ما يجري داخل البنتاغون الآن. المؤسسة العسكرية لا تبحث فقط عن الحقيقة، بل عن شخص يخاف من أن تكشفه أجهزتها. أما البيت الأبيض، فيبحث عن شيء مختلف: أن يصدق الجمهور روايته بما يكفي كي تستمر السياسة. وبين الاثنين مسافة هائلة.

وفي الخلفية، هناك حقيقة أكثر صعوبة من كل أجهزة الكشف: الحرب نفسها بدأت تكشف حدود الرواية الأميركية. واشنطن تستطيع ضرب مواقع إيرانية، وتوسيع العقوبات، واستهداف البنية العسكرية والنووية لإيران. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تجعل مضيق هرمز مفتوحاً بمجرد إعلان ذلك، ولا أن تجعل الحرب قصيرة بمجرد وصفها كذلك، ولا أن تجعل مخزون الذخائر غير محدود بمجرد نفي وجود أزمة.

لذلك، إذا أردنا أن نضع ترامب تحت جهاز كشف الكذب، فربما لا ينبغي أن نسأله أولاً: هل كذبت؟ السؤال الأكثر درامية هو: أي جزء من الحقيقة أخفيته عندما قلت ما قلت؟ لأن السياسة الأميركية في هذه الحرب لا تقوم دائمًا على الكذب الصريح، بل على حقيقة منتقاة، أو مؤجلة، أو بلا سياق، أو وعد ينتظر أن يصبح حقيقة. أما جهاز كشف الكذب الحقيقي في هذه الحرب، فلن يكون ذلك الجهاز الذي يلتف حول أصابع ضباط البنتاغون، بل الزمن نفسه. وفي النهاية، حين تُعرض التصريحات على أقلام المؤرخين، لن نحتاج أن نسأل: من كذب؟ بل سنسأل: أي الكلمات بقيت واقفة عندما سقطت الحرب على الأرض؟

كلمات مفتاحية
الجيش المصري

السيسي يعزز التزام مصر تجاه السعودية.. هل تنخرط القاهرة في مواجهة الحوثيين؟

رفع الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، سقف الالتزام المصري بأمن السعودية

السودان

أسئلة ما بعد الحرب.. حدود السودان وجيرانه من الأزمة إلى التكامل

تثير كارثة استهداف الطيران الحربي المصري للمعدنين السودانيين سؤال الحدود بين السودان وجيرانه

جندي إثيوبي

إثيوبيا وإريتريا.. ألغام التاريخ وسطوة الجغرافيا

لم يكد سكان تيغراي يلتقطون أنفاسهم حتى عاد شبح القتال يخيّم على شمال إثيوبيا

المستوطنون يسرقون الزيتون ويعتدون على قاطفيه: جمعة من الاعتداءات في الضفة الغربية
سياق متصل

المستوطنون يسرقون الزيتون ويعتدون على قاطفيه: جمعة من الاعتداءات في الضفة الغربية

رغم أن عنف المستوطنين يسجل ذروات جديدة باستمرار، فإن موسم قطف الزيتون بات أبرز محطة يستغلها المستوطنون لتوسيع هجماتهم وتصعيدها، في امتداد للعنف اليومي الذي تشهده الضفة الغربية، لا في انفصال عنه.

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر