جنود السماء

جنود السماء

يتدخل المفتي في تسريحة الشعر وشكل تمشيطه عند المرأة (Getty)

هل مجتمعاتنا العربية المعاصرة في حاجة إلى فقهاء يصدرون آراء شخصية تنطلق من منطق الحلال والحرام؟ أم هي في حاجة إلى سن قوانين من أجل النهوض بالاقتصاد ومواكبة التطور الصناعي الكبير؟  كيف يمكن تسيير هذه المجتمعات التي تعاني من الفقر والأمية من خلال فتاوى غريبة تتحدث عن طرق اللباس والمشي في الطرقات والأكل وحلق اللحى وتقليم الأظافر ولباس الكعب العالي وسراويل الجينز..؟

أليست الفتوى رأيا شخصيا تتدخل في تشكيله عوامل نفسية واجتماعية جد معقدة إن لم تكن هناك دوافع سياسية مقنعة؟ هل يمكن للفهم الذي يقدمه الفقهاء أن يقنع مثقفا مشبعا بالعقلانية والحداثة والصرامة المنهجية؟

أمقت الفتاوى تلك التي تمنع الإنسان من حقه في المعرفة

يتدخل المفتي في تسريحة الشعر وشكل تمشيطه عند المرأة وطريقة فرقه وجدله، يقول الشيخ حمود التويجري في كتابه "الإيضاح والتبيين" "من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من النساء من فرق شعر من جانبه وجمعه من ناحية القفا كما تفعله نساء الإفرنج. كما لا يجوز للمرأة أن تغير لون شعرها بألوان منوعة، ويعبرون عنه بالميش، وقد تلقينه من الوافدين من نساء الغرب اللاتي يظهرن أمام الرجال حاسرات عن الرأس والوجه وقد صبغن الشعر. وقد ورد في الحديث النهي عن التمثيل بالشعر والنهي عن وصل الشعر والنهي عن الصبغ بالسواد إذا كان الشعر أبض، والرخصة في صبغ الشعر بالحناء فقط"، ثم جاءت فتوى ثالثة تقول: "إن الفرقة المتعرجة في الرأس لا تجوز"، وفي نفس الإطار المتعلق بالزينة غير مسموح للمرأة أن تنتف حاجبها "فهو من النمص الذي هو نتف الشعر من الحاجب وقد لعن النبي النامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله".

ومن أغرب الفتاوى وأمقتها أيضا تلك التي تمنع الإنسان من حقه في المعرفة، فالقراءة والكتابة إذا تجاوزت القرآن وما ينفع الناس فهي حرام حيث تؤدي إلى قراءة كتب الضلالة والفسق والفجور .أما تعلم لغة أجنبية كالإنجليزية فهو مجلبة للفساد والكفر لأن اعتياد التكلم بغير اللغة العربية يورث محبة أهل تلك اللغة من الكفرة وهو مخالف لعقيدة الولاء والبراء من الكفار، وكل من يعلم الصبية اللغة الانجليزية منذ الصغر سوف يحاسب على ذلك  يوم القيامة. أما الثقة في النفس فهي غير جائزة لأن الثقة لا تكون إلا بالله ومن اعتمد على نفسه فقد اعتمد على عجز وضعف وعورة.

حرام على العسكر أن يؤدوا التحية برفع اليد حتى الجبين وما يصاحبها من خشوع وخنوع لا يجوز إلا لرب العزة والجلال. وحرام أن تقرع الأجراس في المدارس والمستشفيات والمنازل للتنبيه على الساعة وأجراس إنذار الحريق والتنبيه على مجاوزة السرعة.  

لا يمكن للانغلاق اللاهوتي الذي تعيشه مجتمعاتنا، والذي تزكيه أنظمتها الحاكمة، إلا أن ينتج جيوشا من الشيوخ محصنة بأسلاك دوغمائية شائكة تتحكم بالإسلام وترفض أي تأويلية مستجدة له. بل وتظهر عداوة مقيتة للعلوم الحديثة التي ليس لها أدنى دراية بتخصصاتها، جيوش تفتي في كل المجالات بدءا من السياسة والاقتصاد وصولا إلى الفن والاستنساخ، وتظهر فهمها على أنه حكم القرآن والإسلام.