جنوب اليمن.. تحشيدات حكومية لفرض الأمن ومظاهرات للانتقالي تربك المشهد
17 يناير 2026
يتصاعد التوتر السياسي والأمني في جنوب اليمن، وتحديدًا في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية تحشيدات عسكرية واسعة لقوات "درع الوطن" المدعومة من قوات تحالف "دعم الشرعية"، بالتزامن مع مظاهرات لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي.
تقول مصادر مطلعة إن قوات "درع الوطن" تعزز انتشارها في عدد من المواقع الحيوية في عدن، بما يشمل قصر "معاشيق" الرئاسي، ومحيط مطار عدن الدولي، ومعسكرات ونقاط استراتيجية في جبل حديد وخور مكسر.
ويأتي هذا الانتشار بالتنسيق مع قوات "العمالقة" التابعة لعضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي، وبتكليف من قيادة المجلس، ضمن مساعٍ يمنية–سعودية لتوحيد القرار الأمني، وإنهاء حالة تعدد القوى المسلحة داخل العاصمة المؤقتة، وتهيئة الأجواء لعودة الحكومة والبعثات الدبلوماسية، بحسب المصادر.
فرض الأمن لعودة الحكومة إلى عدن
في السياق، قال المحلل العسكري الرائد مصطفى القحفة لموقع "الترا صوت" إن انتشار قوات "درع الوطن" يشكّل "خطوة استراتيجية" تهدف إلى بسط سيطرة الدولة على المقرات السيادية، أبرزها قصر "معاشيق" الرئاسي، ومطار عدن الدولي، والموانئ والمعسكرات، ومداخل العاصمة المؤقتة، تمهيدًا لعودة الحكومة الجديدة لممارسة مهامها من الداخل، ولاحقًا لعودة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى القصر.
وأضاف القحفة أن هذه التحركات تأتي "بدعم سعودي كامل"، مشيرًا إلى أن قوات "درع الوطن" تمثل "نواة لإعادة بناء القوة العسكرية المرتبطة مباشرة برئاسة مجلس القيادة، كبديل عن ألوية الحماية الرئاسية".
السعودية تمسك أوراق اللعبة
من جانبه، يرى المحلل السياسي والأكاديمي عبدالوهاب العوج أن الأحداث الجارية في العاصمة المؤقتة عدن، والجنوب بشكل عام، تمثل "تحولًا مهمًا في موازين النفوذ". وقال العوج لـ"الترا صوت" إن "السعودية، عبر دعمها قوات درع الوطن وإعادة ترتيب المشهد الأمني، نجحت حتى الآن في احتواء تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي وكشفت دوره كأداة سياسية وعسكرية مرتبطة بالإمارات".
وأضاف العوج أن "الرياض قررت إدارة المشهد اليمني بشكل مباشر، خصوصًا في محافظتي حضرموت والمهرة، انطلاقًا من مصالح استراتيجية طويلة الأمد، بينها تأمين نفوذ مستدام على بحر العرب، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا عبر دعم الشرعية حتى في أضعف حالاتها".
بالتزامن مع التحشيدات الأمنية والعسكرية في عدن، تتصاعد المظاهرات لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلنت قياداته مشاركتها في مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي المزمع عقده بالرياض برعاية سعودية. ورفع المتظاهرون شعارات رافضة لما وصفوه بـ"تهميش القضية الجنوبية" في الترتيبات السياسية الأخيرة
وأكد العوج أن "الشرعية اليمنية انتقلت من حالة التشتت بين النفوذين السعودي والإماراتي إلى وضع مهيأ بدرجة كبيرة لخدمة المصالح السعودية". وأوضح أن "أي تحسن محتمل في الانتشار الأمني، أو خفض حدة الاقتتال، أو دمج بعض الوحدات العسكرية، لن يقود إلى عودة الدولة المركزية القوية القادرة على السيطرة الكاملة على جميع التشكيلات المسلحة"، مستدلًا على ذلك بعدم وجود أي حديث جدي من مجلس القيادة الرئاسي بشأن دمج قوات أخرى مثل "حراس الجمهورية" التابعة لطارق صالح، واقتصار النقاش على القوات الجنوبية المرتبطة بالانتقالي.
الرياض تجدد دعمها لليمن
وفي هذا السياق، جددت المملكة العربية السعودية دعمها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية. وقال السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، إن بلاده مستمرة في دعم اليمن مع تركيز خاص على الجانب العسكري، من خلال "حماية المدن والمناطق المحررة ومكافحة الإرهاب في المحافظات الخاضعة للشرعية".
وأشار السفير إلى أن هناك عملاً كبيرًا يجري حاليًا في المجال الأمني والعسكري بالتوازي مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها من الداخل، معتبرًا أن هذه "الخطوة تمثل ركيزة مهمة لتثبيت الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة، إلى جانب الدعم الاقتصادي والخدمي".
مظاهرات لأنصار عيدروس الزبيدي
بالتزامن مع التحشيدات الأمنية والعسكرية في عدن، تتصاعد المظاهرات لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلنت قياداته مشاركتها في مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي المزمع عقده بالرياض برعاية سعودية. ورفع المتظاهرون شعارات رافضة لما وصفوه بـ"تهميش القضية الجنوبية" في الترتيبات السياسية الأخيرة، مطالبين بعودة رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي إلى عدن، بعد أن قالت قوات تحالف "دعم الشرعية" إنه توجه إلى أبوظبي في ظل الأحداث الأخيرة شرق وجنوب البلاد. كما ندد المتظاهرون بدخول أي قوات عسكرية إلى المدينة من خارج الإطار الجنوبي، معتبرين أن انتشار قوات درع الوطن يهدف إلى تقويض نفوذ التشكيلات الأمنية التابعة للانتقالي، وعلى رأسها قوات الحزام الأمني.
ويشير المحلل السياسي عبدالوهاب العوج في حديثه لشبكة "الترا صوت" إلى أن هذه المظاهرات تعكس استمرار امتلاك الإمارات لأوراق ضغط داخلية، خاصة عبر المال والشبكات التي أنشأتها خلال السنوات الماضية، مستبعدًا أن يكون لهذه التحركات الشعبية تأثير حاسم على مسار المؤتمر الجنوبي المزمع عقده في الرياض.
من جانبه، يرى المحلل العسكري الرائد مصطفى القحفة أن "حالة الاحتقان الشعبي والأمني ما تزال عند مستويات عالية"، مضيفًا أن العاصمة المؤقتة عدن تبدو اليوم "ساحة اختبار جديدة لمعادلة معقدة، حيث تتقاطع فيها مساعي فرض سلطة الدولة مع ضغط الشارع الجنوبي، مع رهان سعودي واضح على إعادة ترتيب الشرعية وفرض الاستقرار من الداخل".
سيناريوهات الحوار بين التشكيلات الجنوبية
وفيما يخص الحوار الجنوبي – الجنوبي الجاري التحضير له في الرياض، يصفه المحلل السياسي عبدالوهاب العوج بأنه "محاولة جديدة وبصيغة مختلفة لإعادة إنتاج اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي عام 2019". وهدف هذا الحوار، بحسب العوج، هو لم شتات المكونات الجنوبية وتأجيل أي انفجار محتمل لمطالب الانفصال إلى أجل غير مسمى، مشيرًا إلى أن "العملية لن تفرز انتصارات حقيقية، لكنها تبقي السعودية ممسكة بخيوط المشهد في جنوب اليمن مع تراجع نسبي لدور الإمارات".
ويضيف العوج أن ما يجري حاليًا، رغم محدوديته، يبقى "أفضل من سيناريوهات الاقتتال الواسع أو التفكك الشامل، التي كانت ستصب في مصلحة جماعة الحوثي". ويرى أن التطورات الجارية تصب، إلى حد ما، في مصلحة الشرعية اليمنية، إذا ما ترافقت مع خطوات صعبة لكنها ضرورية، أبرزها تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة قادرة على إدارة المرحلة، وإنقاذ الاقتصاد وتحسين الحوكمة بعد فشل نظام المحاصصة في إدارة الدولة.
من جهته، يرى الرائد العسكري مصطفى القحفة أن مستقبل الاستقرار في عدن والجنوب عموماً سيظل مرهونًا بمخرجات الحوار الجنوبي – الجنوبي الشامل، وبقدرة السعودية الراعية على جمع الأطراف والقوى المسلحة المتعددة وذات الولاءات الخارجية المتباينة، وفرض تسوية سياسية وأمنية متوازنة. ويشير القحفة إلى أنه في حال عدم التوصل إلى تسوية شاملة تحظى بقبول مختلف المكونات، فمن المرجح استمرار حالة عدم الاستقرار المزمن مع احتمال اندلاع مواجهات متقطعة.






