"جنوب الملح".. رواية اليتم الأبدي

حكيم غزالي/ المغرب

نقرأ في مطلع رواية "جنوب الملح" للجزائري ميلود يبرير، الحاصلة على المرتبة الثالثة في "مسابقة الشارقة للإبداع العربي" للإصدار الأول في دورتها الثامنة عشر، ما كتبه مصباح على ظهر إحدى صوره "كم على الإنسان أن ينسى، أن يُغدر، أن يخاف، أن يصمت حتى يتعود على الموت؟"

كم على الإنسان أن ينسى، أن يُغدر، أن يخاف، أن يصمت حتى يتعود على الموت؟

نكتشف بعد صفحات على لسان الراوية، ابنته، أنه فنان فتوغرافي، وأننا على موعد مع قراءة صور عن مرحلة العنف والإرهاب في تسعينيات القرن العشرين، والتي قرّرت الراوية أن تؤرخ لها انسجامًا مع شغفها بالعودة إلى الماضي. هل هي عودة أم هروب؟ شغف ورثته من حديثها الدائم مع والدها الراحل، قبل أن تقرّر نشر الكرّاستين اللتين تركهما خلفه، هو المصور والشاعر الذي يرى أنه بالحب وحده يمكن أن نكون أبديين.

على مدار الكراسة الأولى التي حملت عنوان "بياض"، المستمد من بياض المصل وأغطية المستشفى الذي دخله المصور مصباح ليعالج ورمًا خبيثًا في دماغه، لا ندري من ولّد من، الحب أم المرض؟ حيث تحضر مريم ملاكًا أبيض يُبرمج مصباح على زمنين أبيضين، ماضٍ جميل محقق، أين كان يبحثان عن هويتيهما/ ينحتانها، حتى أنهما راحا يؤولان على طريقة العرفانيين حروف اسميهما، ومستقبل جميل مرتجى، من ثماره الجميلة ما في بطن مريم، وما بين الزمنين حاضر اختار أن يتوشح بالسواد.

هنا تمكّن الروائي من رصد اللحظات الإنسانية التي يحكمها الخوف من الموت، وكيّف اللغة وفق طبيعة هذه اللحظات العميقة، فعانق الشعريُّ الفلسفيَّ في توليفة انتشلت اللغة من سطحية التناول لما هو عميق في الإنسان. داخل تلك اللحظات كتب المصور كراستيه.

ميلود يبرير
ميلود يبرير

زمن الكراسة الثانية أبعد قليلًا، والمعنونة بـ"خطافة الأوجه"، كناية عن آلة التصوير، حيث تحضر امرأة أخرى، هي جهيدة، لينزاح معها الحب إلى الجسد أكثر، رغم أن مصباح معجب بذكائها وروحها العاليين. ربما كان انزياحًا فرضه الإحساس بالبرد في مدينة الجلفة، وبالخوف العبثي الذي سيطر على أيامها ولياليها زمن التسعينيات، يوم كان الواحد لا يدري كلما خرج هل يعود، وإن دخل لا يدري هل يصبح حيًا.

دخول جهيدة التي لا تفكر مثل الأخريات، إلى حياة المصور المثقوب بالبرد، برمجه على الإيمان من جديد بالحياة، وبآلته التي يلتقط بها لحظاتٍ وأجسادًا لا وجوه لها. هل كان يخفي الوجوه عن الموت، أم كان لا يرى كونها تشكل دليلًا على الهوية؟ وفي اللحظة التي يتحول اللقاء بين "الكائنين" اليتيمين إلى وجبة يومية يحلقان من خلالها إلى سموات خالية من الخوف والملوحة، تنسحب جهيدة، والسبب هو أنها لا تريد أن تحب رجلًا غير ذاك الذي كبرت على حبه.

لا ندري في بقية الفصول التي حملت عناوين لا تخلو من كلمة العمى: القارئة والأعمى، رؤى الأعمى، التدرب على العمى.. إشارة إلى فقدان المصور لعلاقته بآلته، وإحساسه باللاجدوى في زمن لا يبصر، هل نحن أمام فصول تحث على التشبث بالموت أم بالحياة؟ فهما يتداخلان في مفاصلَ كثيرةٍ، حتى أن أحدهما يدافع عن الآخر، في منحى وجودي طعّمه الروائي برؤى فلسفية طهرت المتن من البوح الرومانسي الخاوي الذي عادة ما نجده في تجربة الرواية الأولى.

الأحاسيس والعواطف والأفكار والهواجس والحالات والصمت والكلمات، مبرمجة على الملوحة/ الدمع، طيلة الصفحات المائة والسبع والستين، وما "جنوب الملح" العنوان الذي حملته الرواية، إلا منطقة قصية من الوجع الذي فرض قاموسه وناموسه على زمان ومكانٍ جزائريين تخلصا من عبث الاستعمار، ليقعا في عبث الإرهاب والثمار التي نتجت عنه.

"جنوب الملح" هي رواية التمزقات الفكرية والنفسية والجسدية التي باتت تتحكم في يوميات الإنسان الجزائري، وتضبطها على الخوف من الحاضر والمستقبل، فيواجه ذلك كله، بالعودة المرضية إلى الماضي، تمامًا كما قال الرسام الجزائري محمد إسياخم الذي فقد يده، وهو يفكك قنبلة فرنسية: "نحن الذين نعيش في الماضي، عددنا يزيد دون توقف، ونحن ننتظر شيئًا من الدعم".