جنوبيُّ اليمن والصراع على تركة بريطانيا

جنوبيُّ اليمن والصراع على تركة بريطانيا

الحرب الأهلية 1994 (Getty)

بدأ اليمنيون الجنوبيون في الصراع على تركة بريطانيا قبل مغادرتها في عام 1967، فأنقسم المتصارعون إلى الجبهة القومية، جبهة التحرير، رابطة أبناء الجنوب، وشكلت الجبهة القومية ائتلافًا سياسيًا. كل تلك القوى السياسية اختلفت كثيرًا، إلا أنها اجتمعت على أمرين لهما طابعان متناقضان، الأول تمحور في رغبتهم في تحرير جنوبي اليمن من المحتل البريطاني، بينما تمحور الثاني في سعيهم للاستحواذ على تركة بريطانيا في حكم البلاد.

خلال الفترة 1994 – 2019، تراوح الواقع السياسي في جنوب اليمن ما بين صراع ممثليه مع الحكومة اليمنية، أو في إطار الممثلين ذاتهم

على خلفية ذلك، بدأ صراعهم في ظل الوجود البريطاني خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، وكان هدفهم بعد رحيل الاستعمار أن يسيطروا على حكم جنوبي اليمن، وبالوصول إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1967 الذي شهد رحيل بريطانيا، كانت الجبهة القومية قد أحكمت قبضتها على الدولة الوليدة: جمهورية اليمن الجنوبي الشعبية، وبذلك انتهى خصومها السياسيون كلاجئين أو نازحين ما بين الخارج وشمال اليمن.

اقرأ/ي أيضًا: تقرير أممي: التحالف السعودي متورط في دماء أغلب الأطفال الضحايا باليمن

تجسيدًا لطمع في تركة بريطانيا كانت أولى أبرز قرارات الحكّام الجدد تتمثل في تأميم الملكيات الخاصة، سواء أكانت للأجانب أو لليمنيين عام 1969، وانتهى جزء كبير من تلك المُلكيات بأن أصبح البنية التحتية التي دعمت النظام الحاكم في عدن خلال الفترة بين 1967 - 1990 في حين انتهى القسم الآخر من تلك الملكيات تحث تصرف قيادات نظام الجبهة وحزبها الاشتراكي بعد تأسيسه في تشرين الأول/أكتوبر 1978.

أما الشعب فقد تجسد واقعه انطلاقًا من المساواة في الفقر، والتأقلم مع صراعات قادته منذ عام 1969 وصولًا إلى عام 1990 حينما فرّ الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني علي سالم البيض من رفاقه في اتجاه الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية، ليتخلص من قبضتهم عليه ونفوذهم في المؤسسة العسكرية.

وكان البديل وقوع القيادة الجنوبية في قبضة صالح ورجاله، ليجدوا ذاتهم في إطار واقع تصفية ثأر الماضي مع صالح وقيادات الجنوب السابقة، وتحديدًا اتجاه الرئيس السابق علي ناصر محمد الذي خاض رجاله حرب 1994 مع اتجاه الرئيس علي عبد الله صالح، وسيطروا على الجنوب معًا.

خلال الفترة 1994 – 2019، تراوح الواقع السياسي في جنوب اليمن ما بين صراع ممثليه مع الحكومة اليمنية، أو في إطار هؤلاء الممثلين ذاتهم، وما يجب التأكيد عليه أن طابع الصراع الذي تخوضه نخبة الجنوب، تحديدًا عدن، طابع استبدادي هدفه السيطرة كبديل للفراغ الذي تركته بريطانيا.

ينطبق على ذلك الصراعات التي خاضتها تلك النخبة في ظل عاصمة الدولة عدن، أو كونها أصبحت العاصمة المؤقتة لحكومة الجمهورية اليمنية، خلال تعيين عبد ربه منصور هادي رئيسًا خلال سيطرة الحوثيين على صنعاء الذين كان اختلافهم على الوحدة مع الشمال كما كان ذلك قائمًا قبل الوحدة، وخلال مرحلة الحراك الجنوبي قبل أن يسيطر الحوثي على اليمن.

الرئيس هادي ليس أكثر وحدوية من خصومه الجنوبيين، بل إنه مستثمر للمعادلة سياسية رغم سقوط نجومها ممثلة بنظام الرئيس علي عبد الله صالح، إلا أنه حريص على عدم التخلي عن تلك المعادلة التي اتخذت لذاتها عنوان الوحدة والتمسك بها، ورغم أن دوره في تلك الوحدة لم يتخط أن يكون مجرد ظلّ لصالح في منصب النائب.

وظل متمسكًا بخطاب وحدوي بحكم كونه رئيسًا لليمن، وإدراكه أن كفة الجنوبيين لن تسعفه، وأن حضور النائب السابق والخصم علي سالم البيض أكثر حضورًا في أوساط الحراك الجنوبي، كونه ممثلهم في تأسيس دولة الوحدة وممثلهم في الإعلان عن فسخها عام 1994.

وعلى غرار الصراعات الداخلية في مرحلة الكفاح المسلح ضد بريطانيا ومرحلة دولة الجنوب، تأتي ممارسات القوى السياسية الجنوبية وبما في ذلك الرئيس هادي، غير الحريص على تفعيل شرعيته السياسية، فجميعهم في صراعات فيما بينهم ومع الحوثي، إنهم أشبه بخصوم بريطانيا الذين كانوا حريصين للاستيلاء على تركتها.

كل الجنوبيين في اليمن غير قادرين على تخطي الحوثي والتقسيم، حتى في ظل حصولهم على الدعم الخارجي

المفارقة أن كل هؤلاء الجنوبيين غير قادرين على تخطي الحوثي وتقسيم اليمن، حتى في ظل حصولهم على الدعم الخارجي، إن واقعهم أشبه بمحميات الجنوب العربي، وتلك الإقطاعيات التي كانت حريصة على استمراريتها، إلا أنها لم تستطيع مواكبة الاستقلال، وفي الاتجاه ذاته فإن القوى الجنوبية الراهنة لن تستطيع مجاراة الحوثي الذي أصبح وريثًا للوحدة رغم كل مساوئه، ويسعى إلى ما هو أبعد من تلك التركة وسقفها الذي لا يقل عن كل اليمن.

اقرأ/ي أيضًا: صالح: سوقيٌّ بدرجة رئيس جمهورية

كما فشل الجنوبيون في ظل دولتهم في التعايش فيما بينهم، أكّدوا بعد الوحدة أيضًا أنهم غير قادرين على ذلك، إنهم مدمنو صراع فيما بينهم، ومع غيرهم، تلك حصيلتهم التاريخية، ودولتهم السابقة لم تكن بأفضل حالًا من دولة صنعاء، فالاستقرار السياسي الذي ورثوه من بريطانيا خسروه في مرحلة الدولة ولم يستطيعوا أن يجسدوا دولة مواطنة تستوعب كل أطياف شعبها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، أما الاقتصاد وأسّسه فقد حطموه مع الاستقلال، وفي عمر شرعية دولتهم لم يستطيعوا أن يجعلوا منها نموذجًا، فما بالك بهم ومستقبلهم مجهول الهوية؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

إبراهيم الحمدي.. الزعيم الأسطورة

الحوثيون.. ورثَة السّخط التاريخي