18-يناير-2016

الإعلامي فيصل القاسم

انتقل عالم الإعلام اليوم من حالة الوسيلة الإعلامية التي تصنع نجومها، إلى النجم الإعلامي الذي يصنع نجومية الوسيلة، فقد صار الإعلامي اليوم قناة تلفزيونية أكثر منه حالة فردية، كان هاجسها حتى زمن قريب تحقيق سبق صحفي في الوسيلة التي يعمل فيها، ليحقق انتشاره الواسع وتعرفه الجماهير.

انتقل عالم الإعلام اليوم من حالة الوسيلة الإعلامية التي تصنع نجومها، إلى النجم الإعلامي الذي يصنع نجومية الوسيلة

لم يعد حائط "الجني الأزرق"، المسمى بالفيسبوك، مجرد حائط، بل صار كوكبًا يبلغ عدد سكانه حتى الآن 1.55 مليار نسمة، يتكاثرون بطريقة تفوق بـ 11% نسبة الزيادات السكانية على كوكب الأرض سنويًا، وعلى سطح هذا الكوكب تنتشر "جمهوريات" أسقطت الحدود وكل الأشكال التقليدية لعلم الديمغرافيا.

ما دفعني إلى الكتابة عن جمهوريات الفيسبوك هو أن محطات ومواقع إلكترونية شهيرة مثل "CNN" و"هافنغتون بوست"، ومواقع عربية وعالمية أخرى، تترقب اليوم كما باقي الجماهير بوستات الإعلامي الشهير في قناة "الجزيرة "فيصل القاسم، وغيره من الإعلاميين لتصنع منها أخبارًا على صفحاتها، وهي حالة كانت مقتصرة حتى عهد قريب على نجوم هوليود وبوليود وعربيود.

لست في موضع مناقشة مواقف الإعلامي العربي الشهير، وما إذا كانت تتوافق مع المعايير الإعلامية؟ وهل لا يزال حياد الإعلامي لازمًا أو لا؟ أو هل القاسم جزءًا من المؤامرة الكونية كما يرى "أعداؤه"؟ أو ثائرًا حرًا كما يرى مؤيدوه؟ 

كما أنني لا أتحدث عما إذا كنتم تحبون الرجل أو تكرهونه، متأثرين بأفكاره أو نابذين لها، ولكن أرصد هنا كيف يمكن أن يقدم إعلامي كان يستمد شهرته من قناته الإعلامية، نموذجًا لتأثير الفرد في المجموع وفي القنوات الإعلامية ذاتها التي تصرف ملايين الدولارات للتأثير في المجموع، لا بل أضحى من الواضح أن جزءًا من الاستراتيجية التسويقة لوسائل الإعلام الكبيرة على شاشاتها أو مواقعها الإلكترونية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر الأخبار عن مشاهير ليشاركوها على صفحاتهم كي تتمكن هذه الوسائل من التمدد والانتشار بين جمهور القاسم وغيره من المشاهير، وهم بالملايين.

جمهوريات الفيسبوك غيّرت مفهوم العلاقات البشرية، كما غيّرت فكرتنا عن الجغرافيا

"جمهورية القاسم" الافتراضية يصل عدد سكانها إلى تسعة ملايين نسمة، أي أنها تزيد الثلث عن عدد سكان فنلندا، وتقارب عدد سكان الأردن، وهي ثلاثة أضعاف جمهورية لبنان، وتقارب عدد سكان السويد. وبالمعايير الفيسبوكية فإنه يزيد عدد متابعي صفحة القناة الأمريكية الشهيرة "CNN عربية" بتسعة أضعاف، ويقارب عدد متابعي محطة "CNN العالمية" على الفيسبوك، لا بل إن قناة "الجزيرة" التي يعمل بها فيصل القاسم، واستمد منها شهرته، تزيد بنسبة الثلث فقط في عدد متابعيها الذي يقاربون الـ 14 مليون متابع لها. هكذا إذن، الوسائل التي تخصص ميزانيات ضخمة لتظل "باقية وتتمدد" يحققها إعلامي بمفرده.

جمهوريات الفيسبوك، إن صحت تسميتها كذلك، غيّرت مفهوم العلاقات البشرية، بل غيرت مفهوم الجغرافيا، فسكان هذه الجمهوريات العولمية هم بشر من جنسيات مختلفة أسقطوا الحدود وهدموا سور الصين العظيم، والأهم أنهم هم من باتوا يختارون جمهورياتهم، إما بدافع كراهية صاحب الجمهورية ليشتموه أو حبًا به ليبقوا بقربه، أو حتى لمجرد الاطلاع على رأيه، وهي عمومًا حالة تستدعي دراسة معمقة للجمهوريات الافتراضية، لأنه سيكون لها تأثير كبير على توجيه البشر والتحكم بسلوكهم في المستقبل إما سلبًا أو ايجابًا.

نعم جمهوريات الفيسبوك افتراضية، ولكن لها تأثير كبير على الجمهوريات الأرضية. الحالة لا تقتصر طبعًا على جمهورية فيصل القاسم، فقادة الرأي اليوم ممن ينشطون على الفيسبوك لهم تأثير مباشر على سلوك الجمهور وموقفه، لكونهم يصلون إلى الناس بكل سهولة، وفي أي وقت.

اقرأ/ي أيضًا:

فيصل القاسم.. اهدأ يا رجل!

وقت من أجل الضجر