جمهورية الجنرال توفيق

جمهورية الجنرال توفيق

زاوية في حي القصبة في العاصمة الجزائرية (Getty)

خبر إقالة مدير جهاز الاستخبارات العسكرية الجزائرية الجنرال توفيق قبل أيام، لم يكن خبرًا عاديًا وذلك هو الأصل، غير أن لا يكون الخبر مفاجئًا فذلك هو المتوقّع. فحينما يتم الحديث عن جنرالات الجزائر، لم يكن الحديث إلا عن الجنرال توفيق ثم بقية الجنرالات. وإقالته قد لا تأتي أساسًا إلا في إطار معركة صراع مراكز النفوذ داخل الدولة، وهو صراع تقليدي في الجزائر منذ الاستقلال وليس صراعا مستجدًا.

عاصر الجنرال توفيق كل من الرؤساء بن جديد والكافي وزروال، وأخيرًا بوتفليقة

قد يجيؤ التساؤل بداية حول سبب الهالة الكبيرة لإقالة رئيس الجمهورية لأحد مرؤوسيه، وهو بالنهاية مدير جهاز عسكري. هو قطعًا كذلك، ولكن الرّجل هو أكثر من مجرّد مدير. الجنرال توفيق واسمه الحقيقي محمد مدين يتولى جهاز الأمن والاستعلام المعروف اختصارا بـ"دي آر آس" منذ 25 سنة، أي منذ بداية العشرية السوداء، وعاصر الرؤساء بن جديد والكافي وزروال، وأخيرًا بوتفليقة. 

الرّجل قام بتنحية رؤساء واستقدم آخرين، يُقال أنه وصف نفسه بـ"ربّ الدزاير". هو شخصية غامضة لدرجة أن صوره على النت لا تتجاوز صورتين أو ثلاثة، لذا كثيرًا ما يبدو كأنه أسطورة. وتعود العلاقة بين بوتفليقة والجنرال توفيق منذ إسهام الثاني في تصعيد الأول لكرسي المرادية. في أزمة 1998 وفي إطار معركة النفوذ بين مراكز السلطة حينها في زمن الرئيس الزروال، وبعد الضغط من أجل استقالته إثر تنحية حليفه الجنرال بتشين، ساهم توفيق في استقدام بوتفليقة الذي كان يعيش حينها خارج البلاد لأنه كان من المغضوب عليهم، وهو من "جماعة بومدين"، في إطار تسوية بين مراكز النفوذ حينها. وتم تصعيد بوتفليقة لكرسي المرادية في انتخابات هي أقرب ما تكون لتزكية من مراكز النفوذ في الدولة في شكل مهرجان انتخابي.

تواصل تحالف الرّجلين وتمظهر ذلك بقوّة في 2004 حينما ترشّح غريم بوتفليقة القديم- العائد فلّيس الذي دعمه قائد الأركان محمّد العماري. وانتهت المعركة بنصر بوتفليقة/توفيق ضدّ فليس/العماري. غير أن شهر العسل بين الرّجلين لم يكن ليدوم بعد بداية هيمنة مجموعة الرّئاسة والتي يتزّعمها شقيق الرّئيس سعيد بوتفليقة بشكل بدا مهدّدًا لنفوذ الرّجل. بدأت معركة كسر العظم بين الرّجلين فكانت فضيحة سوناطراك 2 التي تورّط فيها وزير البترول شكيب خليل الهارب حاليًا وهو من الوزراء المقرّبين لبوتفليقة. 

من أعدّ الملفّ؟ ومن كشف عبر أجهزته الإعلامية؟ الاستخبارات العسكرية والمُستهدف هو بوتفليقة. إثر ذلك، كانت الهدنة المٌستلزمة مع اندلاع الربيع العربي الذي بات مهددًا للجميع دون استثناء قبل أن تٌستأنف معركة كسر العظام بشكل متسارع.

المدير الجديد لجهاز الاستخبارات الجزائرية هو عثمان طرطاق وتعيينه بدلًا من توفيق كان منتظرًا

إثر عودة بوتفليقة في صيف 2013 من رحلته العلاجية في باريس، اتخذ قرارات كانت تمهيدًا لقرار إقالة الجنرال توفيق الصادر مؤخرًا، لذلك قلنا من البداية إن خبر الإقالة لم يكن مفاجئا البتّة. تمثّلت القرارات في نقل إدارات من جهاز الاستخبارات لقيادة الأركان، والإدارات هي المديرية المركزية للأمن العسكري، ومديرية الشرطة القضائية التي تولّت التحقيق في فضية سوناطراك، ومركز الاتصال والنشر الذي كان يديره العقيد فوزي صاحب فكرة "ترويض الصحافة بالإشهار"، والذي اُقيل بعد يوم واحد من عودة بوتفليقة من باريس. كما أحال عددا كبيرا من ضباط "دي آر آس" للتقاعد الوجوبي. 

ومع اقتراب رهان الانتخابات الرئاسية حينها، صار الصراع على أشدّه، خاصة مع ما بدا رفضًا من الجنرال توفيق لتجديد الرئيس المُقعد لولايته. ولعلّ تصريح أمين عام الحزب الحاكم حينها ضد الجنرال توفيق خير دليل على ذلك، حينما اتهّم علنًا بأنه هو السبب في إعاقة بناء الدولة المدنية في الجزائر، وأنه يتدخّل في الإعلام والأحزاب، وبأنه لم يقم بدوره في اغتيال الرئيس السابق محمد بوضياف، وغير ذلك من التهم، بشكل أنبأ حينها بانفجار كان يخشاه الجميع، حتّى كانت هدنة الرئاسيات بين الرجلين. ثم لتستأنف معركة كسر العظام فصولها وصولا لصدور قرار الإقالة مشفوعًا ببيان من رئاسة الجمهورية قبل أيام.

والمدير الجديد لجهاز الاستخبارات هو عثمان طرطاق وتعيينه بدلًا من توفيق هو المنتظر كذلك. تم تعيين طرطاق مستشارًا لبوتفليقة في أيلول/سبتمبر 2014، وبعد سنة يتم تعيينه مكان مديره السابق حيث كان طرطاق مديرًا الأمن الداخلي في جهاز الاستخبارات، بمعنى: اداريا كان هو نائب الجنرال توفيق وبالتالي فهو ليس بغريب عن هذا الجهاز الثقيل في الدولة، وإن تم تقليم أظافره وافتكاك كثير من صلاحياته في السنتين الأخيرتين. وعليه، لم يكن قرار تعيينه مستشارا للرئيس، إلا لتقريبه من حاشية الرئيس واعداده ليتولّى جهازا أرهق ساكن المرادية لسنوات.

إنه من المهمّ التأكيد أن هذا الصراع ليس صراعًا بين خير وشرّ وليس بين دعاة الدولة المدنية ورافضي ذلك، مثلما حاول الحزب الحكام الترويج لذلك، بل هو صراع مراكز نفوذ في نظام لا يتكوّن من كتلة متجانسة واحدة وذلك منذ الإستقلال. حيث مثّلت ثنائية المدني- العسكري، الجناح السياسي للأفلان، جبهة التحرير الجزائرية، مقابل الجناح العسكري للحزب، منبتًا للصراع بينهما داخل السلطة في إطار الصراع-الوحدة.

وفي هذا الإطار، عاش النظام الجزائري تفاعلاته الداخلية وتحولاته بحسب مدى نفوذ مراكز القوة داخل الدولة طيلة عقود. وهذا القول، وإن اجتمع عليه المتابعون للشأن الجزائري، لا يجب أن يؤخذ على إطلاقيته بحيث لا تكوّن المؤسسة العسكرية في الجزائر كتلة واحدة. ومن يُحسب على الجناح المدني ليس بغريب عن البزة العسكرية. وفي هذا الإطار، تقاطعت وتداخلت مصالح، أو برامج، مراكز قوة داخل الدولة فتحالفت فيما بينها في لحظات فارقة في تاريخ البلاد.

الجزائر مقبلة على مرحلة حاسمة في الفترة القادمة، إقالة الجنرال توفيق هي جزء من ملامحها

وصراع النفوذ بين أجنحة النظام هو صراع تقليدي في الجزائر مثلما ذكرنا، وهو خصوصية جزائرية مقارنة بالدول المحيطة التي تكون فيها التسويات دون ضجيج. يمكن التأكيد أن في الجزائر هناك 3 مؤسسات داخل الدولة معنية أساسًا بمعركة النفوذ، هي رئاسة الجمهورية، قيادة الأركان، جهاز الاستخبارات. في 2004، تحالفت الرئاسة مع الاستخبارات في مواجهة قيادة الأركان، ثمّ بعد عشر سنوات، تحالفت الرئاسة مع قيادة الأركان في مواجهة الاستخبارات. وفي 2004، تمت تنحية العماري قائد الأركان، وفي 2015 تمت تنحية توفيق مدير الاستخبارات، ولكن بعد سنة ونصف من تجديد بوتفليقة لولايته، وهو ما يعكس ثقل الرّجل، وإن كان رغبة بوتفليقة في تنحيته بدت واضحة منذ أكثر منذ سنتين على الأقل.

ألا يكون الجنرال توفيق قد علم بقرار إقالته يوم إعلان القرار، هذا مرجّح. ولكن ذلك لا يعني أن الصراع انتهى بمصافحة وانسحاب على صفح العسل من الجنرال. وفي ذلك دلالات، أولها أنه كان يمكن أن يقدم الجنرال توفيق استقالته لحفظ ماء الوجه بدلًا من الإقالة، وثانيها أن الرئاسة أصدرت بيانًا عند تنحية مدين، ولم تصدر بيانًا حين تنحية قائد الدرك الوطني، وهو جهاز ذو ثقل في المنظومة الأمنية، ما يعني أن قرار الإقالة هو رسالة إثبات وجود بشكل بيّن من الرئاسة، وكأنها تعلن انتصارا طال انتظاره. يبدو إن دورة الحياة دارت أخيرًا على الجنرال توفيق بعنوان مرسوم جمهوري، وقت ما كان يظنّ العديد أنها ستدور على بوتفليقة باسم القضاء الربّاني.

عموما قد يبدو أن بوتفليقة قد أجهز أخيرًا على الصديق الغريم، ولكن حالة التوتر السياسي التي تطبع المشهد الجزائري قد لا يمكن لها أن تستكين بعد. لا يزال الرئيس مقعدًا بالكاد ينطق ببضع كلمات والصورة لا تزال غامضة عن الخليفة، وإن كانت عملية التوضيب في مختلف أجهزة الدولة تتأتى في إطار خلق المناخ اللازم داخل الدولة لإعادة انتاج ظروف تسوية جديدة. موازاة مع ذلك، يبقى ملف التعديل الدستوري مركونًا في الدرج بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على الإعلان عن إجرائه وبدء مشاورات إعداده، ومع معارضة تذهب والتكتّل في مواجهة النظام الحالي وتنادي بالقيام بالإصلاحات الموعودة. ما هو مؤكد إن الجزائر مقبلة على مرحلة حاسمة في الفترة القادمة، إقالة الجنرال توفيق هي جزء من تكوينها.