"جمجمة" ناظم حكمت.. نبوءة وبائية مستمرة

ناظم حكمت في بورتريه زيتي/إبراهيم بالبان

اختص جانب كبير وشهير من اسم الأديب التركي والمناضل السياسي الراحل ناظم حكمت (1902 -1963) بحلبة الشعر. وهو صاحب دواوين شعرية متعددة وقصائد كثيرة فعلًا. لكن إنتاج حكمت لم يكن شعريًا بالكامل لناحية النوع الأدبي ولون الإنتاج. بل عرف لصاحب ديوان "ملحمة الشيخ بدر الدين" رواية مطولة واحدة على الأقل، تلك التي امتهرت عنوان "إنه لشيء عظيم أن تكون على قيد الحياة، يا أخي". كذلك حال حكمت مع المسرح أو المسرحيات ونصوصها المونولوجية والحوارية على السواء فقد قدم "فرهاد وشيرين" و"الرجل المنسي" بأسلوبية مبتكرة آنذاك ووفق انتقادات وتفاسير ذلك الوقت الذي قضته أعمال حكمت، متقصية الجذور دومًا، محظورة في بلاده أو منفية عنها حالها من حال صاحبها.

مما يمكن القول به بخصوص "جمجمة" ناظم حكمت المسرحية، أنها تفردت إلى حدود واسعة بتقديم قراءة منهجية في الإنسان والكارثة معًا، إضافة إلى ما يمكن مفاقمته من كوارث في حقبة الكارثة ومنها

أما من حيث لم يعلم ناظم حكمت بالتفاصيل الخبرية ومواقيتها، لكنه أتقن العلم بخصوص المنهج والحصيلة فيما يختص بإنسان القرن الـ20 وما بعده، فتحضر مسرحيته المبكرة "الجمجمة 1932". التي خطها متلمسًا تبعات وباء السل على مجتمع الإنسان ومنظومة إنتاجه الحديثة، أي الرأسمالية. إذ حشر حكمت في نصه المسرحي الأستاذ الجامعي العالم دالبانيزو وابنته المسلولة، رفقة شخصيات متعددة تسكن جوارهما وفوقهما وتحتهما في ذات البناية. إضافة لحشره بوابة البناية وظلال مشغلها وسيارته إلى جانب دخلاء كثر من بينهم الراديو والآلات الكاتبة وطيات الصحف وأخبار الوكالات وجار صدفه يمتهن الشعر صنعة، أو هكذا صار خلال النص الممسرح. كما لم يغب السجن ولا السيرك ومعهما قوة دفع علاقات الإنتاج الرأسمالي مسارح تشكيل لحياة الإنسان المعاصر أكثر من كونها جزئيات عارضة أو هوامش متخلخلة أو حتى مكملات إيقاعية لأبواب النص المسرحي. حتى أن مثل هذا الغياب لم يحصل في تبادليات ملاك وحي الشعر لدى الشاعر المتحول في النص. 

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "ثلاث سنوات ونصف مع ناظم حكمت".. ذكريات ويوميات ومراسلات

في عالم اليوم، غير الفارق جدًا عن العالم كما عرفته نصوص ناظم حكمت المتنوعة، يستمر الكوكب في العيش بموازاة جائحة  كوفيد 19 الوبائية. دون أدنى مصادفة تسير كثير من مجاري التعاطي مع الوباء الحالي بتساوق مألوف في نص حكمت المسرحي "الجمجمة". النص الذي توقف عند "مسألة" السل من باب مكاشفة أولويات الإنسان ومقاربتها لأولويات رأس المال بشكله المجرد بعيدًا عن التمويه الأيدولوجي أو الثقافي. ليؤسس حكمت بمسرحيته "الميتلا/ المكنسة" بنسختها المفقودة، التي أصبحت "الجمجمة" خلال إعادة كتابتها لاحقًا، نصًا يقترب من أن يصنف على رف الدساتير السوسيولوجية. إذ استنطق حكمت الرأسمالية، بل مراحل تطورها، بخصوص البناء القيمي المعنوي الذي يوضع رفقة الأشياء المادية المتوفر عرضها على "بسطة" البيع والتداول. كما فاقم حكمت مثل هذا الاستنطاق عبر فهمه الخاص للإعلام ووسائله ومثالبهما كما لدور المثقف وموقعه من الصراع الاجتماعي، بل من الوجود الإنساني بكليته. وكان لمثل هذا الاستنطاق خلاصات محكمة ومبررة بالبرهان الملموس بخصوص الإعلام وصناعة الوعي والإنسان المعاصر عشرات السنوات قبل أن تخلص أقلام مدرسة فرانكفورت السوسيولوجية وغيرها إلى خلاصات قريبة من تلك التي اختص بها نص حكمت.

حضرت في المسرحية تأويلات صحفية كثيرة بأقلام وآلات صف أكثر تمحورت حول تأويل اكتشاف العالم دالبانيزو. هذا عبر باب تراجيكوميدي شاهق استحضر حكمت خلاله مجمل هذه السرديات الصحفية باحثًا عن مصادرها، ليتضح أن المالك لكل المنصات التي أولت الخبر وموهته هو ذات الشخص من أباطرة بلاد "دولاريان" مسرح أحداث المسرحية. أما في وقت طوفان "الأخبار الكاذبة" بخصوص الوباء وغيره، فيتضح جانب أساسي اليوم من ضرورة "جمجمة" ناظم حكمت. هذا عبر استطلاع طبيعة صناعة الإعلام في دولاريان والاستكمال إلى ما بعد فشل محاولات إلهاء دالبانيزو بمعضلة مرض بقري ما. وهو، أي دالبانيزو الممشكل بين العام والخاص بانهمامه في اختراع اللقاح المطلوب وبين همه ورغبته بتخليص ابنته المسلولة من علتها. ليتم اقتياد العالم إلى السجن ومنه إلى عرضه في السيرك وصولُا إلى المزايدة على جمجمته في مستودع الجثث. منطلق المأساة التي ألحقت بدالبانيزو، وهو صاحب مأساته الفردية الخاصة أساسًا، كان مخالفته شروط العقد الذي منحه التمويل وانقذه من فقدان مسكنه والموت جوعًا، كون العقد اختص بالبحث البقري لا البشري من أجل تجاوز ممكنات خسارة القطيع الذي يساوي فائض قيمته أضعاف ما تم منحه لدالبانيزو الذي لم يحتسب أنه وضع توقيعه على شهادة وفاته لا عقد إنقاذه. 

في وقت اليوم، بحضور ظلال توظيفات كوفيد 19 الشبحية الملموسة والكارثية، حضرت العودة إلى واستعادة العديد من النصوص التي يمكن جمعها ضمن ما عرف بأدب الكوارث/الفواجع أو أدب الأوبئة. وهو أمر يوفر مساحات تعلم وافرة إن أريد له إلى جانب مساحة الترفيه الأساسية والضرورية أيضًا. لكن مما يمكن القول به بخصوص "جمجمة" ناظم حكمت المسرحية، أنها تفردت إلى حدود واسعة بتقديم قراءة منهجية في الإنسان والكارثة معًا، إضافة إلى ما يمكن مفاقمته من كوارث في حقبة الكارثة ومنها، ولم تتوقف هذه القراءة عند إضاءة معنوية أو جمالية حصرًا، أو حتى مجرد اختبار فردي خاص مطعم بالعام، بقدر ما ذهبت بعيدًا إلى الجذور.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

النجاة بالكتابة.. هكذا فعل ناظم حكمت وأنتونيو غرامشي في العزل القسري

أدباء جرّدوا من جنسياتهم