02-أكتوبر-2017

أيوب لعصيص/ الجزائر

"كتبتها مرتين، خلال سنة، تفرغت كليا لإتمامها، عايشت كل تفاصيلها إلى درجة البكاء أحيانًا، نفس المواقف التي شعرت فيها بالحزن، أخبرتني إحدى القارئات أنها لم تتماسك، وجدت نفسها تنفجر باكية، أنا سعيد أني لامست بعض الصدق والحقيقة، في نقل مأساة البطل الى المتلقي، والاقتراب من هذه البيئة المرعبة، إنه من الصعب التجديف في الفضاء الشاوي، في عمق تلك المنطقة الساحرة، الصاخبة والمليئة بالمفاجئات الخطيرة". هكذا تحدث الروائي الجزائري الشاب جلال حيدر عن باكورة إنتاجاته الأدبية، رواية "المذياع العاق" التي ستصدر بمناسبة "المعرض الدولي للكتاب" المزمع انعقاده بحر شهر تشرين الأول/أكتوبر.

قرّر جلال حيدر في أول عمل روائي له أن يمنح للمطحونين على هوامش الحياة شيئًا من المجد

"العلمي" بطل الرواية وروح أحداثها ومركز الحلّ والربط فيها، والذي يكنى من طرف أقرانه وأهل القرية بـ"المذياع العاق"، شاب نشأ يتيمًا بعد رحيل والدته يوم ميلاده. حياة العلمي وتجاذباتها هي نسخة ليوميات غالبية الشباب في منطقة الأوراس، هي شخصية من صلب الحياة أراد الكاتب أن يسقط أهاته ومعاناته حبرًا على ورق، فإن كنت رأيت الشمس لأول مرة في منطقة تحتضنها الجبال والدروب الوعرة، وإن كنت قد عشت طفولة تتقاذفها المحن والشدائد، وإن نشأت في حضن جدّة يتزين محياها بأوشام في الخد والجبهة والذقن، وإن فارقت أمك الحياة وهي تمنحك إياها، وإن كنت من الذين يسبقون الفجر ويهيمون ذات اليمين والشمال بحثًا عن لقمة العيش، وإن جرّبت مهانة الحياة بين أحضان النساء وقارورات الجعة والنبيذ في الحانات الرخيصة، وإن تجرعت من مرّ الحياة حتى ارتويت وإن كبرت على أساطير "فورار ويناير"، وعانيت من تهرب جدتك من أسئلتك الصبيانية وقضيت من وقتك الكثير مستمعًا لتفاهات المقاهي، فاعلم أن رواية "المذياع العاق" قد كتبتها أنت، هي نفس حياتك بتفاصيل مختلفة عاشها شخص آخر، لقد قرّر جلال حيدر في أول عمل روائي له أن يمنح للمطحونين على هوامش الحياة شيئًا من المجد.

اقرأ/ي أيضًا: "مخاض سلحفاة".. رواية الواقع الجزائري البطيء

اختار الروائي جلال حيدر "واحة الولجة" لتكون مكانًا يعجن فيه حياة أرادها لشخوصه، بيئة شاوية قاسية الملمح والعيش، واعتمد جلال حيدر منذ الصفحات الأولى على توابل محلية تشد القارئ، بطريقة سردية رهيبة، ووصف غارق في الدقة، مستعينًا بين الفينة والأخرى بعبارات من اللهجة الشاوية المحلية، في توجه واضح لتأريخ اللحظة والإنسان في هذه المنطقة التي تعتبر مسقط رأس "وقلب" الكاتب. هذا التوظيف الواضح جعل من الإعلامي الجزائري أحميدة العياشي يشبّه مناخات "المذياع العاق" بروايات الكاتب الجزائري مولود فرعون، الذي جعل من منطقة القبائل حاضنة مقدسة لروايات "الأرض والدم" و"ابن الفقير".. وغيرها، هذا التوجه الذي طالما كان محببًا لدى القارئ الجزائري حيث يعيش الوصف والأحداث وكأنه طرف فيها. يقول جلال حيدر: "زرتُ خلال هذه الأحداث الأمكنة التي قررت أن تكون في هذه الرواية، وجلستُ أمسح على تربتها التي مشت عليها أقدام شخصيات الرواية في مخيالي".

كان المشهد الذي تعيشه الجزائر منذ أزيد من عشرين سنة، وذكريات العشرية السوداء التي لا زالت تخيّم على النفوس، وكذا الحياة التي يعيشها الجزائريون ممثلة في يوميات الشاب "العلمي" في رواية "المذياع العاق" الذي رسمت شخصيته صورة سوداوية، رغم قربها للحقيقة وإظهارها للعدمية التي تكتنف معظم شباب البلد.

رواية "المذياع العاق" أيضًا غوص في رسم الشخصية الشاوية واقتتال العروش من أجل الشرف وقصص الحب التي انتهت بجنائز عوضًا عن أعراس، كما وضعت مشاهد الرواية يدًا على جرح الشخصية الجزائرية، والحياة البذيئة التي تعصر أيام الكثيرين، فلم يسع حيدر لتجميل الواجهة بل تركها كما هي بشحنات من الغضب وتوظيف لكلمات قد يراها البعض نابية، لكن ما هي إلا واقع مجتمع يمارس ما يريد في الخفاء ويقول ما لا يفعل في العلن، صورة جيل نشأ على وقع تابوهات، جيل رأى أن حجم المحظورات أمامه أكثر من كمية المباحات، جيل يحاول أن ينسى ثقل الهموم وحال البلد في الحانات والمراقص وفي تعاطي المخدرات وشرب النبيذ في الأحواش والحقول بعيدًا عن الأنظار.

رواية "المذياع العاق" غوص في الشخصية الشاوية واقتتال العروش من أجل الشرف والحب

هكذا ترحل بنا رواية "المذياع العاق" لجلال حيدر بين دفتيها على متن السيارة المهترئة التي يمتلكها العلمي، سيارة "404" التي تعتبر ديكورًا هاما في مداشر وقرى الجزائر، داخل تلك السيارة يحمل العلمي الطفولة والشباب، يحمل معه الحنين لأمه والشوق لجدته، يحمل معه الحزن والفرح وأصوات بنات الليل ووقع قارورات النبيذ وصور الإرهابيين والجثث، داخل تلك السيارة التي تقض نوم أهالي القرية بصوتها المزعج يحمل العلمي ذكريات مع عشيقاته ومع دموعه.

اقرأ/ي أيضًا: طالب إبراهيم.. العبور إلى متاهة اللجوء

يرحل بنا جلال حيدر مع شخصيته الرئيسية في "المذياع العاق" من طفل صغير لا يفارق جدته ويشاجر أقرانه إلى شاب مراهق لا يفكر إلا في النساء وطريقة الوصول إليهن، وصولًا للعلمي الرجل الذي يحاول بكل ما يملك الهروب من حياة تغتصبه كل يوم، هي نفس الحياة التي عاشها الكثير من الجزائريين، لكنهم فقط لا يحملون اسم "العلمي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحبيب السالمي.. بكارة المكان ومجهر الثورة

لبيدرو مايرال.. في مديح النقصان