جعفر قرب مكب النفايات

جعفر قرب مكب النفايات

الحياة قاسية في بيروت (جوزيف عيد/أ.ف.ب/Getty)

منذ ثلاثة أعوام وتحديدًا في الثالث عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2012 وقع انفجار سيارة مفخخة قرب مدرسة في منطقة قطنا السورية التي تبعد عشرين كيلومترًا عن العاصمة دمشق، وراح ضحيتها ستة عشر مواطنًا بينهم أطفال وقرابة الثلاثين جريحًا، وكان من بين الضحايا ولدان وبنت ماتوا أمام عيني والدهم الذي يعمل مدرسًا للجغرافيا في نفس المدرسة التي يرتادونها. أصيب الرجل بهستيريا من هول المنظر إلا أن الحاضرين جروه إلى المنزل وأخذوا بخاطره وسانده أهله حتى بدأ ينسى.

لم يمر شهر على حادثة السيارة المفخخة كما يروي ياسر (اسم مستعار لمواطن من دمشق) حتى نزلت على بيت "جعفر" قذيفة أدت لمقتل والده وووالدته العجوزين، فلم يكن منه إلا أن جمع أغراضه بعد أسبوع من الحادثة المفجعة، وسافر إلى لبنان وبالتحديد وصل إلى منطقة الروشة حيث هو الآن. مات أولاده وأبواه فغادر المكان كي يغادر ذاكرته. ولكن الظروف هنا في بيروت لم تكن كما توقع، فقد جاء هربًا من المصائب ووحشية الحرب لينسى مصابه، لكن الظروف هنا أيضا كانت قاسية فلم يجد بيتًا يسكنه ولم يجد عملًا.

اقرأ/ي أيضًا: أم أمين التي تختصر النكبتين

يروي بائع الورد، راسم، عن جعفر، أنه رآه للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام تقريبًا، وقد كان نظيف المظهر ولم تكن لحيته طويلة إلى هذه الدرجة، وقد كان يحمل حقيبة كتف ويبدو عليه أنه "خواجة" على حد تعبيره ويكمل: دفع لي ثمن وردة ولم يأخذها مني بغية مساعدتي، وبعد مرور أسابيع بدأت أراه على غير عادته فقد صار ينام في الشارع وبدأت ثيابه تتسخ ومظهره يتبدل من رجلٍ أنيق إلى رجلٍ شريد بثياب متسخة ولحية طويلة.

كان نظيف المظهر ولم تكن له لحية طويلة ويرفض أن يساعده أحد

أما صاحب الميني ماركت مقابل صخرة الروشة فيقول: لقد كان يأتي إلى هنا يشتري فنجان قهوة وعلبة سجائر ويمضي دون أن يتكلم. وفي يوم عندما تبدل منظره إلى نحوٍ لافت، سألته عن حاله فبدأ يروي لي قصة أولاده وأهله وعندما بدأت أهدئه وأحاول أن أجعله ينسى بدأ يضرب رأسه على باب المحل، ثم ترك فنجان القهوة وعلبة السجائر ومضى إلى الجهة الأخرى من الشارع.

هكذا فقد جعفر صوابه، أو بمعنى أخر سلّم أمره فهو الآن ينام قرب مكب النفايات في الروشة، ويأكل من فضلات الطعام التي ترميها المطاعم وأهل البيوت هناك. قادته من موطنه فاجعة كبيرة، وهنا أخذه البؤس والفقر وسخرية البشر قليلي الذوق والإنسانية، ورمت به الظروف إلى الشارع قرب البحر ومكب النفايات، بلحية طويلة وثياب متسخة ونظرة شاحبة مليئة بالحزن. رغم ذلك، وبحسب أناس يرونه كثيرًا، فإنه لا يقبل استعطاف أحد كأن يعطيه أحدهم مالًا أو ثيابًا أو حتى طعام، فهو لا يطيق عطف أحد، فقط يكتفي بقوله: "شكرًا شكرًا ما بدي شي". وقد لا يكون جعفر اسمه الحقيقي فكل أحد كان يعرفه باسم اخترعه له، لأنه لم يقل شيئًا عن حياته غير تلك الحادثتين، حادثة أولاده وأبويه.

كثر غيره لقوا ما يشبه مصيره إلا أنهم لم يفقدوا صوابهم مثله. فالكثير الكثير من السوريين هربوا من وحشية الحرب ورمت بهم الظروف في دول اللجوء إلى الشارع والتشرد، وربما كان أرحم لهم أن يفقدو صوابهم، فالجنون هنا أرحم من التفكير بما يحصل معهم. لكن جعفر لم ينس، علينا أن لا ننسى ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: المعلم جبران.. رسول الحياة في البترون