"جزية" ابن سلمان وخدعة الانفتاح.. ثمن الصمت الأمريكي!

ترامب في الرياض (Getty)

قدمت الكاتبة سمية الغنوشي في مقال لها نشره منبر ميدل أيست أي، تحليلًا توصيفيًا لطبيعة السياسات التي تبناها محمد بن سلمان مدعيًا الانفتاح وإطلاق مشروع ليبرالي، بينما لا تتعدى مخططاته في واقع الحال حدود الديكورات التجميلية لواحدة من أعتى الأنظمة السلطوية المتشددة في العالم. نقدم هنا ترجمة لمقال الغنوشي بتصرف.


تتجه عدد من دول الخليج نحو ليبرالية ثقافية واقتصادية أكبر، لكن ليس على صعيد السياسة والحكم. بل في الحقيقة، تلجأ هذه الدول إلى نوع من أنواع الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي خصيصًا للالتفاف على المطالبات بحقن أنظمتها السياسية المغلقة بجرعة أكبر من التحرر السياسي وهذا من خلال قشور دعائية يظهر أنها مشاريع انفتاح ولبرلة.

ما نراه في السعودية اليوم هو إعادة استنساخ نموذج بن علي- مبارك، وهو نوع من الليبرالية المزيفة  محاطة بصحراء السلطوية والقمع

تمثل السعودية على الأرجح، الوجه الأبرز لهذه المعضلة، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والبحرين. إذ احتلت مجموعة من الليبراليين السعوديين مؤخرًا مركز الأضواء، ليحلوا بديلًا عن شيوخ الوهابية الذين بارت سلعتهم وعز عليها الطلب.

لم يعد لشيوخ الوهابية على ما يبدو، من وظيفة يؤدونها سوى مبايعة الحكام الجدد، وما عدا ذلك ينظر إليهم باعتبارهم عبئًا على الدولة السعودية. وبعد عقود طويلة من السياسات الدينية المحافظة تسعى السعودية لإخفاء إرثها الوهابي الثقيل وتجاوزه نحو نوع من الليبرالية الثقافية والاقتصادية المزيفة. لهذا فرضت السلطات تغييرًا حادًا وسريعًا على المؤسسات الدينية، التي استخدمت لفترة طويلة باعتبارها أدوات لفرض الانضباط في الداخل ونشر الأيديولوجيا الوهابية في الخارج.

اقرأ/ي أيضًا: تأسيس مملكة محمد بن سلمان "المتهوّرة".. الحكاية من أولها

والحال كذلك، أصبح من الشائع رؤية قوات الأمن السعودية تتدخل لمنع المطوعين، المسؤولين بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين كانوا سابقًا بمثابة الشرطة الدينية بالبلاد، من التدخل في المظهر الخارجي للنساء، كما فعلوا لعقود، أو قمعهم لمظاهر الاختلاط في الشوارع ومراكز التسوق.

في مشهد غريب وغير معتاد في المملكة العربية السعودية، اعتلى المغني الجزائري الشاب خالد منصة الغناء في جدة قبل شهور قليلة، مقدمًا أغانيه للجمهور الكبير الذي "تمايل" على ألحان موسيقى الراي الجزائرية وعواء الأورغ القادم من عقد التسعينيات الفائت.

كذلك استقدمت هيئة الترفيه السعودية في وقت متأخر من العام الماضي، الممثل الأمريكي جون ترافولتا ليلتقط صور السيلفي مع فتيات سعوديات مبتسمات، وهي صورة بعيدة كل البعد عن الصورة التقليدية للنساء السعوديات التي لطالما صورتهن محدقات بأعينهم من خلف حجابهن الأسود.  

وأتى أيضًا السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، ليبدو وكأنه ثورة جذرية، إلا أن الأمر الذي كان ليعطي هذه التغيرات المفاجئة معقولية هو أن تكون مصحوبة ولو بالمستوى الأدنى من الانفتاح السياسي، بدلًا من أن تسير في الاتجاه المخالف تمامًا.

قضى شيوخ السعودية الذين ترعاهم الدولة جل طاقتهم في شن حرب شعواء ضد النساء وحقوق الأقليات والطوائف المسلمة الأخرى وضد فكرة الحكم الدستوري والديمقراطية

من الخير لنا أن نذكر وسط هذا التهليل والتصفيق الذي يصم الآذان، أن المملكة العربية السعودية نفسها باستخدامها الوحشي للخطاب الديني وتوظيفه لصالح مشاريعها هي التي خلقت الأزمات التي تقلبها يمنة ويسرة اليوم محاولة إيجاد حلول لها. القول بأن التطرف أمر طارئ وخارج عنها هو تشويه للتاريخ. المملكة العربية السعودية هي مهد النسخة المتطرفة والمشوهة من الإسلام ونبعها المتدفق.

حتى وقت قريب، هاجم قادة المؤسسة الدينية السعودية الباحثين والمفكرين الإسلاميين الإصلاحيين، ووصلوا إلى حد تكفيرهم فقط لقولهم إن الإسلام لم يمنع المرأة من القيادة، أو لأنهم تجرأوا على القول بأن الديمقراطية ليست متعارضة مع الإسلام.

قضى شيوخ السعودية الذين ترعاهم الدولة جل طاقتهم في شن حرب شعواء ضد النساء وحقوق الأقليات والطوائف المسلمة الأخرى وضد فكرة الحكم الدستوري والديمقراطية وبنوا حربهم تلك على أساس من الأيديولوجيا الوهابية المتطرفة. خصصت الدولة السعودية موارد هائلة شملت منابر المساجد والقنوات الفضائية والتمويلات الكبيرة، لدعم هذه التأويلات الدينية المتشددة في جميع أرجاء العالم الإسلامي. واليوم تنفذ المملكة العربية السعودية انقلابًا شاملًا ضد موقفها السابق، بسرعة البرق، نافضة عن يديها إرث التشدد الوهابي الثقيل الذي خلقته ونشرته على مدى عقود طويلة.

ما نشهده أمامنا في المملكة العربية السعودية من مظاهر الليبرالية الثقافية، ينحصر في عدة حفلات هنا وهناك إلى جانب بعض التحرر الاقتصادي الذي يظهر نفسه على شكل الميل نحو خصخصة مؤسسات الدولة الكبرى مثل شركة أرامكو، كل هذا في ظل غياب كامل لأدنى مستويات التحرر السياسي، على مستوى الحكم.

اقرأ/ي أيضًا: لوبي ابن سلمان في الإعلام الغربي.. "تطبيل" للكوارث

إذ يجب أن يقاس إخلاص النخبة السعودية في مسيرتها نحو التحرر بمدى قدرتهم على تحرير المجال السياسي في المقام الأول. لتأتي مفاهيم التحول نحو حكم دستوري وتوزيع السلطة واحترام الحقوق الفردية وإنهاء الاحتجاز التعسفي وانتهاك الكرامة الجسدية والأخلاقية للمواطنين على رأس مقاييس الانفتاح والتحرر.

يجب أن يقاس إخلاص النخبة السعودية في مسيرتها نحو التحرر بمدى قدرتهم على تحرير المجال السياسي في المقام الأول

عدا عن ذلك، كل ما يبقى لدينا هي ليبرالية مزيفة تهدف فقط لشراء حماية الغرب. باختصار، ما يسعى له حكام المملكة العربية السعودية الجدد هو شراء صمت الولايات المتحدة مقابل بعض المظاهر السطحية المزيفة للانفتاح الثقافي وضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي عبر عقود الأسلحة والاستثمار.

كتب الباحث الأكاديمي اللبناني المعروف غسان سلامة مرة، إن أكبر العقبات التي تواجه العرب اليوم هي نوع من الديمقراطية دون ديمقراطيين. اليوم، سيكون من الأصوب أن نقول إن أكبر المشاكل التي تواجه العرب هي غياب الديمقراطية حتى مع وجود الديمقراطيين، وغياب الليبرالية مع وجود الليبراليين أو أشباه الليبراليين.

في حال إذا كانت العقبة الأساسية الكامنة هي ندرة الديمقراطيين، لكانت الأمور أقل إشكالية، بما أن النظام الديمقراطي قادر على إنتاج الديمقراطيين. لكن الديمقراطيين الموجودين في العالم العربي غير قادرين على بناء نظام ديمقراطي بأنفسهم لسبب بسيط هو: إن الأنظمة السياسية أكبر من أن تخضع لإرادة أفراد معدودين.

ما يسعى له حكام المملكة العربية السعودية الجدد هو شراء صمت واشنطن مقابل بعض المظاهر المزيفة للانفتاح الثقافي وضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي

لنكون أكثر دقة، في حالة دول الخليج، وجود أشباه ليبراليين يتحدثون في المحافل العامة والخاصة لا ينتج بالضرورة نظامًا ليبراليًا. كل ما ينتجه هذا الوجود هو شكل جديد من السلطوية ترتدي عباءة ليبرالية. من الواضح أن المشروع الجديد لابن سلمان يدفع باتجاه سلطوية ليبرالية مبنية على نموذج من الانفتاح الظاهري على مستوى الثقافة والاقتصاد، محاطة بمستوى غير مسبوق من القمع السياسي.

ما نراه هو إعادة استنساخ نموذج بن علي- مبارك، وهو نوع من الليبرالية المزيفة قائمة على خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة مع جرعة صغيرة من الانفتاح الثقافي محصورة في الرقص والموسيقى والحفلات الليلية، محاطة بصحراء السلطوية والقمع السياسي القاحلة. هذه المعادلة تحديدًا هي ما أنتجت الربيع العربي وهي التي قد تؤدي أيضًا إلى نشوب سلسلة أخرى من الانتفاضات العربية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

محفل بروباغندا ابن سلمان الغربي.. غراميات توماس فريدمان

محمد بن سلمان.. نذير شؤم صاعد لتعقيد أزمات الشرق الأوسط واستنزافه