جرف الصخر تعود إلى الواجهة.. هل تنجح الحكومة العراقية في إعادة النازحين؟
15 أغسطس 2026
بعد نحو 12 عامًا على سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على مساحات واسعة من العراق، ثم خسارته تلك المناطق تباعًا أمام القوات العراقية والحشد الشعبي وفصائل مسلحة مختلفة، بالإضافة إلى ضربات التحالف الدولي، ما تزال منطقة جرف الصخر، شمالي محافظة بابل، تمثل واحدًا من أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيدًا في البلاد.
ومنذ استعادة المنطقة من تنظيم الدولة عام 2014 وتهجير سكانها، لم يسمح الحشد الشعبي والفصائل المرتبطة به، وفي مقدمتها كتائب حزب الله العراقية، بعودة المهجّرين إليها، فيما تحولت أجزاء واسعة منها إلى منطقة عسكرية تضم مقرات ومواقع تابعة لتلك الفصائل، التي تفرض قيودًا على دخول المدنيين، وحتى بعض المسؤولين العراقيين، إليها.
وعلى مدار السنوات الماضية، تعهد عدد من رؤساء الحكومات العراقية بمعالجة ملف جرف الصخر وتأمين عودة سكانها، لكن تلك الوعود لم تفضِ إلى تسوية نهائية حتى الآن. ويُقدّر عدد سكان المنطقة والنازحين منها بنحو 180 ألف نسمة، فيما تمتد على مساحة تُقدّر بنحو 50 كيلومترًا مربعًا، وتكتسب أهمية استراتيجية بسبب موقعها الرابط بين بابل وبغداد والأنبار.
تشمل الخطة، إخلاء عدد من مقرات الفصائل المسلحة، سواء التابعة رسميًا للحشد الشعبي أو الجماعات التي تعمل تحت مظلته، واستبدالها تدريجيًا بقوات حكومية
تحرك حكومي جديد
وبعد سنوات من حرمان السكان من العودة، برزت مؤشرات على تحرك حكومي جديد لمعالجة الملف، بعدما وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وفق ما نقلته صحيفة "العربي الجديد"، الجمعة، عن مصادر سياسية عراقية، بدراسة الأوضاع الأمنية واللوجستية في جرف الصخر، ووضع آليات لانتشار القوات الأمنية النظامية في محيط المنطقة وعلى مداخلها، تمهيدًا لاستعادة مؤسسات الدولة السيطرة عليها.
ووفق المصادر، يتضمن التوجه الحكومي فتح المنطقة أمام سكانها والسماح بعودتهم وإنهاء ملف نزوحهم، بالتوازي مع إعادة تفعيل مؤسسات الدولة والخدمات المدنية فيها.
وأكدت المصادر أن الحكومة لا تتجه إلى "اقتحام" جرف الصخر عسكريًا، بل تسعى إلى استعادة السيطرة عليها من خلال تفاهمات وضغوط تدريجية على الفصائل الموجودة فيها.
وتشمل الخطة، إخلاء عدد من مقرات الفصائل المسلحة، سواء التابعة رسميًا للحشد الشعبي أو الجماعات التي تعمل تحت مظلته، واستبدالها تدريجيًا بقوات حكومية من الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب وجهازي الأمن الوطني والمخابرات، إلى جانب إبقاء بعض ألوية الحشد الشعبي التي تصفها الحكومة بأنها منضبطة.
ويرتبط التحرك الحكومي أيضًا بالمهلة المحددة للفصائل العراقية لمعالجة ملف سلاحها، والتي تنتهي في 30 أيلول/سبتمبر المقبل، إذ تسعى الحكومة إلى استغلالها لإغلاق عدد من الملفات الأمنية العالقة، وفي مقدمتها ملف النازحين من جرف الصخر.
تصريحات تعيد الملف إلى الواجهة
وكذلك، عاد الجدل بشأن جرف الصخر إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، بعد تصريحات لشيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي، وصف فيها المنطقة بأنها "محتلة"، وقال إنه يمتلك توثيقًا لعمليات هدم طاولت نحو ثلاثة آلاف منزل فيها.
وأثارت التصريحات ردود فعل غاضبة في أوساط سياسية وشخصيات مقربة من الحشد الشعبي. وقال القيادي في تيار الحكمة حسن فدعم الجنابي إن تصريحات عدنان الجنابي بشأن جرف الصخر "مستنكرة وغير مقبولة"، معتبرًا أنها لا تمثل جميع أبناء عشيرته.
وأضاف، في تصريحات لـ"ألترا عراق"، أن وصف استعادة جرف الصخر من تنظيم الدولة بأنها "احتلال" يمثل "إساءة للمقاتلين الذين حرروا المنطقة"، واعتبر أن التصريحات تحمل طابعًا طائفيًا وترتبط بحسابات انتخابية ومحاولة كسب أصوات سكان المناطق التي ما تزال تعاني من ملف النزوح.
وتصاعدت تداعيات السجال مع إعلان مجلس محافظة بابل وديوان المحافظة إقامة دعوى قضائية ضد النائب الأسبق وشيخ عشيرة الجنابيين عدنان نعمة رشيد الجنابي، على خلفية تصريحاته بشأن جرف الصخر، معتبرين أنها تضمنت إساءة إلى مؤسسات المحافظة وعرض معلومات قالا إنها "غير صحيحة"، وقد تسهم في إثارة الفتنة وتأليب الرأي العام.
وعود سابقة لم تتحقق
ولا تعد محاولة إعادة سكان جرف الصخر الأولى من نوعها. ففي آذار/مارس 2023، قال رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر: "سنصلي في الجرف قريبًا"، في إشارة إلى أن ملف عودة النازحين كان مطروحًا ضمن التفاهمات السياسية التي رافقت تشكيل حكومة محمد شياع السوداني.
لكن المسؤول الأمني في كتائب حزب الله العراقية، أبو علي العسكري، رد حينها على تصريحات الخنجر، معتبرًا أن حديثه عن الصلاة في جرف الصخر هو "حلم إبليس في الجنة"، في موقف عكس حجم المعارضة التي واجهتها أي محاولة سياسية لإعادة فتح المنطقة أمام سكانها.
ومنذ ذلك الحين، لم يتحقق تقدم جوهري في الملف، وبقيت المنطقة مغلقة إلى حد كبير أمام السكان النازحين، فيما استمرت المطالبات السياسية والعشائرية بإعادتهم وإنهاء الوضع الأمني الاستثنائي القائم فيها.
أهمية أمنية واستراتيجية
اكتسبت جرف الصخر أهمية عسكرية منذ سنوات بسبب موقعها الجغرافي الحساس. فالمنطقة تقع عند نقطة اتصال بين محافظتي بابل والأنبار، وترتبط بجغرافية مفتوحة باتجاه الفلوجة وعامرية الفلوجة ومناطق أخرى من الأنبار، كما تتصل باللطيفية والإسكندرية واليوسفية والمحمودية جنوب وغرب بغداد.
وجعل هذا الموقع منها، خلال سنوات الحرب على تنظيم الدولة، منطقة بالغة الأهمية في تأمين الممرات المؤدية إلى بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق، وهو ما تستند إليه الفصائل المسلحة في تبرير استمرار الوجود الأمني المكثف فيها وممانعة إعادة فتحها بشكل كامل.
وحاولت السلطات المحلية بعد استعادة المنطقة تغيير اسمها رسميًا من "جرف الصخر" إلى "جرف النصر"، في إشارة إلى الانتصار على تنظيم الدولة، لكن الاسم القديم ظل الأكثر تداولًا في الخطاب الشعبي والإعلامي العراقي.
كما تعرضت المنطقة خلال الحرب على إيران لضربات أميركية استهدفت مواقع مرتبطة بالفصائل المسلحة، وأعلنت كتائب حزب الله العراقية حينها مقتل عدد من عناصرها في الغارات، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الوجود العسكري داخلها وأهميتها بالنسبة للفصائل الموالية لإيران.
وفي المقابل، حاول تنظيم الدولة خلال السنوات السابقة تنفيذ عمليات أمنية وهجمات في محيط المنطقة.
تقرؤون المزيد في: مصدر في الحشد الشعبي يكشف تفاصيل الغارات الجوية الأخيرة على جرف الصخر








