جرائم نخب العالم ضد الإنسانية

جرائم نخب العالم ضد الإنسانية

ميغيل فيلالبا سانشيز/ إسبانيا

آلاف السنين مرت وما زال الناس يشتغلون بالكتابة عن معنى السعادة ومصدرها. وفي حين خلص الفيلسوف الإغريقي أرستيبوس إلى أن مصدر السعادة خارجي، أكّد فلاسفة آخرون، من أنتيزنيس إلى بوذا، أن طريق الوصول للسعادة باطني يكمن في التأمل وحياة زهد قوامها الفضيلة والبساطة والسلام الداخلي.

السعادة أعمق من مجرد أن يكون الإنسان راضيًا قانعًا

كما برز آخرون مثل شوبنهاور ممن يعتقدون بإمكانية أن نسعد في بعض الأحيان فقط ضمن عالم، من حيث جوهره، بائس تعيس، إذ "تنوس الحياة مثل البندول، ذهابًا وإيابًا بين الألم والملل". أما بالتعريف المعجمي فالسعادة وفقًا لقاموس ميريام وبستر هي حالة الرخاء ورضا القناعة: ملاقاة السرور والهناء.

وبالنسبة لبعضٍ آخر، السعادة أعمق من مجرد أن يكون الإنسان راضيًا قانعًا. أرسطو اعتبر الفضيلة بمجملها وجهًا واحدًا من وجوه السعادة، بتنحية عنصري المال والذكاء يمكن للفضيلة أن تكون حاملًا لشكل من أشكال الرضا.

إنما في بعض الأحيان، هذا كله لا يكفي بالنسبة لنوع محدد من الناس يسعى للعيش في نعيم دائم، كحالة من الشعور بالتوحد مع الكون وكل ما فيه. وعبر سنين طويلة من التأمل والتدرب على الغوص في الذات أو تنمية الوعي، يتعلم المتأملون كيفية إنشاء وجودٍ وهمي وكيفية العيش في واقع أسمى. أهي حالة تجاهلٍ للواقع الحقيقي القائم أثناء السعي للتنعم بالوهم؟

مهما تكن الإجابة، لا مجال للإغراق بالسخرية في هذا السياق لأن الوهم يملأ محيطنا، سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي الأشمل. حيث تأثير النمط الاجتماعي على مستوى السعادة والرخاء كبير.

من بيرنيز إلى أولبرايت: سعادتهم.. بؤسنا

تعمل كل حكومة في العالم على خلق وهمٍ لشعبها. بمجال الاقتصاد مثلًا، قد تضرّ بنا السياسات الاقتصادية على المدى القصير لكننا جميعًا سائرون نحو فردوس السعادة! هكذا يقول لنا السياسيون ووسائل إعلام الشركات العملاقة وكل الناطقين باسم مِن يحملوننا على التحمل، أي أكابر نخب الطبقة الحاكمة، كي يضمنوا خلو حياتهم من أي معاناة.

وتُجبل الحكومات الغربية على خداع إنساننا الشغيل البسيط، فتورِّد لنا الحرب باسم السلام وتفرض التقشف في سبيل الازدهار، وتبقي البؤس اليومي معلقاً على وعد السعادة المستقبلية. أفهناك مجال للصدق؟ أبدًا، لا يحب السياسيون إخبار الناس بالحقيقة لأن عامل "الشعور السيئ" لا يتحول أبدًا إلى أصوات تصب في صندوق انتخاب تُنجِح مرشحاً. لذلك من الأفضل إبقاء الشعب في المساحة المظلمة والتعويل على دورة المشاعر الإيجابية! فلن يكون الناس سعداء إذا عرفوا الحقيقة! بينما الاتجار بعامل "الشعور الجيد" أمر شائع ومتاح.

أصبح درب السعادة في عصر الاستهلاك المادي يمر عبر تحصيل المزيد من البضائع، البضائع الأجود، والبضائع الأجدد. موائد طويلة من سلع تثير شهوتنا. وبالتواطؤ مع الشركات العملاقة تعلمت الحكومات اللعب على رغباتنا لخلق نمط أحادي البعد من السعادة قائم على الاستهلاك. وإلى حد ما، يُعتبر رائد علم العلاقات العامة والحملات الدعائية "البروباغاندا"، إدوارد بيرنيز، المسؤول والخبير الأول بالتلاعب بتصورات الناس عن الألم والمتعة والبؤس والسعادة، واستغلال رغبات الناس أو تشكيلها بطريقة محددة تسمح بتسويق أي فكرة عن السعادة، أو عن الحقيقة، مهما تكن مخاتلة أو مزيفة. سواء كانت فكرة تثير الرعب الجماعي من بعبع الشيوعية في الولايات المتحدة، أو تسوّق الحلم الأمريكي عن السعادة المحمّلة مع البضائع الاستهلاكية.

تعلمت الحكومات اللعب على رغباتنا لخلق نمط أحادي البعد من السعادة قائم على الاستهلاك

تمكّن بيرنيز وشركات القطاع الإعلاني السائرة بهديه من الجمع بين التعاسة والسعادة سويًا. فلا بديل لمَن يرفض الانسجام مع الرأسمالية الاستهلاكية سوى التعاسة والشقاء. إذا لم يشترِ هذا المنتَج أو ذاك تصبح حياته مريعة. وإذا لم يشارك بإقامة قداس الرأسمالية فسوف يباغتنا البغيضون السوفييت ويفرضون تعاسة نظام المساواة علينا جميعاً!

في ظل رأسمالية الولايات المتحدة الأمريكية كانت الكذبة أن الجميع سيعيشون بسعادة أبدية بسبب، وليس رغم أنف، تفاوت الدخل والامتيازات الضخمة، على حساب القوى العاملة واستغلالها، مغطاة، أي الكذبة، بعباءة الجدارة والكفاءة، وبدعة الأجر الجيد ليوم عمل جيد "fair day’s work for a fair day’s pay".

هكذا مهدت تقنيات البروباغاندا لدى بيرنيز الطريق لتمرير خدعة وخداع "الديمقراطية الليبرالية". وبسرعة تعلمت السلطات الأمريكية أن بالإمكان خلق الملائكة والشياطين من العدم! كما بالإمكان إثارة القلاقل وشن الحروب، من غواتيمالا والكونغو وفيتنام حتى العراق، بناء على أكوام من الأكاذيب. أكاذيب عن أشرار رابضين خلف البوابات. أكاذيب عن آلام وأحزان سوف يتسببون بها للولايات المتحدة ولبلدان أخرى بعيدة. وأكاذيب عن الحكومة التي ستنقذنا من الهلاك الوشيك!

وبطبيعة الحال، من الأفضل أن نتسلح حتى الأسنان بترسانة نووية كي نضمن ألا يفرض علينا الآخرون بؤس أنظمة حكمهم أو أساليب حياتهم البغيضة. ووصفة (Don’t Worry, Be Happy)، "لا تقلق، كن سعيداً" جاهزة لتريحنا جميعاً من الإصابة بارتعاش الخوف الدائم من هرمجدون نووي، فانسَ الموضوع وشاهد التلفاز. حتى خطر إبادة الجنس البشري الحقيقي والماثل تمت تنحيته جانبًا حفاظًا على إرث "الشعور الجيد".

وأفضل طريقة لغرس هذا الشعور تكمن بجعلنا ندور للأبد في حلقة مفرغة داخل صندوق مغلق. وما يزال ملايين الناس مقيدين بالركض خلف نموذج سعادة بيرنيز، أسرى إدمانهم على السعي خلف مزيد من الكسب والمتعة ومطاردة الحلم الوهم. وحبيسي إدمانهم على الإيمان بجدوى مساعيهم لبلوغ السعادة من خلال الملكية المادية.

إنما حسب الفكرة البوذية: أحدٌ ما، في مكان ما، يعاني مقابل سعادتنا ومتعتنا. ولا شك إطلاقاً بهذا. فقد أريقت الكثير من دماء الناس غير المحظوظين، لمجرد وجودهم في مناطق معينة من العالم، باسم الناس المولودين في بقعة أخرى من العالم ممن يعتقدون أن تلبية حاجتهم لامتلاك الموارد أهم من الحيوات التي يدمرونها في سبيل الاستيلاء عليها. ولنتذكر قول مادلين أولبرايت إن مقتل 500 ألف طفل عراقي كان ثمنًا مناسبًا لتعزيز المصالح الجيوسياسية للشركات العملاقة الأمريكية! بلى، هجوم لطائرة بدون طيار هنا، وبضعة "إصابات جانبية" هناك، تجعل أولئك المجندين في مراكز السيطرة والتحكم الأمريكية سعيدين بقضاء "أيام عمل جيدة" مليئة بالقتل!

توجد في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عبارة تثبت "الحياة والحرية والسعي للسعادة". الحرية والسعادة، أو السعي لتحقيقها، شرطان جوهريان، ولو بُنيتا على شقاء الآخرين وبؤسهم، بعدما أصبحت مفاهيم الحياة والحرية والسعادة مغشوشة. فالسعادة المحشوة في عقول الجماهير صارت تقدَّم مخلوطة مع جرعة زائدة من الفردانية ولهاث دائم خلف حيازة بضائع مادية لا تحصى، بعد أن اختطفها أمثال بيرنيز الذي اكتشف من خلال إطلاعه على أسس التحليل النفس، من خاله فرويد، السهولة النسبية للتلاعب برغبات الناس وتعويدهم على إشباع إدمانهم بسلوك محدد، فحتى لو لم يكونوا يريدون أو يحتاجون فعلاً لسلع الاستهلاك، سيسعون لاقتنائها بدفع من "تلك الحاجات الزائفة". الإدمان هو الجوهر الذي يعول عليه بيرنيز هنا.

لا وقت لدى المرء للإحساس بخيبة الأمل نظرًا لانشغاله المتواصل بشراء ما استجد من منتوجات الضبط السريع للسعادة. ما يمثل بحد ذاته سببًا وجيهًا لتسميتها "العلاج النفسي" بالمفرق. العلاج الذي لا يدوم طويلًا في دوامة التناوب بين الشعور السيئ تلو الشعور الجيد إلى ما لا نهاية. لكن من يحتاج هذه الصيغة من "السعادة"؟ هذا النوع من "الحرية" المتناغم مع الرؤية الأولبرايتية الممسوخة للحياة والموت؟

لا أحد. لكن مع ذلك تُدفع الجماهير لهضم الأكاذيب من خلال بروباغاندا دعائية واسعة الانتشار. وما من شاهد على ذلك أفضل من آلة هوليوود الدعائية. إذ تكفي رؤية عينات من نفايات أفلام "الشعور الجيد"، المنتشرة انتشار النار في الهشيم متجاوزة أو متجاهلة بحكم العادة مظاهر سقم وبؤس حياة "أمريكا" الطبقة العاملة. حيث ضرورة تصوير الفكرة الزائفة عن السعادة ضربت الواقع والحقائق بعرض الحائط. ثمة مَن يستغرب رغبة نصف سكان العالم بالعيش في الولايات المتحدة!

جرائم "خالقي الثروة"

بمزيج الرغبة والبروباغاندا بُني الحلم الأمريكي العظيم على حساب البيئة واغتصاب الطبيعة من أجل تضخيم الأرباح، وإدامة الحروب والشقاء والآلام. نوّه السوسيولوجي سي. رايت ميلز إلى نشوء نخبة ما بعد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1956، نخبة حاكمة موحدة قوامها الشركات العملاقة والجيش والمؤسسة السياسية. وبعد مرور سبعة وخمسين عاماً على اتحادها، تكشف الإحصائيات أنها تحمل وزر قتل ما سيزيد عن عشرة ملايين إنسان، في شن الحروب وإثارة النزاعات، ودعم فرق الموت، وتنفيذ العمليات السرية. ما تعتبره هوليوود أسرارًا بغيضة لا يجوز البوح بها أبداً. بينما يمجد الكثير من رموزها ومعلقيها وسياسييها إدارة تجارة المخدرات وتصدير الجريمة والإرهاب، تحت ستار نصرة الديمقراطية والحرية.

النظام العالمي القائم يخدم أقلية يتراوح عدد أفرادها ما بين 6-7 آلاف شخص من أثرى أثرياء العالم

وحسبما يقول ديفيد روزكوف، فإن النظام القائم ليس موجودًا من أجل تحقيق مصالح أغلبية الناس، بل ليخدم أقلية يتراوح عدد أفرادها ما بين 6-7 آلاف شخص من أثرى أثرياء العالم الذين ثبتوا مواقعهم عبر أجيال متعاقبة ومئات السنوات من عمر النظام الرأسمالي. وهم ذاتهم الذين يديرون شؤون العولمة وينظمون أجندات الحروب في مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين وحلف شمال الأطلسي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، بصفتهم الشريحة العليا من رأس المال المالي وكبرى الشركات العابرة للقوميات. أصحاب المليارات أولئك، طبقة رأسماليي العالم العابرة لكل الحدود، هم الذين يُملون السياسات الاقتصادية العالمية ويقررون من يموت ومن يعيش وأي حروب تُشن وأي شعب يكتوي بنيرانها، رغم أنهم يواجهون حالياً بعض الصعوبة في تنفيذ ركلة البداية بأكاذيبهم المكشوفة ونفاقهم، ولنا في سوريا مثال.

وبدلاً من التذكير الدائم بجرائمهم ضد الإنسانية، وهو الأمر الذي لا يحدث إطلاقًا، يُعتبرون القدوة في مجال صناعة الذات، وأرباب في القطاع الصناعي، ويوصفون بأنهم "خالقو الثروة"! أكبر السياسيين المترفين، الذين يسرقون الثروة من الناس البسطاء ويخفونها في ملاذات لا تطالها الضريبة، والذين دفعوا اقتصادات دول إلى الإفلاس بمضارباتهم المالية ونهم جشعهم، وفرضوا نمطاً من العولمة يعمم الدمار الشامل على العالم، والحروب لكل من يحاول الحفاظ على استقلاله عنهم، أو العنف المنظم بنيوياً من خلال الخصخصة وتطبيق النيوليبرالية الاقتصادية على ملايين من شعوب البلدان المذعنة لشروط حكمهم.

لذلك لم يكن غريبًا أن تخضع كل محاولات إعادة التوازن وسحب التحكم من أيدي طبقة المجرمين لأقسى أشكال القمع على مدى عقود طويلة، بدءاً بقمع تنظيمات اليسار الديمقراطي حتى مناهضة آخر حكومة تسعى لتطبيق نموذج تشاركي، دون التردد باستخدام ما يتوفر لها من أجهزة المخابرات أو الجيوش لاستئصال أية معارضة لمطامعها.

فأُخضِع الناس "العاديون" في أصقاع الأرض، من أحزمة الفقر في السلفادور وتشيلي إلى مصر والهند، لسياسات أنتجت مزيدًا من القهر والفقر والصراعات. بعدما مررها السياسيون ووسائل الإعلام المهيمنة الفاسدة مزوّقة على أحسن وجه. وكل من وقف في وجه الأكاذيب هُزِّأ بأخف الحالات أو روقب أو اعتقل أو قتل في أسوأ الأحوال منعاً لانكشاف الحقائق وانتشارها. والحقيقة أن كثيراً منا يعرف ماهية "السعادة"، وماهية المجتمع القائم على أسس التشاركية والمساواة الاقتصادية الضروري لسوادها. لذلك يقف أثرى أثرياء الكوكب في وجهها مرتكبين كل ما يرتكبونه لمنعنا من التمتع بها. وفي نهاية الأمر ليست الاشتراكية هي المفردة الشيطانية هنا.

أشارت العديد من الدراسات الإحصائية المعتمدة إلى أن المجتمعات الأكثر سعادة هي التي تكثف توظيف الأموال في قطاعات الطبابة والرعاية والتعليم، وهي مجتمعات أكثر عدلاً وحياة مواطنيها أكثر تقيداً بشروط حياة البيئة. ومن بين الدول الغنية، عكست أرقام البلدان الأقل غنى وضعًا جيدًا نظراً لاعتماد أولوياتها الثقافية على تكريس روابط العائلة والصداقة، ورأس المال الاجتماعي بدلاً من رأس المال المالي، وعلى التكافؤ الاجتماعي لا على نفوذ الشركات الكبيرة. وليس من قبيل المصادفة أن يظهر أن الناس في دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة أقل سعادة مما كانوا عليه قبل أربعين عاماً.

كان المفكر الألماني كارل ماركس يعتقد أن بإمكان الإنسان التوصل إلى "تحقيق الذات" فعلياً في مجتمع يسمح له أن يفعل اليوم شيئًا ويفعل غيره في اليوم التالي، أن يصيد في البر صباحاً ويصطاد السمك بعد الظهر، يطعم المواشي في المساء وينقّ ناقدًا بعد العشاء، كيفما يحلو له. فالسعادة حالة كينونة ووجود، حالة نشاط مُجدٍ يختاره المرء بحرية دون أي فرض. ولا يمكنه تحقيقها من خلال مطاردة هدف مطلق بعيد المنال مخاتل من خلال الكدح بعمل روتيني يجعله يطوف في دائرة مفرغة، ضمن دائرة التحكم والسيطرة. دون نقطة ثابتة يبلغها من خلال تملكه الدؤوب لآخر ما صدر من سلع الاستهلاك وانغماسه في منافسة استهلاك فردانية الطابع، صوت باطنها يقول: "انظروا إليّ، أنا أفضل منكم، أرقى من حشدكم". وبرفع نفسه بهذه الطريقة، يبتعد الإنسان، الكائن الاجتماعي، عن المجموعة الأكبر، وبشكل ما ينتهي إلى حالة أخرى من التعاسة.

إضافة لما سبق، فإن أبناء الشغيلة البسطاء، رجالاً ونساء، هم الذين يتطوعون في الجيش وترسيخ النظام عوضاً عن أصحاب الثروات الطائلة. ودائماً، يتمرس أمثالهم في تضليل الجماهير ودفعهم للالتفاف حول العلم والأمة، من خلال استثارة حب الوطن بعاطفة مجردة منحرفة، لتسويغ النزعة العسكرية وتبرير استغلال الناس.

يوثق الأكاديمي الماركسي آل مورتون في كتابه "تاريخ إنجلترا الشعبي" كيف تصدى الناس البسطاء، على امتداد قرون، لمثل هؤلاء الحكام ودفعوا الثمن من دماء أبنائهم. ولأن لا شيء يأتي مجاناً قاتلوا بأظفارهم وأسنانهم من أجل كل ما صار حقاً مكتسباً لهم.

وكم هو مثير للاشمئزاز أن يُحرم الناس اليوم من الفرص الاقتصادية وفرص العمل بسبب بيع مالكي الثروات أعمالهم لأحطّ مقاولي العالم. بعد أن صممت الطبقة و"مفكريها" على تدمير الإجماع على كينزية ما بعد الحرب العالمية الثانية القائم على تقوية دولة الرعاية الاجتماعية وتدخل جهازها في الاقتصاد لصالح تأمين العمالة الكاملة. حتى أن كل مفهوم أو فكرة عن "عدل" أو فوائد وتعويضات مشتق من مفهوم دولة الرفاه تم استبداله بمفاهيم إيجابية الطابع عن حرية السوق والمسؤولية الفردية، من أجل التعمية على الأهداف الحقيقية المتمثلة بقلب موازين القوى لصالح النخب.

وبعد تخفيض أجور الشغيلة طيلة عقود من الزمن، وبالتالي ارتفاع الطلب على القروض، ومطالبات البنوك بالتعويضات، تغدو كذبة "التقشف" مطرقة إنجاز المهمة التي باشرها أمثال رونالد ريغن ومارغريت ثاتشر في الثمانينيات من القرن الماضي عبر سياساتهم بدعم الشركات التجارية الكبرى والدفع نحو الخصخصة ومعاداة النقابات وتصفية سياسات الرعاية والرفاه الاجتماعي. فهل يتوجب على الناس شكرهم والتصويت لسياساتهم؟ أو المشاركة سيرك الوسائل الإعلامية احتفالاً بميلاد طفيلية مَلكية أخرى؟ أو دعم جرائمهم في سوريا وليبيا وأفغانستان والعراق وفي كل مكان؟

طبعاً! يتوجب علينا مساندتهم وتجرّع سم خدعة أننا "شركاء على ظهر مركب واحد"! كما يتوجب على شبابنا وشاباتنا التطوع لخوض حروبهم! ومثلما قُدِّمَ "أبطال بوز المدفع" السابقين كأضاحٍ جماعية في ساحات معارك لا تعد ولا تحصى، بإمكان أحفاد أحفادهم من كادحي هذا العصر التطوع للقتال من جديد! ولأجل ماذا؟ لأجل التقشف، والعجز، والإمبريالية، ودعم العملة الأمريكية! كرمى لـ"مونسانتو وأوكسيدنتال بتروليوم وبي بي وجيه بي مورغان وبلاك روك وبوينغ"، وبضعٌ من شركات أُخَر!!

شُحنت آلات الكثير من مصانع الولايات المتحدة لخارج البلاد بعد أن تم تفريغ جعبة الاقتصاد الأمريكي. إذ لا يهتم المستفيدون منها إلا بعائداتهم ولو ذهبت الولايات المتحدة إلى الجحيم بسلة يد فارغة، وهكذا سيحدث. المهم الآن بالنسبة لهم جني الربح الأعلى، طالما أن المجال متاح لرفع منسوب الربح إلى حدود قصوى من خلال تحريك رؤوس أموالهم عبر العالم، بالاستناد إلى التجارة الحرة غير المتكافئة التي تفتح بوابات النهب على مصراعيها، أو بمعيّة الإكراه والعسكر.

وفي بلد مثل الهند يمكن استخدام الطريقتين، التجارة "الحرة" ودولة آلة الإكراه العسكرية، اللتين تخلفان عدداً لا يحصى من القتلى ومئات ألوف من فقراء "الوطن" المهجرين قسرياً من أراضيهم وقراهم لصالح الشركات العملاقة النافذة، وتعزيز الإيهام بالتنمية. اعتاد الهندي المديني المرتاح نسبياً على ترداد شعار "أنا أحب هنديَ"! ولطالما استخدم حب الوطن كوسيلة إلهاء وأداة بيد القاهرين لإخضاع المقهورين.

وآخر الأمر، بعد إتمام عمليات تجريف الدول وتفريغ المجتمعات، حتى سماع آخر صدى لطنين الشعارات الوطنية في محيط أجوف، يُحكمون إغلاق الصناديق. ولا يتركون في كل صندوق سوى يد قاسية تتحرك آلياً، ولا وظيفة لها سوى حراسة قفل الباب، ومنع من يتجرؤون على فتحه وتسريب بصيص نور لداخله. ففي حال نجاح الناس بفتحه سوف يكتشفون حجم الفحش والأكاذيب والخداع الكامنين في التحكم الاجتماعي المبني على تخريب حياة وحرية وسعادة البشرية.

* الترجمة عن الإنجليزية: منذر سلام