جذور الصراع في أزواد.. من حلم الاستقلال إلى حرب الجميع ضد الجميع (الجزء الثاني)
17 يوليو 2026
في الجزء الثاني والأخير من هذا الملف، نتتبع مسار الأزمة الأزوادية منذ انهيار الدولة المالية في شمال البلاد عام 2012، مرورًا بصعود الجماعات الجهادية والتدخلات الدولية واتفاق الجزائر للسلام، وصولًا إلى التحولات العسكرية والسياسية التي تشكّل مشهد الصراع اليوم.
عندما دخل مقاتلو الحركة الوطنية لتحرير أزواد مدينة تمبكتو في ربيع عام 2012، بدا لكثير من الطوارق أن الحلم الذي راود أجيالًا متعاقبة منذ استقلال مالي أصبح أخيرًا قاب قوسين أو أدنى. وبعد أسابيع قليلة، أعلنت الحركة من جانب واحد استقلال إقليم أزواد، الذي يمتد على ثلثي مساحة البلاد تقريبًا.
لكن ما بدا انتصارًا تاريخيًا لم يدم سوى أشهر قليلة، قبل أن يتحول إلى واحدة من أعقد الأزمات الأمنية والسياسية في القارة الإفريقية. فبدلًا من قيام دولة جديدة في قلب الصحراء الكبرى، دخل الإقليم في دوامة من الحروب المتشابكة والتدخلات الخارجية والصراعات الإثنية والجهادية، التي ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
سقوط الشمال وانهيار الدولة
كان سقوط مدن كيدال وغاو وتمبكتو في أيدي المتمردين نتيجة مباشرة لتداعيات الحرب الليبية عام 2011. فبعد انهيار نظام العقيد معمر القذافي، عاد آلاف المقاتلين الطوارق الذين خدموا في كتائبه العسكرية إلى شمال مالي، محمّلين بكميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة والخبرة القتالية.
وقد شكّل هؤلاء العمود الفقري للحركة الوطنية لتحرير أزواد، التي أطلقت تمردًا واسعًا ضد الجيش المالي مطلع عام 2012. وفي غضون أشهر قليلة، انهارت مواقع الجيش في الشمال، بينما أدى الغضب داخل المؤسسة العسكرية في باماكو إلى انقلاب أطاح بالرئيس أمادو توماني توري.
كان ذلك الانقلاب، الذي جاء بذريعة إنقاذ البلاد من الانهيار، سببًا إضافيًا في تعميق الأزمة. فالدولة التي كانت تخوض حربًا في الشمال، وجدت نفسها غارقة في أزمة سياسية داخلية، وهو ما منح المتمردين فرصة تاريخية للسيطرة على كامل الإقليم تقريبًا.
عندما دخل مقاتلو الحركة الوطنية لتحرير أزواد مدينة تمبكتو في ربيع عام 2012، بدا لكثير من الطوارق أن الحلم الذي راود أجيالًا متعاقبة منذ استقلال مالي أصبح أخيرًا قاب قوسين أو أدنى
تحالف قصير بين القوميين والجهاديين
لم تكن الحركة الوطنية لتحرير أزواد القوة المسلحة الوحيدة التي استفادت من الفراغ الأمني. فإلى جانبها كانت تنشط جماعات جهادية تمتلك موارد مالية وعسكرية كبيرة، مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد، وجماعة أنصار الدين بقيادة إياد آغ غالي.
في البداية، قاتلت هذه الجماعات إلى جانب المتمردين الطوارق ضد الجيش المالي، لكن التناقضات سرعان ما ظهرت إلى السطح. فالحركة الوطنية لتحرير أزواد كانت تتبنى خطابًا قوميًّا يركز على استقلال أزواد، بينما كانت الجماعات الجهادية تسعى إلى إقامة نظام إسلامي عابر للحدود لا يعترف بفكرة الدولة القومية أصلًا.
وخلال أشهر قليلة، انقلب الحلفاء السابقون إلى خصوم يتقارعون بالدم والحديد والنار. فقد تمكنت الجماعات الجهادية من طرد الحركة الوطنية لتحرير أزواد من المدن الكبرى، مستفيدة من تفوقها العسكري والمالي، لتصبح مناطق واسعة من شمال مالي تحت سيطرة تنظيمات مرتبطة بالقاعدة.
وكان ذلك التطور إيذانًا بتحول جذري في طبيعة الأزمة. فبعد أن كان النزاع يُنظر إليه باعتباره تمردًا سياسيًا ذا مطالب محلية، أصبح جزءًا من المشهد الجهادي الإقليمي الذي بدأ يتمدد عبر الصحراء الكبرى والساحل الإفريقي.
تمبكتو تحت حكم الجماعات المتشددة
وجد السكان المحليون أنفسهم أمام واقع جديد. ففي تمبكتو وغاو وكيدال، فرضت الجماعات المسلحة تفسيرات متشددة للشريعة الإسلامية، وأغلقت المدارس والمؤسسات الثقافية، ونفذت عمليات جلد ورجم أثارت انتقادات واسعة داخل مالي وخارجها.
كما تعرضت تمبكتو، المدينة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لعمليات تدمير طالت أضرحة ومواقع تاريخية تعود إلى قرون، الأمر الذي أثار صدمة عالمية وكرّس صورة الأزمة المالية باعتبارها تهديدًا يتجاوز حدود البلاد.
في تلك المرحلة، بدا أن الجماعات الجهادية تمكنت من تحقيق ما لم تستطع أي حركة مسلحة أخرى تحقيقه من قبل، وهو فرض سيطرة فعلية على مساحة شاسعة من الأراضي تمتد من الحدود الجزائرية شمالًا إلى تخوم وسط مالي جنوبًا.
التدخل الفرنسي واستعادة مدن أزواد
وبينما كانت الجماعات الجهادية توسّع نفوذها جنوبًا باتجاه وسط مالي، بدأت باريس تنظر إلى الوضع باعتباره خطرًا مباشرًا على مصالحها في منطقة الساحل. وفي كانون الثاني/يناير 2013، أطلقت فرنسا عملية "سيرفال" العسكرية استجابة لطلب من السلطات المالية، حيث اندفع آلاف الجنود الفرنسيين، معززين بغطاء جوي وقوة نارية كبيرة، نحو الصحراء الكبرى في معركة سترسم مستقبل مالي برمّتها.
حققت العملية نجاحًا سريعًا في مرحلتها الأولى، إذ استعادت القوات الفرنسية، مدعومة بقوات إفريقية، المدن الرئيسية خلال أسابيع، واضطرت الجماعات المسلحة إلى الانسحاب نحو المناطق الجبلية والصحراوية الوعرة.
واستقبل كثير من سكان الشمال القوات الفرنسية باعتبارها قوة تحرير أنهت فترة عصيبة من الحكم المتشدد، لكن سرعان ما اتضح أن استعادة المدن شيء، والقضاء على التمرد شيء آخر تمامًا.
لماذا فشلت الحرب على الإرهاب؟
لم يتحول النجاح العسكري والحرب الفرنسية الخاطفة إلى حل سياسي دائم. فسرعان ما أعادت الجماعات الجهادية تنظيم صفوفها، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة للمنطقة، ومن هشاشة الدولة المالية وضعف مؤسساتها الأمنية.
وفي عام 2014، تحولت عملية "سيرفال" إلى عملية "برخان" الأوسع نطاقًا، والتي شملت عدة دول في الساحل، هي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد. وكان الهدف المعلن هو مواجهة التهديد الجهادي في المنطقة بأكملها.
غير أن السنوات التالية كشفت حدود المقاربة العسكرية. فبدلًا من تراجع العنف، توسعت رقعة الصراع من شمال مالي إلى وسط البلاد، ثم إلى الدول المجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو. كما ظهرت تنظيمات جديدة، وازدادت الهجمات تعقيدًا واتساعًا.
ويرى كثير من الباحثين أن التركيز على البعد الأمني وحده تجاهل الأسباب العميقة للأزمة، وعلى رأسها ضعف الدولة وغياب التنمية والتهميش المزمن للمناطق الطرفية، وهي عوامل وفّرت بيئة خصبة لتجنيد المقاتلين واستمرار التمرد في إقليم أزواد.
اتفاق الجزائر.. السلام المؤجل
حاولت الأطراف المتصارعة البحث عن مخرج سياسي. وفي عام 2015، تم توقيع اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة بين الحكومة المالية وعدد من الحركات المسلحة الأزوادية.
ونصّ الاتفاق على منح صلاحيات أوسع للسلطات المحلية، وإدماج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة، وتعزيز التنمية في الشمال. وقد اعتبره كثيرون آنذاك فرصة تاريخية لإنهاء عقود من التمرد.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه عراقيل عديدة. فالحكومة المالية اتهمت الحركات المسلحة بعدم الالتزام بتعهداتها، بينما اشتكت تلك الحركات من بطء تنفيذ البنود السياسية والأمنية. كما أن الجماعات الجهادية لم تكن جزءًا من الاتفاق أصلًا، واستمرت في شن الهجمات ضد جميع الأطراف.
وبمرور الوقت، تحول الاتفاق إلى إطار سياسي هش أكثر منه خريطة طريق فعلية لإنهاء النزاع، خاصة مع تصاعد التوترات الأمنية وتراجع الثقة بين الأطراف المختلفة.
من قضية أزواد إلى أزمة الساحل
مع مرور الوقت، بدأت الأزمة في إقليم أزواد تأخذ أبعادًا جديدة تتجاوز القضية الأزوادية التقليدية. ففي وسط مالي، تصاعدت التوترات بين المكونات السكانية المختلفة، وظهرت ميليشيات محلية دخلت بدورها في دوامة من أعمال العنف والانتقام المتبادل.
وهكذا لم يعد الصراع يدور فقط بين الدولة المالية والطوارق، أو بين الحكومة والجهاديين، بل تحوّل إلى شبكة معقدة من النزاعات المحلية والإقليمية والدولية المتداخلة.
كما أصبحت مالي جزءًا من أزمة أوسع تضرب منطقة الساحل بأكملها، حيث تتداخل تحديات الأمن والهجرة والتغير المناخي والجريمة المنظمة والتنافس الجيوسياسي في مساحة جغرافية واحدة مترامية الأطراف.
الانقلابات العسكرية وتغيير التحالفات
جاءت نقطة التحول الكبرى الجديدة مع سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي بين عامي 2020 و2021. فقد وصل العسكريون إلى السلطة وسط موجة غضب شعبي بسبب تدهور الوضع الأمني، وعجز الحكومات المتعاقبة عن وقف العنف.
وسرعان ما دخلت السلطة الجديدة، التي قادها العقيد آسيمي غويتا، في مواجهة سياسية مع فرنسا وشركائها الغربيين. وفي غضون سنوات قليلة، انتهى الوجود العسكري الفرنسي الذي استمر نحو عقد كامل، بينما اتجهت باماكو إلى تعزيز تعاونها الأمني مع روسيا، اللاعب الجديد الذي سيختبر قوته في حروب الصحراء التي لا تنتهي.
أدى هذا التحول إلى إعادة رسم خريطة التحالفات داخل مالي والمنطقة. فبينما رأت السلطات المالية أن الشراكة الجديدة مع موسكو أكثر انسجامًا مع مفهوم السيادة الوطنية، اعتبر منتقدوها أن الأزمة أعمق من أن تُحلّ بتغيير الشركاء العسكريين فقط، دون تغيير يطال جوهر النظام وشكل الدولة في مالي.
كيدال.. نهاية مرحلة أم بداية أخرى؟
في الشمال تحديدا شهدت السنوات الأخيرة انهيارا متسارعا للترتيبات التي قامت عليها عملية السلام. فمع انسحاب بعثة الأمم المتحدة وتراجع الالتزام باتفاق الجزائر، عادت المواجهات بين الجيش المالي والحركات الأزوادية المسلحة.
وفي أواخر عام 2023 تمكن الجيش المالي وحلفاؤه الروس من استعادة مدينة كيدال الاستراتيجية التي ظلت لعقد من الزمن رمزا للنفوذ الأزوادي المسلح. وشكل ذلك تحولا استراتيجيا مهما في ميزان القوى على الأرض.
غير أن رمزية كيدال تتجاوز قيمتها العسكرية. فالمدينة كانت لعقود القلب السياسي والعسكري للحركات الطوارقية، ولذلك اعتبر سقوطها في يد الجيش المالي حدثا مفصليا أعاد خلط الأوراق وأدخل الصراع في مرحلة جديدة.
أزواد اليوم.. صراع بلا نهاية واضحة
استعادة المدن في إقليم أزواد لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع. فالحركات المسلحة ما تزال تمتلك حضورًا في مناطق واسعة، بينما تواصل الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة تنفيذ هجمات متكررة ضد الجيش والقوات الحليفة له.
اليوم تبدو أزمة أزواد مختلفة كثيرًا عما كانت عليه قبل عقدين. ففي تسعينيات القرن الماضي، كان جوهر النزاع يدور حول مطالب سياسية وتنموية وهوياتية يرفعها الطوارق في مواجهة الدولة المركزية. أما الآن، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيدًا بكثير.
فالقضية الأزوادية التقليدية ما تزال حاضرة، لكنها لم تعد العامل الوحيد المحرك للأحداث. إذ تداخلت معها حسابات مكافحة الإرهاب، والصراع على النفوذ الإقليمي، والتنافس الدولي، وأزمات الحكم والتنمية، والهشاشة الأمنية الممتدة عبر منطقة الساحل بأكملها.
ورغم التحولات المتلاحقة، يبقى سؤال عام 2002، الذي طرحه الرئيس أمادو توماني توري على إياد آغ غالي، قائمًا حتى اليوم: لماذا تبدو الصحراء الكبرى عصيّة على الحلول؟
ربما تكمن الإجابة في أن أزواد لم تكن يومًا مجرد مساحة جغرافية نائية في شمال مالي، بل كانت دائمًا نقطة التقاء بين الهويات المحلية والطموحات السياسية والمصالح الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن أي مقاربة تختزل الأزمة في بعدها الأمني وحده، أو في بعدها الإثني فقط، تبدو عاجزة عن تفسير تعقيداتها أو تقديم مخرج دائم لها.
بعد أكثر من ستة عقود على استقلال مالي، وأكثر من عقد على انهيار الدولة في الشمال عام 2012، لا تزال جذور الصراع، التي زُرعت في سنوات التهميش وانعدام الثقة والتنافس على السلطة، حاضرة بدرجات متفاوتة. وبينما تتغير التحالفات والأسماء والرايات، يبقى التحدي الأساسي هو بناء صيغة سياسية قادرة على التوفيق بين وحدة الدولة المالية وتطلعات سكان الشمال، وهي معادلة لم تنجح أي حكومة أو حركة مسلحة أو قوة خارجية في تحقيقها حتى الآن.
للمزيد تقرؤون: مالي.. جذور الصراع في أزواد (الجزء الأول)