جذور الترامبية وخيارات المقاومة

جذور الترامبية وخيارات المقاومة

جرافيتي ضد ترامب على حائط في برلين (Wikimedia)

شهدت الفترة الماضية تصاعدًا كبيرًا لحجم الحركة الاحتجاجية العالمية المتضامنة مع المسلمين ضد قرارات ترامب الأخيرة بمنع دخول مواطني 7 دول إسلامية للولايات المتحدة بحجة الحرب على الإرهاب.

هذه الهجمة العنصرية ضد المسلمين، التي هي جزء لا يتجزأ من هجمة عنصرية على المهاجرين عمومًا، هي إعادة إنتاج لخطاب اليمين المتطرف وأطروحات فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنجتون حول نهاية التاريخ بوقوف الحضارة الغربية في مواجهة الهمجية المتأصلة في جوهر الديانة الإسلامية (صراع الغرب المتحضر في مواجهة الشرق الهمجي).

موقف ترامب من الإسلاميين والمهاجرين، الناتج عن نزعات فردية وميول نرجسية يمتد عميقًا في جذور الفلسفة المثالية ومضامينها الطبقية

وجذر الخلاف هنا ليس ببساطة هو موقف ترامب من الإسلاميين والمهاجرين، الناتج عن نزعات فردية وميول نرجسية - رغم وجودها في شخص ترامب - ولكنه يمتد عميقًا في جذور الفلسفة المثالية ومضامينها الطبقية، وفي المقابل فالحراك الاحتجاجي ضد ترامب ليس مجرد حراك تضامني مع المسلمين، يمكن قرائته بمعزل عن سياقه ومضمونه الطبقي.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: أين سيتجه ترامب بالقضية الفلسطينية؟

ولكنه في الأصل خلاف بين رؤيتين تتصارعان على الهيمنة، وعلى وعي الجماهير المكتوية بنار سياسات الليبرالية الجديدة وإجرائاتها التقشفية وما أحدثته من استقطاب طبقي عالمي عبر إعادة رسم خريطة توزيع الثروة عالميًا لصالح مزيد من التركز الاقتصادي في أيدي أقلية.

فالرؤية التي يتبناها ترامب، والتي تعبر عن نفسها في خطاب تصدير الأزمة للأقليات، هي تعبير عن رؤية الفلسفة المثالية التي تنزع الظواهر من سياقها التاريخي وتحولها لظواهر فكرية صرفة وصراع أيدلوجيات وأفكار، وبالتالي، فظاهرة مثل الإسلام السياسي لن تتعدى كونها ظاهرة رجعية عنيفة كامنة في جوهر الديانة الإسلامية.

وهذه الرؤية مثالية، حتى لو ارتدت رداء علمي أو مادي فهي في النهاية أحد المنافذ لعبور المثالية إلى داخل التاريخ عبر فصل الظواهر عن بعضها وعن جذورها التاريخية. وهذا بالطبع يخدم المضمون الطبقي البرجوازي لها، عبر الفصل بين مصالح الطبقة الحاكمة العالمية وسياساتها، وبين الظواهر الفكرية في المجتمع والتي هي في الأصل أحد تجلياتها عبر الابتعاد بالظواهر عن سياقها الاجتماعي قدر الإمكان.

وفي المقابل فإنه لا يمكن رؤية حركات المقاومة العالمية اليوم ضد ترامب، والتي شملت مكونات عدة من الليبراليين والحقوقيين وحركات الدفاع عن المثليين واليسار الراديكالي وحتى منظمات مدافعه عن البيئة، سوى جزء لا يتجزأ من التحركات النضالية ضد سياسات الليبرالية الجديدة عمومًا.

اقرأ/ي أيضًا: القدس عربية.. هل ستبقى كذلك؟

ولكن ما ينقص هذا الحراك، والأخطر وما يهدد باضمحلاله في المستقبل، هي الرؤية الراديكالية التي تستطيع ربط كافة الظواهر ببعضها وبسياقها الاجتماعي لفهم طبيعة الأزمة جذريًا وكليًا، وبالتالي تكوين نواة عالمية فاعلة لحركة يسارية راديكالية لا تكتفي فقط بمجرد التضامن والشجب أو حتى تقديم تفسيرات لظواهر مثل ترامب، بل السعي الجاد لتقديم بدائل راديكالية عالمية واضحة للنظام الرأسمالي الحالي، وما يفرزه من انعدام للعدالة وحقوق الإنسان.

الرؤية التي يتبناها ترامب في خطاب تصدير الأزمة للأقليات، هي تعبير عن الفلسفة المثالية التي تنزع الظواهر من سياقها التاريخي

وهذا ما يلقي بمسئولية شديد على كاهل كوادر اليسار الراديكالي التروتسكي العالمي، للسعي من أجل أداء مثل هذا الدور، والسعي لخلق مثل هذا الخطاب البديل على الجانب الآخر من المتاريس. خاصة مع التقدم الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تقدم خدمة جليلة له حال سعيه لأداء مثل هذا الدور.

كما أنه على اليسار التروتسكي الراديكالي العربي كذلك عبأ الكفاح ضد النزعات الستالينية التقليدية وأطروحاتها المثالية التي تنطلق من ثنائيات عقيمة، هي وجهان لنفس العملة مثل (التقدم في مواجهة التخلف، والعلمانية والتنوير والحضارة في مواجهة الظلامية والرجعية)، هذه الاطروحات المثالية في جوهرها، ولو تخفت في ثوب المادية، هذا من ناحية، وفي المقابل دعم الخطابات الإسلامية التي تحاول تبني المنهج الاجتماعي السياسي في التعامل مع النصوص التراثية وجهودها الساعية إلى استعادة حالة الثراء الثقافي والمعرفي والفلسفي الذي كان سمة القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، وذلك بالطبع بالتوازي مع النضال المستمر بلا أدنى تهاون ضد كل النزعات السلطوية المعادية للديمقراطية وحقوق المرأة والأقليات على المستوى المجتمعي وتجلياتها على مستوى الخطاب.

اقرأ/ي أيضًا:
تأييد إسرائيلي لترامب وأسئلة حول دعمه الاستيطان
تداع حر في عالم يتهاوى