جثث الكتب على أرصفة دمشق

جثث الكتب على أرصفة دمشق

رصيف في دمشق قبل الحرب

"إحدى عشر دقيقة" و"الخيميائي" و"الشيطان والآنسة بريم"... وأعمال مختلفة لباولو كويلهو على أرصفة دمشق بـ 200-250 ليرة للنسخة الجديدة المجلدة بشكلها الأنيق وبأغلفها مختلفة، بالمقابل تبدو أحلام مستغانمي أفضل حظًا فنسختها تتجاوز الـ 400 ليرة سورية في "الأسود يليق بك"، وأما أسوأ الجميع سعرًا وأرخصهم فهو غابرييل غارسيا ماركيز في "الحب في زمن الكوليرا" و"خريف البطريرك" فهي لا تتجاوز 200 ليرة سورية.

يرى أصحاب المطابع تزوير الكتب فرصة، بعد توقف أعمالهم مع توقف منتجات المعامل التي يطبعون أغلفتها

الحرب أفلتت التجار من عقالهم، وتركت الرصيف الذي خلا من المكتبات التي هاجر أصحابها إلى البحر، غرقى أو لاجئين، لهذا المد الغريب من المطبوعات المزورة بورقها البخس وأغلفتها المشوهة، وبشراكة مطابع كانت تعمل في التهريب أو بأغلفة المعلبات المزورة، وصور مرشحي الانتخابات البلدية والبرلمانية.

في نفس الأماكن وإن تغيرت بعض الوجوه، باعة الكتب النفيسة الأصلية أيام زمان يبيعون منتجات المطابع الطارئة، مطابع الحرب التي استولدت الكتب الرخيصة، وبعضهم يبتسم من هول ما وصلنا إليه، نعم هي نسخ مزورة ولكننا نريد أن نطعم أبناءنا، وهذا زمن من لا يشمون رائحة الكتب المهم لدى زبائن هذه الأيام النسخة المجلدة النظيفة.

أصحاب المطابع يرون أنها فرصة في ظل توقف أغلب أعمالهم بعدما توقفت أغلب منتجات معامل الكونسروة، ومعامل الأدوية لم تعد تصنّع أغلفةً لأدويتها، ولا انتخابات، ولا مرشحين، وأنهم يعوضون بتلك المطبوعات خسائرهم من ارتفاع أسعار الورق وانقطاع الكهرباء الدائم وغلاء الأحبار وصيانة الآلات، وما يمكن تسميته تزوير هو مجرد طباعة دون إذن الكاتب، وليس لدينا قانون ملكية معمول به.

المكتبات الكبرى التي رأت في الفكرة فرصة لجني أرباح كبيرة في وقت صار فيه شراء كتاب يشكل همًا على كاهل السوري فلا نسخة أنيقة وحقيقية دون 1200 ليرة سورية، فنسخة من "الخبز الحافي" بـ 3000 ليرة سورية. البائع  في مكتبة "الفتال" يقسم بأن تكلفتها هي 10 دولارات، وهذا يعني أنها تتجاوز هذا الرقم، ولكن لا زبائن تشتري، ولا أحد الآن يفكر في اقتناء هذا النمط الأدبي.

الفكرة يدافع عنها هؤلاء بأنها وسيلة مشروعة لتأمين كتاب جيد بسعر منخفض ومربح للجميع، فتكلفته لا تتجاوز 100 ليرة سورية، وهذا يعني أن الجميع رابح، المكتبة والطابع والقارئ، والمواطن لن يتمكن من شراء هذه الكتب من السوق، ولا السوق سيغامر بكتاب لا زبون له.

طبعاً لا أحد يهتم هنا من مسؤولين ثقافيين فلطالما كان "اتحاد الكتاب" أقرب إلى تكية لمجموعة من العجائز الذين لا هم لهم سوى التبجح ونشر كتب أعضاء الاتحاد الرديئة، ومكتبة الاتحاد باعها ورقًا لا قيمة لهم لتجار البسطات الثقافية، ووزارة الثقافة ليست سوى مؤسسة تعنى فقط بالخطابات الثقافية المجانية ولم تقدم في تاريخها على تبني أي مشروع ثقافي حقيقي سوري، وعلى العكس كانت عبئًا على الكتاب والمثقفين السوريين في كونها ليست سوى جهاز رقابي لم يبلغ الرشد.

في زمن الحرب الذي تعيشه دمشق.. اختفت "مكتبة ميسلون"، وانتشرت ثقافة كتب النجوم والمصارعين والأبراج، والنسخ المزورة، أما الكلمة فباتت رصاصة مرتدة إلى قلب قائلها.

اقرأ/ي أيضًا:

لعنات النشر العربي

القارئ في اللانهاية