جثة على كتف الرّيح

جثة على كتف الرّيح

لوحة للفنان ناصر حسين/ سوريا

كانت لحظة دهشة تُوّزع الهلع في الوجوه المغمورة وذلك الحشد القابع بشكل عشوائي بين أركان المقهى الواقعة وسط القرية الحزينة، بعد أن ودّعت منذ يومين أحد أبنائها الأبرار، وأضحت في حداد على فقيدها الشاب.

لكن ها هو ذا يدخل المكان على حين غرّة ويقطع ثرثرتهم وسط الضوضاء والموسيقى المنبعثة من الراديو، ليصيبهم بحالة فزع قصوى. لقد صارت العيون جاحظة ومبحلقة، في حين وقعت الكؤوس على الأرضية لتتحوّل إلى شظايا زجاجية لا تعكس إلا صورته كهالة ضوء تُطوّقهم وتخترق قلوبهم المذعورة، بينما تناثرت الفناجين هنا وهناك لتُفرغ ما بجوفها من قهوة باردة، كتلك الأيادي التي تجمّدت وأصيبت بشلل، جعل الأصابع مُتدلية والرؤوس مُتهدله على الأكتاف فلا تهتز تحت وقع الصدمة حيال جثة مُستيقظة تقف أمامهم. فهل يمكن لها أن تنهض بعد دفنها وتغادر قبرها لتصبح رخوة، بعد أن كانت مُتخشبّة، ثم تطير وتهبط كصاعقة لتجعلهم مركومين بخوفهم وجزعهم العظيم؟

إنه سليم، شاب يافع أعزب وجندي التحق منذ فترة قصيرة بقوات الجيش الوطني، لكنه اغتيل برصاصة غدر أصابته مباشرة في القلب، لترديه قتيلًا في عتمة الظلام وهو في زيارة قصيرة لوالدته، التي لم تكن تملك من متاع الدنيا غيره، فكان بمثابة المصباح الذي يضيء حياتها البائسة، وإلى حد الآن لم يُعرف شيء عن مرتكب الجريمة ما عدا الغموض والشكوك الُمبهمة. كان يُشهد له في القرية بالاستقامة والانضباط وحب الوطن إلى حدّ الحلم بالشهادة في سبيله.

كانوا ينظرون إليه في رعب ويأس، لكن بيقين منطفئ أنها ليست جثة عادية، فهي خالية من الديدان والشوائب وظلت على هيئتها الطبيعية قبل الموت، ولم يلاحظوا ايّ بوادر شحوب على وجهه أو بقع دم جرّاء الإصابة القاتلة. حتى أسنانه كانت بيضاء ناصعة، ولا توحي أنه ميّت أو أنه تحوّل إلى روح شريرة فظيعة الملامح، فجسده بقي متوهّجًا غير ناشف أو متغيّر لونه.

استمرّ الذهول والهلع داخل المقهى، في حين استحال على الجميع إدراك الأمر وتفسيره للحظات فارقة، شعر فيها سليم أنه قد عاد للحياة، وأن هذا الجسد له الحق في أن يتحوّل ويجف من دمائه ليلتحم بروحه مرة أخرى، ويتنّفس باستماتة بعد أن أيقظه شيء خفيّ وخارق.

لا يدري كيف تخلّص من كفنه ليُمرّر كفّه على وجهه، بعدها حيث ظنّ أنه كان نائمًا ولم يفهم ما يجري.

طارت به الريح فجأة وحملته فوق كتفها لتلقي به أمام الحقيقة العارية.

لقد انطلقت به من المقبرة نحو طريق مُنفلت من تضاريس الأرض والمسالك الجبلية، بينما البوّابة الضوئية لا تزال مفتوحة على مصرعيها في السماء، لاستقباله ومضغ محتوياته الدنيوية كبشريّ.

كانت على وشك أن تحمل جثّته إلى ملجئه الذي يتشبث به ويختلس منه النظر إلى العالم المخيف، والمُروّع، لكنها حوّلت وجهته إلى القرية حيث لقي مصرعه، ليكتشف هذا النوع المريب من الشرّ، وقوى الباطل التي تحوّلت إلى مارد لم يأنف امتصاص المخلوقات الضئيلة وجعلها في أحشائه.

فجأة حاول أحدهم أن يُظهر شجاعة استثنائية ويتحرّر من صدمته ليُفرغ جُموحه، في لحظة هرب مفاجئ وسط الجموع المُحنّطة في ذعرها، لكنه سقط مغشيًا عليه قبل أن يصل إلى الخارج... لقد كان نادل المقهى.

نطق سليم أخيرًا كأنه كان يتسلّى باستدراجه للتحرّك والاندفاع في مجازفة فجائية قال:

-لا بد أنك تهرب من شيء ما! لكن إلى أين أيها القاتل؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

من ثقب في جدار الفراغ

إلى محمد شكري وتشارلز بوكوفسكي