جبور الدويهي.. حميمية السرد

جبور الدويهي.. حميمية السرد

جبور الدويهي

يروي جبور الدويهي ابن زغرتا (في شمال لبنان) عوالم عنت له وما زالت تعني له، وهو يعود إليها دومًا، أو تعود هي إليه بين الحين والآخر، كلبنان بعامة، وزغرتا وطرابلس (التي عاش فيها) بخاصة.

يبني الروائي أعماله حول شخصيات تسكن في ذاكرته بعد مرورها بحياته في وقت ما

يبني الروائي جبور الدويهي أعماله حول شخصيات تسكن في ذاكرته بعد مرورها بحياته في وقت ما، ومكان ما، بصورة عابرة لكن مؤثرّة. خاطفة، ولكن دامغة بما تركته من بصمات يعيد تشكيلها هو في نصوصه، راسمًا من خلالها ومن خلال تفاعله معها ملامح الوجوه و"تراكيب" الشخوص وتفاصيل "كاركتيراتها".

اقرأ/ي أيضًا: رشيد الضعيف.. متاهة الذكرى والخيال

يتقن الروائي اللبناني جبور الدويهي فنون السرد والوصف بالطرق الأكثر إثارة وجمالية. ففتنة الحرف حرفته، وكذا تقنيات "المد والجزر" في الاستطراد والاختصار، والتي تعدّ واحدة من أبرز ألاعيب الغواية الروائية. وجبور الدويهي الذي يعتمد على "الجغرافيا" المألوفة والمعروفة من قبله عند بناء روايته تبعًا لـ "واقعيته المكانية"، يستمد من التاريخ ما يتناسب "تلقائيًا" مع العمل وفق كادره الزماني والمكاني، ذلك لأنه يؤيد "واقع" الرواية ويتزامن ببعضه أو كلّه مع المشاهد اليومية التي يكرّر فيها التاريخ نفسه بنفسه. 

وإذا كان البعض يعتبر أن "منبت" الشِعر الألم، فإن الكتابة بالنسبة لجبور الدويهي حالة قوة، لذا لا يجوز وسمها بالألم. فالرواية تختلف عن الشعر، وإن كان الشعر يأتي من الجرح فإن الرواية هي على العكس من ذلك تمامًا، لأنها برأي جبور الدويهي "تطفئ جروح ولا تفتحها".. لا سيما أن الكاتب يعيد عبر الرواية تشكيل العالم، ويمنحه معانٍ جديدة، يصوغها هو وفق ما يحبّ ويشتهي.

كل روايات جبور الدويهي تمرّ عند كتابتها بمرحلتين يتراوح مداهما الزمني في حدود الثلاث سنوات؛ فهو بحسب ما يقول يكتب بشكل منتظم وبطيء. بحيث تبرز مرحلة الكتابة الأولى، وفق نظامه المتبع؛ "استعدادية واستيعادية وتأملية". فالترويّ وعدم التسرّع يستوجب اختمار الرواية بمختلف عناصرها في "رأس" كاتبها وعلى صفحات دفتر يرافقه أينما اتجه ليدوّن عليه ما يدهمه من شذرات أفكار وكلمات وملامح.. أما الثانية فتبدأ متى اختمرت عناصر الرواية وتوفرت مقوماتها التي تمنحها الخصوصية والفرادة لجهة الفكرة والتجسيد، ويتجلى هذا الأمر حينذاك بانتقال جبور الدويهي، وبعد ما يقرب العام على انطلاق المرحلة الأولى والفراغ منها، إلى مرحلة الكتابة والتي تصل إلى حدود السنتين، يفرغ خلالها الكاتب ما هندسه وبناه. ما عاشه في جانب منه في ذاكرته وفي جانبه الآخر في مخيلته.. على الورق.

كل روايات جبور الدويهي تمرّ عند كتابتها بمرحلتين يتراوح مداهما الزمني في حدود الثلاث سنوات

اقرأ/ي أيضًا: ربيع جابر.. الفتنة البيروتية

اللافت أن الأديب جبور الدويهي المجاز بالأدب الفرنسي، والحائز على دكتوراه من جامعة السوربون، والذي يكتب أبحاثًا أكاديمية ومقالات نقدية بالفرنسية، كان دخل عالم الرواية منذ مطلع العقد الأخير من القرن الماضي من بوابتها العربية. فقد اختار أبجدية "الضاد" ليصف ويسرد. ليمنح حيوات ويبني عوالمَ. ليكتب "الموت بين الأهل نعاس"، "مطر حزيران"، "شريد المنازل"، "حي الأمريكان"، "طبع في بيروت"... وأعمالًا أخرى؛ بلغته "الأم" التي يتعامل معها على حد تعبير جبور الدويهي نفسه "بحميمية أكثر وبسهولة أكثر وبرفع الكلفة أكثر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حنان الشيخ.. الكتابة بين الضباب

علوية صبح.. عزلة في منطقة الاشتباك