جبهات

جبهات "وطنية" واجبة

المناضل فارس عودة، تاريخ الاستشهاد 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2000

الحديث عن صلاحية، سواء اختص بالبشر أو الأفكار أو الأطروحات أو المشاريع الاجتماعية أمر خطير. لكن الأخطر أدلجة إمكانيات الصلاحية أو الحديث عنها. في حين إذا حضرت الصلاحية حاصلة استفهام سوسيولوجي ومراعاة لضرورات وحاجات حركة الكتلة التاريخية، يصبح فحص الصلاحية لفكرة أو منهج ما ونقدها وتفكيكها مهمة لازمة للممارسة الاجتماعية/الفعل الإنساني.

إن كانت أي حال من أحوال المواجهة في موضوع التحرر وتقرير المصير تفرض أي ثمن، فليكن، بالعودة للفطرة السليمة دائمًا

أما والعالم، من ضمنه المنطقة العربية وملفاتها المفتوحة، يشهد شريط  "تعسر ولادة عالم جديد فيه على أطلال موت العالم القديم الذي عرفناه"، بينما يصارع حاضرنا عالم التوحش، تمسي حالة البحث الدؤوب عن مخرج/مخارج من حالة الانغلاق. بما تحمله الحالة المعنية  من لي عنق للحقائق وغض النظر عن الوقائع، ليتم تلخيص كل كرنفال النصب والاحتيال على بلاطة أن لا أجوبة وإنما تجارب لدى من يدعون قيادة العالم.

اقرأ/ي أيضًا: صفقة القرن: أقصى درجات الوعي، أدنى درجات الفاعلية

عندما تلتقي النزعة التجريبية المجردة في "قيادة" العالم مع تعميم ملاحظات غير واقعية بأي شكل كان في مصفاة أدلجة الطهورية والتطهير العرقيان وكل ترميزات العنصرية انطلاقًا من عمقها الأولي الطبقي جدًا، يحصل أن يشهد العالم نصف الميت ذاته، سيركًا بهذا الحجم الباهر من البنى والقامات السياسية/ الترفيهية. لكن الوجع في هذه المصفوفة أن الثمن يتم تحصيله من دماء أبناء الناس وعرق الشغيلة بتنوع مواقعهم في ميادين صراع الوجود، وعلى سلم الصعود الطبقي والتقدم الاجتماعي بكامل معانيه. 

وإذ توفرت إمكانية القول بأن العقد الثاني من الألفية الميلادية الثانية مؤهل، حتى الآن ليكون عصر الانتفاض الاجتماعي عربيًا، وحتى غير عربيًا في أكثر من سياق. وبالحرص على الانتقال من المحسوس إلى الملموس، من الأخلاقوية والمثالية والأسئلة القبلية إلى الممارسة الحقيقية في ميدان الحياة. حياة المجتمعات والجماعات والمجموعات مضاف إليها حياة الأفراد بما تمثله كل حياة فرد من حياة كاملة المعاني والتفاصيل والتأويلات. يصبح الوضع أكثر سخونة في بلد من نوع فلسطين، وكثير من بلدان شبيهة وغير شبيهة، عربية خاصة، لكن غير عربية أيضًا.

 إذًا، مرة أخرى ولن تكون أخيرة بحكم طبيعة الاجتماع البشري وفطرته، يمكن مساءلة شرعية كل ما يحضر في "مايكرويفات" السلطة/الاستعمار/الاستبداد/الدولة الفاشلة/الدولة الفاسدة، والدولة العميقة، رفقة إعلام كل هذه البنى الذي يتسلط على ذائقة وروزنامة من يسمون جمهوره. هم، أي جمهوره، نفسهم من دون مصادفة  "الجماهير" في عقل غوبلز المنسوخ في ما لا يحصى من عقول "الفالانج" والكتائب وجيوش لحد المتعاقبة والمتراكمة في مختلف مناطق عملها، فلسطين، لبنان، العراق، اليمن.. 

 يمكن أن يتم، لا الحلم فقط، بل العمل على خلق عالم تكون فيه حتى الفلسفة ملك للجميع، وأن لكلّ مواطن حقّ في التّفلسف أسوة بغيره من بني قومه وغير قومه. لكن، أين السبيل؟ خاصة وأن الحال فلسطينيًا وعربيًا، وفي تجارب أخرى كثيرة، يكون مواجهة باللحم الحي V.S الرصاص الحي.

لكن أخرى، يمكن أن يعلق عليها التالي على وضوحه وإيجازه: إن كانت أي حال من أحوال المواجهة في موضوع التحرر وتقرير المصير تفرض أي ثمن، فليكن، بالعودة للفطرة السليمة دائمًا. وبما أن الحق بالتفلسف من المشاعات، متوقعة الانتهاز كذلك، فالفطرة السليمة هنا ودائمًا تقف لتحاجج من يلتوي عليها في حلبات الإعلام والدعاية ومعهما الأكاديميا بأنها الـCommon sense . بروح العصر، هذا إن جاز الحديث عن روح لهذا العصر. 

منذ الهزيمة الحديثة الكبرى المتراكمة والمتوالدة والمتجددة  في 1967، وقدر الهزائم يغلي ببهار الانتصارات الخادعة. حتى بات الشك في أصحاب الريادة نحو الهزيمة المتوالدة، يحضر من باب الضرورة العملية. في نفس الوقت، يمكن بدون تخوين أو محاكمات، الانطلاق من الحق في عدم التصديق في التعامل مع الكثير مع البنى، التي لا يمكن الوثوق بها أساسًا، عودة للهزيمة ومشكلات الدولة الوطنية/ الموطنية في حالة الكيان الوظيفي أساسًا.

مجددًا، وفي باب الانتهاء يكون من الضروري الانتهاء من شعارات وشعاراتيات انتهكت واستهلكت الكثير فيما مضى. أما لو أريد للحديث العودة عند البحث عن مخارج من الانغلاق والحيف والتسلط  فيجب الانتهاء من مداعبة المفاهيم وإبداء ملاحظات غير واقعية عن الواقع وليس منه. كما هو ضروري الانتهاء من تصديق كل المرافعات السلطوية هنا وهناك، التي لا تستر عورة متقولها ولا ممولها أصلًا.

المفاهيم والعناوين التي يمكن أن يكون ضروريًا نقاشها وتفكيكها أو قد لا يكون من المهم أساسًا لو اتضحت في أرض الممارسة، والحديث هنا يذهب باتجاه "الوحدة الوطنية" و"الجبهات" موحدة وغير موحدة ومشتركة ووطنية. يخطر أن تجارب حقيقية من الواقع، ومن الواقع المفيد تحرريًا سواء في حرب التحرير الجزائرية مثلًا أو في تجربة "جمول" جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي ترجمت مفاهيم كثيرة أثناء تأدية ما عليها القيام به في وجه آلة القتل والاستعمار الإسرائيلية من موقعها، أي جمول، كحركة اجتماعية وكتلة تاريخية وقوى تحرر، عبورًا بأمثلة كثيرة على جبهات "وطنية" ليس أولها ولا أخرها اليعاقبة السود أو الفيتكونغ.

 ما يهم أكثر في معرض أن الحديث المتعاقب على "صفقة القرن" تطرق وسيتطرق للعصبيات الجامعة. وعليه يكون من حق الجمهور مساءلة صلاحية أصحاب الدعوة وأهليتهم. فمن انتهك المال العام والقرار السيادي والصالح العام، لن يكون تحت أي ظرف شريك وحليف للقوى التي تعمل لأجل التحرر دون أن تصبح الأدوات صاحبة أولوية على التحرر ذاته. أو مثلًا يمكن البحث عن إجابة نافعة لسؤال كيف تتم مواجهة تقسيم جديد على الورق لفلسطين أو العراق أو .. بالشراكة مع واشتراك من قضى مسيرته مطالبًا وعاملًا على تقسيمات من قياسه؟! هذا لو تم التلهي بموجة شبيهة بموجة "صفقة القرن" الرديئة عن أس المسألة المتعلق بالاستعمار أساسًا وليس التقسيم. 

مسؤوليات كبيرة مطروحة أمام كل من تجاوز الإيمان بضرورة إنهاء وتقويض الوضع القائم إلى تقويض الوضع القائم وإنهاءه حقًا. من بين المسؤوليات النضالية الشاخصة بين ضرورة البناء على التراكم والاستمرارية  والوقوف الناقد والجاد أمام حالات القطع النضالي يأتي إلحاح وجدية عملية إعادة النظر في الشعارات مقابل الأهداف، وبالحكم الطبيعي التحالفات. لتبقى الإجابات دائمُا معلقة بين خزان حركة الواقع والخزان الفوقي الفكري بكامل ترسباته وانحيازاته  في مسألة التغيير والتحول بكاملها دون أدنى إطلاقية ومحاكمة لحجم أي تحرك اجتماعي واستباق لخطواته. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"صفقة القرن" وأُفول الدّور الوظيفيّ للأردن

الغائب عن "صفقة القرن"