جبران خليل جبران.. حادي الأرواح المتمردة

جبران خليل جبران.. حادي الأرواح المتمردة

جبران خليل جبران (Getty)

في العينين الصغيرتين ستجد ثورة على كل ما هو قائم، ستلمح فيهما روحًا متمردة، كما ستجد كتبًا وأشعارًا وفلسفة ورسومات ولوحات، يصعب على من يراه أن يصدق أن هذا الجسم الضيئل خرجت منه كل هذه الأفكار، وأن هذا الجسد الناحل قد وصل بعباراته وكلماته إلى البقاع المؤثرة فى العالم، واقترب من مناطق النفوذ، حيث كان يكتب بالإنجليزية كأحد أبنائها، والفرنسية كالضالعين فيها، والعربية كأحد فقهائها.

كان جبران يكتب بالإنجليزية كأحد أبنائها، والفرنسية كالضالعين فيها، والعربية كأحد فقهائها

تظل حياة جبران لغزًا لمن لم يعرف قضيته، فإذا ألمّ بها واقترب منها، لا يستكثر عليه ذلك الصعود الذي حققه مع أنه لم يكن في الظروف التي تهيئ له ذلك، إلا أن هذا الكيان الصغير الحجم، كان يملك ما جعله يصل لتلك الدرجة، لأن نفسه كانت تنظوي على روح أبيه، وعزيمة صلبة لا تكل ولا تئن تحت وقع ضربات الحياة.

نشأة لا بدّ منها

فى حوار للكاتب خيري شلبي عن الكتاب الجدد، أكد على أن الكاتب لا بد وأن يمرّ بضغوطات الحياة وأن يخوض غمار هذا التجارب، لأنها هي التي ستثري قلمه، وتجعله مثخنًا دائمًا بالأفكار، فجبران خاض غمار الحياة ودخل إلى حلبة الصراع، لا أدري هل دخلها بمحض إرادته أم أنه وجد نفسه مدفوعًا إلى أن يخوضها، المهم أن الظروف المحيطة بجبران فى أعقاب مولده كانت تعيسة إلى حد كبير.

اقرأ/ي أيضًا: لينا هويان الحسن.. اسرق واضرب بسيف البوكر

ولد جبران عام 1883، في قرية بشري بلبنان، وأمضى سنوات تعليمه الأولى في بيروت، لكن الحياة فى لبنان آنذاك لم تكن لتحتمل، حيث كانت نسبة كبيرة جدًا من الناس تعيش فى ضنك شديد. كانت أسرة جبران تعيش حياة بين الضيق والبؤس وكادت أن تفقد إنسانيتها بين الفاقة والغدر، فأبوه كان سكيرًا مما جعل حياتهم جحيمًا، وبالفعل كان جبران وأسرته يعانون معاناة مزدوجة من الفقر ومن انحراف مزاج الأب الشرس، ومع ذلك كانت أسرة جبران من أوائل الأسر التي هاجرت من لبنان، وهنا أظهرت أم جبران عناية فائقة بأولادها، فانكبت على ماكينة الخياطة حتى يواصل أولادها تعليمهم.

الرسم كان بداية المشوار 

رغم كل الضغوطات والصعوبات التي نشأ فيها جبران، إلا أن هذه الظروف لم تثنه عن موهبته، أو ربما كان يهرب من الواقع المؤلم فيفرغه على لوحاته وكتاباته، ففي الطفولة أظهر ميله للرسم، وكانت رسوماته أكبر من سنه، ولم تكن مجموعة من الخطوط والألوان فقط، بل كانت تنبئ عن مولد موهبة فذة وعقلية فنية مبكرة، فاللوحات التي كان يرسمها تريد أن تتتكلم، تريد أن تقول شيئًا أو توحي بفكرة أو تعبر عن حالة فرح أو حزن أو شجن أومعاناة.

أظهرت أم جبران عناية فائقة بأولادها، فانكبت على ماكينة الخياطة حتى يواصل أولادها تعليمهم

وفي هذه الأجواء التي عاشها جبران مع لوحاته، ظهرت له سيدة مجتمع أمريكية تسمى ماري هاسكل، كانت هذه السيدة مثقفة وتعتني بالمواهب الصغيرة، رأت لوحات جبران فأعجبتها، فوضعته تحت عينها ورعايتها، وخصصت له مدرسين ومعلمين كي ينمي موهبته، ثم ساعدته على السفر إلى باريس كي يدرس الفن.

اقرأ/ي أيضًا: بودلير.. روائح أزهار الشرّ

ورغم فارق السن بينهما والذي لم يكن كبيرًا، إلا أنه كان يستشعر فيها حنان أمه فكان يفضي إليها بهمومه ومشاكله فيجد عندها الحلول السريعة، وعندما بلغ من الفكر والثقافة مبلغًا عاليًا، أخذ يبث لها آراءه الأدبية والفلسفية ولأنها مثقفة فكانت تبادله الرأي أيضًا، ثم تطورت العلاقة بينهما إلى همس بالقلوب، فكلاهما وجد في الآخر ملاذًا وأصبح كل منهما يشبع حاجاته العاطفية عن طريق الآخر، فكان تمنحه بمصل القوة والعطف فيرى فيها ملاذه ومآبه، وهى بدورها ترى فيه نزعته الإنسانية فيمنحها الشعور بالأمل، إلا أن عاطفة الحب كانت تمور وتذوب بداخل كل منهما، فكانت الرسائل بينهما تجد متنفسًا لهذه العواطف حتى أصبحت رسائل الحب بينهما من أشهر الرسائل فى القرن العشرين.

إلا أن الشوق دائمًا لا يحتمل التأجيل والعاطفة المتأججة لابد لها أن يكتمل اشتعالها، وكان لا بد لجبران أن يرسو على شاطئ يعفيه من الحيرة، فجمع شجاعته وفاتح ماري في موضوع الزواج، لكنها كانت أكثر واقعية، فتوصلت إلى اقتناع تام بأن مجرد قبول الزواج من جبران، سيفسد عليها موقفها النبيل معه، وأنها قد قبضت ثمن مساعدتها له فى بداية حياته.

أمريكا حيث مى زيادة

يقول جبران: "الحب لا يُعطي إلا ذاته، ولا يأخذُ إلا من ذاته، وهو لا يَملِكُ ولا يُملًك، فحسبه أنّه الحبُّ".

انتقل جبران إلى أمريكا ليقيم مع بني وطنه من أبناء الجالية اللبنانية، وخفت وجده للسيدة الأمريكية ماري هاسكل، لأنه وقع فى حب جديد للآنسة مي زيادة، ألمع نجوم الأدب والثقافة في ذلك الوقت، وكعادة الحب كان لا يجد متنفسه إلا عبر الرسائل.

الحب لا يُعطي إلا ذاته، ولا يأخذُ إلا من ذاته، وهو لا يَملِكُ ولا يُملًك، فحسبه أنّه الحبُّ

بدأت الرسائل بينهما فى البداية على استحياء كنوع من الجوار الثقافي، ثم سرعان ما رقّت القشرة الثقافية بينهما لتكشف عن لهيب العاطفة بينهما، والمعروف أن جميع أدباء مصر وقعوا فى حب مي زيادة، منهم العقاد الذي كان أكثر ولهًا بها، إلا أنه سرعان ما وقع العقاد في حب سارة بطلة روايته التي كانت تحمل ذات الاسم، لكن مي زيادة تركت الجميع ووقعت بالفعل في حب جبران، وكانت تنتظر أن يبوح لها بذلك، لكن الموت تعجله بالرحيل، ربما كان السبب في وقوع كل منهما فى حب الآخر هو أن نفسيهما كانتا متطابقتين إلى حد كبير، فنفس كل منهما كانت تنطوي على حساسية شديدة، كما كانا رومانسيين حتى النخاع مما قرب المسافات بينهما.

أدب جبران

الملايين الذين أدمنوا أدب جبران ووقعوا فى أسره حققوا له شعبية كبير يستحقها بالفعل، فقراءة قصصه في "الأرواح المتمردة" و"الأجنحة المنكسرة"، أو دواوين شعر مثل "المواكب"، قراءة مثل هذه الأعمال تمنح القارئ حسًا نقديًا وروحًا تساعده على التأمل واستصفاء روحه وفرز مشاعره، ذلك أن كتابات جبران بشكل عام، أشبه بالمجهر الذى يقرب لك الكلام فترى فيه دقائق المعاني.

اقرأ/ي أيضًا: المكتبات في خلفيّة الصورة

وقارئ جبران يتعاطاه بشغف، فكتاباته أشبه بالمخدر الذي لا تصمد أمامه فتقع فريسة له، وأدب جبران ليس نوعًا من المخدر الذي تنعش متعاطيها للحظات ثم يُمحى أثرها مخلفة وراءها احتياجًا ملحًا، وإنما يدمنها لأنها كتابات غنائية، تنطلق من هموم النفس ومشاكل الذات، وهذا النوع من الأدب محبب لدى القراء، لأنه نوع من مناجاة النفس ونوع من البوح والمكاشفة، فسرعان من تنتقل همومه وإن كانت صغيرة إلى القارئ.

أدبه يحاول أن يحرك خيال القارئ وأن يستنفر قدراته على الوعى والإدراك بالواقع، وكلما تعمقت في أدبه أدركت فيه ثورته وسخطه على النمطية والتقليد والروتين، وعلى الأفكار السياسية والقوانين العرجاء، مختلطة بروح صوفية عربية فتشعر من كتاباته كأنك تقرأ في سفر التكوين.

كلما تعمقت في أدب جبران أدركت فيه ثورته وسخطه على النمطية والتقليد والروتين، وعلى الأفكار السياسية والقوانين العرجاء

والشعر عنده كما قال الدكتور عبدالحكيم بليغ "هو الشعر الذي يضيف دائمًا إلى حياتنا حياة جديدة فيدفعها وينميها ويجددها، لأن بين يديه الداة الساحرة التي بأمكانها أن تصنع المعجزات الكبيرة". ويقول جبران نفسه عن الشاعر وكأنه يصف نفسه فيقول: "هو الذي لا يجتر حياته، ولا يقلد عواطفه، ولا يعيش فى يومه على نحو ما كان يعيش فى أمسه ولكنه يتجدد دائمًا بتجدد روحه الشاعرة التي لا تعرف الذبول، إن الشاعر هو كل مخترع صغيرًا كان أو كبيرًا، وكل مكتشف قويًا كان أو ضعيفًا، هو ذلك الزارع الذى يفلح أرضه بمحراث جديد يختلف ولو قليلًا عن المحراث الذي ورثه عن أبيه، فيأتي بعده من يدعو المحراث الجديد باسم جديد".

الرابطة القلمية

منذ قدم جبران إلى نيويورك وحتى رحيله عنها كان الحجر الكريم الذى تزين به أدباء المهجر، فكان رمزًا لهم رغم أنهم كانوا على قدر كبير من العظمة والشهرة، حيث توطدت علاقته بالعديد من اللبنانيين والسوريين فعقدوا الاجتماعات الكثيرة وقرروا أن ينشئوا جمعية تنهض بالأدب العربي إلى المستوى العالمي، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، استمرت الاتصالات بين هؤلاء على تأسيس "الرابطة القلمية"، وكان شعارهم "من وهدةِ الخمول والتقليد إلى حيث يصبح قوة فاعلة فى حياة الأمة".

اقرأ/ي أيضًا: قائمة غير مكتملة للشعراء العرب المنتحرين

وكان مؤسسو هذه الرابطة هم جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، ندره حداد، وقد انتخب جبران عميدًا لهذه الرابطة التي راحت تصدر مجلتها الأدبية والتي كان منوطًا بها نشر الثقافة والإبداع، ونشأ في التاريخ بهو عظيم يسمى شعراء المهجر.

وقد قال ميخائيل نعيمة عن هذه الرابطة "حسبهم عظمة أنهم لم ينسحقوا تحت ثقل ثقافة الآخر والقوى المسيطرة، ولم ينبهروا بمنجزاته التقنية في العلوم والفنون والآداب، لم يذوبوا فى ثقافة الآخر وهم يعيشون في قلبها، لكن عظمتهم تجاوزت هذا القدر بحيث استطاعوا قيادة تيار أدبي يجدد الثقافة العربية وهم في المنفى".

الرحيل

يقول جبران: "والموتُ فى الأرض لابن الأرض خاتمةٌ".

مع أن المرض لازمه كطيف، إلا أنه قض مضجعه بطاقته المتجددة والمتأججة، لكن هذه الطاقة سرعان ما استنفذها جبران فى عمله المرهق، وأخذها منه مرض السل، ذات المرض الذى ماتت بسبب أمه وأخوه وأخته، فلفظ أنفاسه الأخيرة فى العاشر من نسيان/أبريل عام 1931، ونقل جثمانه إلى قريته بعد مشاورات بين رجال الكنيسة نظرًا لاتهامه بالهرطقة لرفضه أن يكون كاثوليكيًا، إلى أن قال أحد البطارقة "أنزلوه إلى بيروت واستقبلوا جثمانه، فجبران أكثر تدينًا منّا"، فاستقبله نحو 160 كاهنًا فى مأتم جليل.

وبناء على رغبته دفن فى مسقط رأسه بشرّي، وأمر بأن يكتب على قبره: "أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جوارك، فاغمض عينيك والتفت تراني أمامك، وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة كاملة على قبره". ورغم موته لا زالت عواصف كلماته تلفح الوجوه والعقول، كي توضح لأن كم كانت رؤاه قوية فواحة، الحديث عنه لا ينتهي، ولكن هذه العجالة السريعة يجب أن تكون سريعة النهاية.

اقرأ/ي أيضًا:

عن دور النشر وكتبها المترجمة

أولاد أحمد.. تونس التي تعلّم الثورة