جبران باسيل ومأزق المناصفة الإسلامية المسيحية

جبران باسيل ومأزق المناصفة الإسلامية المسيحية

وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل (Getty)

يشغل جبران باسيل الساحة السياسية في لبنان بفعل الانعكاسات التي أثارتها جولاته في العديد من المناطق اللبنانية، والتي تهدف إلى لقاء المناصرين والمتحزبين في التيار الوطني الحر، والتي تأتي بالتأكيد ضمن خطة ممنهجة لتحصيل أكبر قدر من المكاسب السياسية على حساب خصومه السياسيين.

هناك مشكلة أساسية في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان، تتجلى في انعكاس الديموغرافيا على الواقع السياسي

وكانت لهذه الجولات ردات فعل سلبية في عدد من المناطق اللبنانية التي زارها، ومن أبرزها ما حصل في منطقة الشوف في بلدة كفرمتى، حيث كان مفترضًا أن يلتقي بالوزير صالح الغريب، المحسوب على الحزب العربي الديمقراطي بزعامة طلال أرسلان.

اقرأ/ي أيضًا: جبران باسيل.. بين التسلّق والوصولية والتحريض على الكراهية

ونتج عن الزيارة صطدام مسلح بين موكب الوزير الغريب وعناصر من الحزب التقدمي الإشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، ما أسفر عن مقتل اثنين من مرافقي الوزير صالح الغريب.

وتتوالى تداعيات زيارات باسيل، وخاصة في المناطق التي تعتبر ذات أغلبية مسلمة (سنية ودرزية) بسبب ما يعتبره البعض أنها زيارات استفزازية تهدف إلى التحريض الطائفي. ويضاف إلى كل ذلك مضامين خطابات باسيل واستعادته المتكررة للتاريخ كحديثه عن "دير القمر"، ما فتح السجال حول تاريخ الإمارتين المسيحية والدرزية والعلاقات المتشنجة التي كانت تسود بينهما.

إذًا، يسعى جبران باسيل إلى مد نفوذه في مناطق يعتبرها خصومه السياسيون حصة من حصصهم، ما تسبب في وجود العديد من التراكمات أدت إلى انفجار الوضع بشكل عنيف أثناء زيارته إلى منطقة الشوف.

يدل كل ذلك على مشكلة أساسية في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان، تتجلى في انعكاس الديموغرافيا على الواقع السياسي، فالنقطة التي لا يستسيغها خصوم باسيل وربما حتى حلفاؤه، ويجدون صعوبة في قبولها؛ تتمثل في المناصفة التي ينص عليها الدستور اللبناني بين المسلمين والمسيحيين في عدد النواب وداخل الحكومة وفي الوظائف العامة في لبنان.

قراءة للأرقام 

بقراءة الأرقام نجد أنه بلغ العدد الإجمالي للناخبين اللبنانيين ثلاثة ملايين و746 ألفًا و483 ناخبًا، أُدرجوا على لوائح الانتخاب، وينقسمون طائفيًا بالشكل التالي:

  • مليونًا و85 ألف و146 ناخب سني.
  • مليونًا و68 ألفًا و274 ناخب شيعي.
  • 206 ألف و894 ناخب درزي.
  • 31 ألفًا و629 ناخب علوي.

ويمثل هؤلاء ما مجموعه مليونان و391 ألف و943 ناخب مسلم، أي ما نسبته 63.85% من مجموع من لهم حق الانتخاب في لبنان، في مقابل 35.62% للمسيحيين بما يساوي مليونًا و334 ألفًا و510 ناخب.

قام باسيل، الذي يشغل منصب وزير الخارجية، بالعمل على استقطاب اللبنانيين المغتربين، خاصة المسيحيين منهم، للمشاركة في العملية الانتخابية في عام 2018، ليصل عدد المغتربين الذين صوتوا إلى 92 ألفًا و810 ناخب أدلوا بأصواتهم في السفارات خارج لبنان ومنهم من تم تأمين السفر لهم من الخارج ليشاركوا في عملية التصويت لقاء مبالغ مالية من قبل بعض الأحزاب المسيحية في لبنان.

فالأحزاب والتيارات الإسلامية في لبنان من الشيعة والسنة والدروز والعلويين أي حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل واللقاء التشاوري والحزب الإشتراكي وحزب التوحيد والحزب العربي الديمقراطي، ويضاف إليهم بعض الحركات اليسارية ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم، كلهم يجدون صعوبة في تقبل أن جبران باسيل في كفة وهم في الكفة الأخرى وذلك بموجب المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بينما الواقع الديمغرافي على الأرض والمساحات المتوزعة بين الطوائف ضمن "دولة لبنان الكبير" لا تعكس المناصفة.

وهذا الشعور، حتى لو كان غير متداول، إلا أنه يبرز إلى السطح أحيانًا، ويتم التعبير عنه بشكل أو بآخر وبطرق غير مباشرة، وحادثة كفرمتى الأخيرة تعبير عن هذا الأمر، ولا يمكن أن تخرج عنه.

فالجنون الحاصل لدى البعض في مواجهة الوزير جبران باسيل وتياره وتصريحاته، يعكس هستيريا ضد هذه المعادلة بالذات، أي ضد المناصفة بالتحديد، خاصة وأن باسيل نجح في نقل المعركة إلى داخل البيت الدرزي بفعل شبكه علاقات متينة مع طلال أرسلان ووئام وهاب.

وحزب الله يتعلق بجبران باسيل لأنه رجل، بمنظور طائفي، يسعى لخدمة مصالح طائفته بوضوح وعلانية. الطائفية تجمعهما وتخدم مشروعهما. إنهما في مكان ما حليفا التصور الموحد للكيان اللبناني، ذي الرؤية المشتركة القائمة على الطائفية وتقاسم المصالح. هذا التحاف سمح لباسيل وحزب الله بالقفز من انتصار إلى انتصار، وتحقيق المكاسب على حساب بقية الأفرقاء في لبنان. لكن ماذا لو انتهى هذا التحالف؟

تلعب الديموغرافيا دورها في اللاوعي الإسلامي المسيحي، حيث تؤدي إلى شعور دفين لدى الأقليات بأنها ستسحق مع مرور الزمن، ومع تكاثر الأكثرية المسلمة بفعل معدلات الإنجاب المرتفعة، نجد أن المسيحيين إلى تراجع وانحسار، كذلك الأمر مع الدروز الذين يلعبون دورهم التاريخي في لبنان، ليس بفعل العدد وإنما بفعل الموقع والدور والارتباط بسوريا، وبفعل الوحدة وعلاقتهما التاريخية مع السنة.

فباسيل نجح في الانتخابات النيابية الأخيرة بقانون تم صياغته على قياسه، وأتاح هذا القانون تمثيل المسيحيين بشكل أكبر مما كان عليه في حقبة التواجد السوري في لبنان، حيث كان المسلمون يختارون نسبة كبيرة من النواب المسيحيين بفعل القانون الانتخابي الأكثري؛ خاصة مع تراجع الكتلة النيابية لوليد جنبلاط وخسارته لمقعد وزاري من أصل ثلاث مقاعد مخصصة للدروز، وكذلك خسارة تيار المستقبل لـ10 مقاعد نيابية.

كما أن التيار الوطني الحر أصبح يطالب بحقوقه التي كانت مسلوبة إبان التواجد السوري في لبنان، من جهة التعيينات الأمنية والوظائف وغيرها من الملفات والقضايا التي استطاع التيار وعلى رأسه باسيل، من يفرضها على خصومه السياسيين، خاصة وأنه صهر رئيس الجمهورية ووزير للخارجية ونائب في البرلمان اللبناني ورئيس كتلة نيابية تضم 22 نائبًا، ويمكن له تعطيل أي ملف داخل الحكومة، حيث يتكون فريقه من 10 وزراء من أصل 30 وزيرًا، مع ما يرافق ذلك من توزيع للحقائب السيادية والأساسية كما هو معروف في لبنان.

كل ذلك يدفع بأن يعيد خصوم باسيل التفكير في الدور السياسي وعلاقته بالديموغرافيا وانعكاساتها، خاصة في ظل سعي الحالة الباسيلية لمد نفوذها على ما يعتبره الآخرون حقًا من حقوقهم. في النتيجة الأزمة هي أزمة حول الأحجام والأدوار لن تنفك تعبث بمخيلة البعض؛ المسيحيين المطالبين بالمناصفة في ظل تراجعهم الديموغرافي، والمسلمين الذي يشعرون أن المناصفة غير عادلة وربما تكون المثالثة أكثر عدلًا في ظل تقدمهم الديمغرافي.

ويبقى السؤال حول التحالف بين التيار الوطني وحزب الله: إلى أي متى سيبقى هذا الحلف مسيطرًا على الأوضاع السياسية في لبنان؟ كما أنه من المرجح بعد انهيار هذا التحالف، أن يدفع الشعور الجمعي عند المسلمين إلى تحالف بين مكوناتهم.

إنها حتمية أن يصل النظام الطائفي في لبنان إلى حائط سد، لا يمكن تجاوزه إلا بتغيير أسس النظام، أو بالانفجار والحرب

وعليه، فإنها حتمية أن يصل النظام الطائفي في لبنان إلى حائط سد لا يمكن تجاوزه إلا بتغيير أسس النظام، أو بالانفجار والحرب، خاصة وأن وتيرة التوسع الديمغرافي الإسلامي منذ عام 1992 وحتى اليوم، تزداد بسرعة، ولنا أن نتخيل المشهد بعد 20 أو 30 عامًا من الآن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لبنان.. جراح طائفية

لبنان في المؤشر العربي.. لاطائفيون في بلد طائفي