جان دوست.. نسّاج الحكايا وموثّق الألم

جان دوست.. نسّاج الحكايا وموثّق الألم

جان دوست

ثم قالت: هل أنت ظامئ؟ أجبتها: إلى الماء لا، أما إلى الحقيقة فنعم
* جان دوست "نواقيس روما، 2016"

كيف نصوغ العلاقة الجدليّة بين كاتب خماسيّ الأبعاد وعوالمه الموزّعة بين مسارات المنفى، الهجرة والارتحال بحثًا عن الحقيقة وما يجاورها؟ وكيف نداور معارف رجلٍ يكتب من قلب مساحات حسّاسة ويعمل في دوائر سرديّة وحكائيّة في غاية الخصوصيّة، وفي تسلّل بالغ الحذر ليُنتجَ نصوصًا لها سيادتها وسلطتها من حيث مضامينها ولغتها وازدواجياتها وحتّى مطبّاتها وإشكاليّاتها؟

جان دوست: مجتمع كوباني مجتمع عشائري من الطراز الأول. لا يعرفك أحد ما لم تعلن انتماءك إلى العشيرة

نحن أمام كاتب ظفر بميراث ثقافيّ أدبيّ متعدّد الطبقات والمعاني والغايات. هذا الخيال الكرديّ الخصب وهذه الثقافة الكرديّة المعجونة في نفس الآن بالثقافة العربيّة ولغتها وآدابها، هما عماد هذه التجربة الصوفيّة -الأدبيّة- المتحوّلة عند الكاتب جان دوست، هو، ابن هذه الثقافة بالرضاعة بامتياز، وليس طارئًا عليها.

اقرأ/ أيضًا: فكرة توفيق الحكيم وأسلوب نجيب محفوظ

جاء جان دوست عنوةً إلى العالم في كوباني (عين العرب) في الثاني عشر من آذار/مارس عام 1965، ومنذ لحظة المجيء إلى العالَم، ارتبطَت مساراته بمفارقات وتغيّرات وعواصف تارة ثلجيّة، وتارة أخرى رمليّة قادمة من كلّ صوب وحدب لتغيّر معالم الوجه والهويّة والرّؤية والوعي بالعالَم. هذه المسارات لا بدّ وأن تكون لبدايتها أرضيّة من نوع خاصّ، حيث "مجتمع كوباني مجتمع عشائري من الطراز الأول. لا يعرفك أحد ما لم تعلن انتماءك إلى العشيرة الفلانية أو الفلانية من قبيلة البرازا الهائلة المتمددة في سهول حرَّان وسروج حتى تخوم الرقة على ضفة الفرات. لم يشأ جدي ولا أبي أن يُعرِّفا نفسيهما بالعشيرة، بل بالدين: نحن مسلمون، وعلى الطريقة الصوفية النقشبنديّة" يقول جان دوست. هذا البُعد التصوّفي الارتحاليّ الأوّل هو النواة التي ستؤصّل لاحقًا حالات وعي الكاتب بالثابت والمتحوّل، بالمنفى والارتحال، بالموثّق والممحوّ وبمفهوم الأديان والهويّات والصّراعات على أوجهها.

إلى جانب هذه الصّدفة القدريّة التي حدّدت جزءًا من عوالمه السّرديّة ومن مخياله الصوفيّ -الأسطوريّ- التاريخيّ، يشاء القدرُ أيضًا أن يزرعه في أرضٍ تسكنها لغات وثقافات ونزاعات، يقرّر الكاتب أن يسلك طريقًا وعرة، وأن يكتب ويفكّر باللغتين العربيّة والكرديّة، ويترجم منهما وإليهما متورّطًا طوعًا في علاقة غراميّة إشكاليّة بين لغتين وثقافتين، يُدرك تمامًا أنّ إحداهما ابتلعت الأخرى: "تعلمت الحروف العربية في الخامسة من العمر. حفظت الأحاديث النبوية وكان لزامًا علي أن أقف في محراب المسجد الصغير الذي بناه جدي قبل أن يبني منزله، وأقرأ الحديث (بني الإسلام على خمس) أمام مجموعة من المصلين وسط صيحات ما شاء الله الاستحسانية. عشقت العربية ولم أعرف أن الكردية أيضًا لغة كتابة إلا حين اطلعت على دفاتر وكتب كان يخفيها أخواي الأكبر مني في زوايا حصينة من المنزل. كبرت وكبر الوعي. ويا لمصيبة المرء حين يكبر وعيه! أنا كردي! اكتشاف مؤلم. مؤلم جدًا كمن يكتشف مرضًا وبيلًا في عضو من جسده. كردي! نعم، اللغة كانت دليلي إلى هذا الاكتشاف ففي المدرسة صرت أتعلم لغة أخرى لم أشعر تجاهها بالعداء بسبب تربيتي الدينية، بعكس كثيرين من أقراني ارتبط عندهم تعلم العربية بـ"حفلات التعذيب" المدرسية".

لكنّ الكاتب اتّخذ طوعًا قرار السّير بين لُغمَين ليراهن على خلق صيغة جديدة لهذه العلاقة من خلال مشروعه الأدبيّ-الثقافيّ الذي يراهن فيه على قدرته الفائقة على تحرير النّصوص من سجون لغاتها وأفكارها، على حدّ تعبيره، حاملًا نفسه على المغامرة والمراهنة على قدرته على السّير في هذه الحقول وترسيم خارطة جديدة متخيّلة على الورق رغم مآزق التاريخ والواقع.

يتوزّع نتاج جان دوست، الذي ترك بصمته في المشهدين الأدبيّين الكرديّ والعربيّ، طولًا وعرضًا من شعر ورواية وترجمة ومقالة وبحثًا، ليُرسّخ مفهوم شموليّة المثقّف وعمق ميراثه الفكريّ. ويأخذنا رسم ملامح هذه الأيقونة الأدبيّة إلى مستودع من القراءات لعوالم سحريّة وواقعيّة وتاريخيّة تقوّض وتُدين خطابات ومنظومات سياسيّة وفكريّة ودينيّة راهنة وقديمة تُشرعن، بخطابها، الخيانات والعنف وتقنّن الهزائم في السياق الطائفيّ والقوميّ والبشريّ على حدّ سواء. لقد أعاد الكاتب جان دوست تأهيل الرّواية، على وجه الخصوص، وبنى نصّه السّرديّ بطرائق لغويّة نافذة وبذاكرة وطقوس حكايات وأزمنة وهويّات وصراعات وحروب وحكايات عِشق وسفر وارتحال، كلّها تكشف عن رقعة الهموم التي يحملها الكاتب، وتعمّق الرغبة والسّعي نحو ترسيم حدود مغايرة للوعي بالوجود الراهن وفخاخه، بأدوات التاريخ واللغة الرصينة تتّخذ من الفلسفة قاعدةً لها، وهذا بعد آخر يُضاف إلى أبعاد الوعي عند الكاتب.

يكتب جان دوست من موقع بَينيّ، مساحات خصبة من الفقد والاستعادة، ومن الإنتاج الرحال

يكتب جان دوست من موقع بَينيّ، مساحات خصبة من الفقد والاستعادة، ومن الإنتاج الرحال، تمامًا مثلما يعيش هو نفسه مفهوم الارتحال وهجرة العقل والمفاهيم والرؤى. هو كاتب مهاجر على الدّوام، يقيم داخل أفكاره ويؤسس لهويات جديدة تسعى إلى تفكيك منظومات راسخة. في كلّ ما يكتب، ثمة إحساس بالسفر والارتحال، لا شخوص تقيم داخل ثبات ما، سفر دائم قسريّ يحرّر الشّخصيّات من عبوديّتها ويقيها من موت في جغرافيا مستقرّة. ولعلّ هذا الارتحال وهذه الهجرة المتواصلة للعقل والجسد في ذات الآن، هي مصدر الفقد ومصدر الخصوبة في رؤى الكاتب المعرفيّة لتتحوّل إلى معيار مؤسّس يفتح الهويّة على معانٍ أعمق من تلك المكتسبة داخل حظيرة الهويّات الراهنة.

اقرأ/ أيضًا: كيم إكلين: الناس يؤكدون أنفسهم عبر رواية القصص

لقد أعلن أمين معلوف في "الهويات القاتلة" أنّه لا يتطابق في هويّته مع سواه من الناس، لأنّ "الهوية لا تُعطى مرّة واحدة نهائيّة، بل هي تُبنى وتتحوّل طوال الحياة"، وهذا ما يتبدّى في مشروع جان دوست الأدبيّ والتّرجميّ والفكريّ، حيث لغته المفتوحة على هويّاته المتعدّدة تصنع منه كاتبًا حرًّا لا متوطّنًا بالمفهوم الدولوزيّ.

يُسيطر الإحساس بالفَقد وبجنوح الشّخوص إلى مصائر غريبة وإلى ميلها نحو سرد حكايات في قلب حكايات مثل دمية البابوشكا الرّوسيّة، على أجواء ما يكتبه جان دوست. هذا الفقد يتحوّل إلى أسطورة يستعيدها الكاتب في كتاباته وترجماته ليعيد نسجه سعيًا نحو رؤية أعمق تتجاوز مفهوم الهويّة القوميّة، والهويّة المحليّة التي برهَنت قصورها على مرّ التاريخ، متجاوزًا نحو مفهوم بوليفونيّ لها يحمل طابعًا تعدّديًا وقلقًا يخرج من براثن الثنائيّات القديمة وفكرة الثابت.

يشكّل الوعي المتأرجح بين الكتابة والكفاح، بعدًا خصبًا آخر يفتحنا الكاتب عليه لفهم العلاقة الوطيدة بين مرارة الواقع وهزيمته، وبين أوفوريا الأدب: "راهنت في البداية على الأدب. قلت لنفسي: بالأدب يمكن أن نغير العالم. كان هذا نابعًا عن وعي كونته الماركسية الثورية المتفائلة. الأدب سلاح، الأدب يخوض المعركة. الشاعر مقاتل بالقلم.. إلخ هذه الكليشيهات التي بنيت عليها تصوري لمفهوم الأدب "الملتزم". لم أكتفِ بالأدب وحده. كنت أعرف أن الأوطان تتحرر بالسلاح، بالرصاص وكان شعاري في الحياة بيتين، الأول قديم يدعي أن: السيف أصدق إنباء من الكتب....، والثاني يزعم: نطَقَ الرصاص فما يُباح كلامُ... ذات يوم، غادرت القطعة العسكرية التي أخدم فيها ضمن تشكيلات الجيش السوري العامل في لبنان، ذهبت بالسيارة حاملًا بندقية الكلاشينكوف حتى وصلت إلى البقاع اللبناني مدينة بر إلياس. هناك كنت أعرف قادة من حزب العمال الكردستاني. التقيت بأحدهم، قتلوه فيما بعد بتهمة الخيانة، وقلت له: يا رفيق! أريد أن ألتحق بالرفاق في جبال كردستان وأقاتل معهم. ابتسم الرفيق "الخائن" وقال: في الفترة الأخيرة صدر تعميم بألا نقبل أحدًا ممن يفرون من الجيش السوري. ستحدث مشاكل بيننا وبين السلطة في سوريا. لذلك أنصحك بالاستمرار في كتابة القصائد".

جان دوست: التاريخ المجيد لأي شعب هو ما يعيشه حاضرًا لا ما عاشه رجال ونساء سبقوه بقرون

وفي البُعد الأخير، نكتشف وعيًا بلغ أوجه في النّضج في إدراك مفهوم الأدب وغايات الكتابة: "سأنتظر طويلًا حتى أكتشف أن الأدب شيء والالتزام بـ"القضايا الهامة" شيء آخر. سأنتظر طويلًا حتى أكتشف أن ما كتبته حتى أعوام متأخرة لم يكن شعرًا، بل خطبًا أدغدغ بها عواطف الجمهور. ولأنني تعودت على كتابة الشعر "الحماسي الملتزم" فلم أستطع الاستمرار في كتابته بسبب انكفائي عن الالتزام. لم يعد يهمني أننا "أحفاد كاوا وصلاح الدين"، لم يعد يجذبني التاريخ "المجيد". بل صرت أنقب في كتب التاريخ عن سبب الهزيمة الكردية. عن سبب اللعنة الكردية التي منعت هذا الشعب من بناء دولة مستقلة كباقي خلق الله. عرفت أن التاريخ المجيد لأي شعب هو ما يعيشه حاضرًا لا ما عاشه رجال ونساء سبقوه بقرون على الدبيب فوق هذه اليابسة. صرت روائيًا. لم يكن بمحض الصدفة أن أنشر روايتي الأولى وأنا في سن الأربعين تقريبًا. إنه سن النبوة، سن الرواية، سن النضج و"سن اليأس الأدبي".

اقرأ/ أيضًا: الروائيون الجبناء ورواية "الحيط الحيط"

جان دوست كاتب حرّ مهموم. يقيم منذ عام 2000 في ألمانيا، حاصد جوائز عديدة منها جائزة القصة القصيرة، سوريا 1993، وجائزة الشعر الكردي، ألمانيا 2012، وجائزة الكتاب الشرقيّ عام 2013. كاتب روائيّ مرتحلٌ في أفكاره ولغاته من مهاباد 2004 إلى ثلاث خطوات ومشنقة 2007، وميرنامه 2009، ومارتين السعيد 2012، ودم على المئذنة 2013، وعشيق المترجم 2014، ونواقيس روما 2016. إنّه المختبئ وراء ستارات العزلة والهجرة، صاحب أروع ترجمات ملحمة مم وزين الكرديّة إلى العربيّة، وموثّق جريمة الكرديّ في حقّ الكرديّ في "دم على المئذنة"، وفاتح الطريق بين الطريق الأديان ومحرّرًا إيّاها من مآزقها في عشيق المترجم، وقنّاص الجوائز الشعريّة والروائيّة والترجميّة، وموثّق متاهات الألم الكرديّ المعاصر. هو، الهدهدكو، كما كان يُلقّب في طفولته، السّريع العجول الذي يركض في مساحات لا مدى لها، بلا طمأنينة، بلا أمل، بلا أمان، وبوعيٍ مطلق لذاته كإنسان وككاتب وجوديّ حرّ. هو صانع الأسئلة والإجابات، وموثّق مزايا العشّاق، ومتاهات الألم والفقد. إنّه أيضًا الكاتب الجبان الذي حاول أن ينتحر مرّة، فصَعد القطار ومعه حبل، ثم نزل من محطة إلى أخرى، محاولًا أن يجد شجرة يعلّق نفسه عليها، ليكتشف أنّه "جبان وكذّاب"، تاركًا فكرة الانتحار للشجعان الصّادقين، وماكثًا بيننا ليواصل مسيرة الكتابة والتوثيق والبحث عن الحقيقة.

اقرأ/ أيضًا:

الوجه وأنطولوجيا الغيرية عند إيمانويل ليفيناس

"مونتي".. القصة الكاملة لـ"سمسار" حسني مبارك