جاك شيراك.. سيرة متقلبة

جاك شيراك.. سيرة متقلبة

شهدت سيرة شيراك تقلبات حاسمة (Getty)

الترا صوت – فريق التحرير

أعلنت وكالة الأنباء الفرنسية صباح الخميس عن وفاة الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن عمر ناهز 86 عامًا، ونقلت الوكالة الفرنسية عن صهر الرئيس الراحل قوله إن "الرئيس جاك شيراك توفي هذا الصباح بين عائلته بسلام"، بعد أكثر من نصف قرن قضاها في عالم السياسة، حظي خلالها بشعبية كبيرة في فرنسا ومنطقة الشرق الأوسط.

برزت مواقف شيراك السياسية الداعمة للعرب بشكل لافت عام 2003 عندما قاد المعسكر الغربي الرافض للغزو الأمريكي على العراق

بداية مبكرة في عالم السياسة

ولد جاك شيراك في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1932 في الحي الخامس بباريس لعائلة من الروم الكاثوليك ميسورة الحال، كان والده أبيل فرانسوا شيراك يعمل موظفًا حكوميًا لصالح شركة طيران، ووالدته ماري لويز فاليه ربة منزل.

أقرأ/ي أيضًا: بروتوكولات فرنسية بدل تحمل المسؤولية.. ماكرون يجرد الأسد من وسام جوقة الشرف!

وبعد حصوله على الشهادة الثانوية من ثانوية لويس الأكبر للدراسة في المدرسة الوطنية للإدارة، انتقل للدراسة في معهد الدراسات السياسية حيث حصل على شهادة في العلوم السياسية عام 1953، كما نال شهادة دبلوم أخرى من "سامر سكول" في جامعة هارفارد، وخلال هذه الفترة بدأ أولى نشاطاته السياسية بانضمامه للحزب الشيوعي الفرنسي، وكان واحدًا من بين مجموعة أشخاص وقعوا على نداء استوكهولم عام 1950 الذي طالب بفرض حظر مطلق على الأسلحة النووية، الأمر الذي أدى لاستجوابه عندما تقدم بطلب تأشيرة سفر إلى الولايات المتحدة.

عاش في الحياة العسكرية حيثُ كان يتدرب كضابط عسكري احتياط احتل فيها المرتبة الأولى، وتطوع بعدها للقتال مع الجيش الفرنسي في الحرب التي كانت تخوضها ضد الجزائريين الذين كانوا يريدون التحرر من الاستعمار الفرنسي. لم تستمر مرحلة حياته العسكرية طويلًا مع الجيش الفرنسي بسبب اشتباه بعض الضباط بأن لشيراك ميولًا شيوعية، وفي عام 1959 بدأ يمارس عمله كموظف مدني.

"البلدوزر".. رئيس موظفي حكومة بومبيدو

انطلقت رحلة شيراك السياسية فعليًا عام 1962 عندما شغل منصب رئيس الموظفين التابعين لرئيس الوزراء الفرنسي جورج بومبيدو الذي خلف شارل ديغول في الإليزيه. أطلق بومبيدو على شيراك لقب "البلدوزر" بسبب مهارته في التعامل مع الأمور، وعام 1965 كسب معركته الأولى لصبح مستشارًا في بلدية سانت فيريول بمنطقة كوريز، وفي 1967 استمرت إنجازاته بفوزه بمقعد في البرلمان عن المنطقة ذاتها.

وتولى بين عامي 1967 و1968 منصب وزير دولة للشؤون الاجتماعية، وكان مكلفًا بمشكلات التشغيل، وعين بعدها وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد والمالية في أربع حكومات، ثم وزيرًا مفوضًا لشؤون العلاقات مع البرلمان في حكومة "جاك شابان ديلماس"، ولعب دورًا بارزًا في التفاوض على هدنة مع الطلبة الجامعيين الذين انتفضوا في أيار/مايو 1968.

 حنكته السياسة قادته عام 1972 لاستلام أولى مناصبه الكبيرة بانتخابه وزيرًا للزراعة والتنمية الريفية، وشهدت تلك الفترة توجيهه الانتقادات بشكل دائم للسياسات الزراعية التي تمارسها الدول المتعارضة مع الدولة الفرنسية، وبعدها بعامين تولى منصب وزير التجارة الداخلية رافقها تحضيره لخوض انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 1976، إلا أن وفاة بومبيدو المفاجئة عام 1974 دفعته لتغيير خططه.

خلال فترة الرئيس جيسكار ديستان شغل شيراك رئيس الوزراء، ولكن بسبب خلافاته الشخصية والعملية مع رئيس الجمهورية قدم استقالته من منصبه عام 1976، وتقول الصحافة الفرنسية إن الخلاف بين الرجلين كان شديدًا وصل لحد الكراهية، وساهم شيراك عام 1981 بفوز الاشتراكي فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية، بهدف انتزاع زعامة تيار اليمين الجمهوري من أيدي جيسكار ديستان.

شيراك في الإليزيه

عمل شيراك خلال هذه الفترة على تغيير اسم الحزب الديغولي الديمقراطي إلى حزب التجمع من أجل الجمهورية ليصبح زعيمًا للحزب، وفي عام 1977 أصبح عمدة مدينة باريس حتى عام 1995. خاض تجربته الأولى في الانتخابات الرئاسية عام 1981 لكنه فشل، بعد أن جاء وراء ميتران وديستان، كانت غايته من هذه المشاركة تأكيد زعامته لليمين بصفة نهائية، والتي قادت التيار اليميني الجمهوري المعتدل إلى الفوز في الانتخابات البرلمانية عام 1986، ليصبح بعدها رئيسًا للحكومة في ظل ولاية ميتران الأولى (1981-1988).

 ثم خاض تجربته الثانية في الانتخابات عام 1988 لكنه فشل فيها بعد فوز مرشح الاشتراكيين بولاية ثانية. بقي شيراك صامدًا، واستمر في حشد الدعم في أوساط اليمين الجمهوري وهو يحضر لانتخابات 1995، التي تمكن من الفوز بها، وفي عام 2002 جدد فوزه بولاية ثانية ليصبح الرئيس الخامس في ظل الجمهورية الخامسة،التي تمنح الرئيس صلاحيات واسعة أمام رئيس الحكومة. وبعد فوزه بولاية ثانية نجا في تموز/يوليو 2002 من محاولة اغتيال أثناء استعراض القوات الفرنسية في يوم الباستيل، وفي عام 2007 خسر الانتخابات الرئاسية أمام نيكولاي ساركوزي الذي منعه من الفوز بولاية ثالثة.

اتسمت سياسة شيراك خلال فترة حكمه بالتناقضات، فقد أطلق عليه لقب "بونابرت الحربائي"، بسبب مواقفه السياسية المتقلبة، فبعد أن كان من أكثر الزعماء المناهضين للاتحاد الأوروبي أصبح من أشد مؤيدي الاتحاد، وبعد أن أمر بإجراء تجارب نووية في المحيط الهادئ أصبح نصيرًا للبيئة، وخلال فترة حكمه قام بتخفيض فترة ولاية الرئيس إلى أربع سنوات عوضًا عن سبعة.

شيراك.. وقف في وجه الغزو الأمريكي للعراق

بدأت شعبية شيراك تنتشر في العالم العربي منذ عام 1996 عندما انتفض في وجه الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يرافقونه من كنيسة القيامة إلى المسجد الأقصى بسبب منعه من الحديث مع الفلسطينيين، مهددًا عبر عدسات الكاميرا بقطع زيارته والعودة إلى فرنسا، فضلًا عن أنه كان من أكبر الداعمين لتأسيس دولة فلسطينية بعد أن كان معارضًا لها، والتقى بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عشرات المرات منذ عام 1995 حتى وفاة عرفات في تشرين الثاني/نوفمبر 2004.

كما أنه كانت تربطه مع الساسة العرب علاقة ممتازة، كان من بينهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، فقد أصيب شيراك بصدمة كبيرة عندما اغتيل الحريري بتفجير موكبه وسط بيروت في 14 شباط/فبراير 2005، دفعته لممارسة ثقله السياسي في المحافل الدولية لإنهاء الوصاية السورية على لبنان، والتي نجحت في صيف العام عينه، بالإضافة إلى الصداقة المتينة التي كانت تربطه مع العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني الذي بقي صديقه لثلاثة عقود، وتسري شائعات أن العاهل المغربي قبيل رحيله أوصى شيراك برعاية نجله محمد السادس.

أقرأ/ي أيضًا: تعرّف على أبرز 5 فضائح سياسية في تاريخ فرنسا الحديث

وبرزت مواقفه السياسية الداعمة للعرب بشكل لافت عام 2003 عندما قاد المعسكر الغربي الرافض للغزو الأمريكي على العراق، ما جعل العلاقات الفرنسية الأمريكية تتعرض لأكبر هزة في تاريخها الحديث. بصورة عامة تميزت سياسة شيراك في الشرق الأوسط بشيء من التناقض والجمود، حيث إنها كانت متذبذبة بين رغبته بتفادي وقوع صدام بين الإسلام والغرب من جهة، ودبلوماسية بلاده القديمة الساعية لبعث نفوذها المفقود في المنطقة من جهة أخرى.

اتسمت سياسة شيراك خلال فترة حكمه بالتناقضات، فقد أطلق عليه لقب "بونابرت الحربائي"، بسبب مواقفه السياسية المتقلبة

وعمل شيراك خلال فترة حكمه على توطيد العلاقات مع دول القارة الأفريقية التي كان يعتبرها منزلًا له على عكس أسلافه من الرؤساء الفرنسيين. انعكست هذه العلاقات على تصريحاته المرتبطة بالقارة الأفريقية التي صدمت كثيرين، فقد صرح عام 1990 بأن الدول الأفريقية غير ناضجة بعد للديمقراطية، وقدم التهنئة لرئيس الغابون عمر بونغو عام 2005 بعد فوزه بالانتخابات بنسبة تفوق 90 بالمائة، كما أنه وصف الاتهامات الموجهة لرئيس توغو غناسينغبي إياديما بتصفية معارضيه بأنها مؤامرة، إذ إنه بنى سياسته مع القارة السمراء عن طريق تفصيلها على مقاس الأشخاص الذين يريد بناء علاقات جيدة معهم.

 

أقرأ/ي أيضًا:

كيف تورط الفرنسيون في مجازر الإبادة في رواندا؟

 هولاند..نهاية فاترة لرئيس ضعيف