جاد الله جبارة.. ذكرى الكاميرا التي رسمت السودان

جاد الله جبارة.. ذكرى الكاميرا التي رسمت السودان

المخرج السينمائي السوداني الراحل جاد الله جبارة (1920- 2008)

مثلما رفد المخرج السينمائي السوداني الراحل جاد الله جبارة (1920- 2008) المكتبةَ السودانية بأفلام عظيمة احتلت مساحة هائلة في الذاكرة، إلا أنه وضع سقفًا محليًا لم يتجاوزه سينمائي بعده تمامًا، حتى أضحى كاللعنة الفنية في بلاد النيلين.

من المآسي أن المخرج الراحل جاد الله جبارة فقد بصره أثناء تصوير النسخة السودانية من رواية "البؤساء"

تعلق جاد الله جبارة بالتصوير منذ نعومة أظافره، حيث صوّر بكاميرته مشاهد رفع علم استقلال السودان عام 1956، وكان شغوفًا بالأماكن إلى درجة أن يومياته عن الخرطوم في ستينات وسبعينات القرن المنصرم تحولت إلى فيلم نادر جدًا، رصد فيه الوجوه والمناظر للعاصمة الخرطوم بمدنها الثلاثة، وبصورة بدت حافلة بالنوستالجيا، كما أنه وهب كل عمره للفن السابع، إلى أن فقد بصره أثناء تصوير وسودنة فيلم "البؤساء" عن رواية فيكتور هوجو، لتفقد معه السينما السودانية أيضًا بصرها دون أن تر النور بعده إطلاقًا.

اقرأ/ي أيضًا: القضية الفلسطينية ووعي السينما المصرية

أحيت الخرطوم، الأسبوع الماضي، الذكرى العاشرة لرحيل المصور والمخرج السينمائي جاد الله جبارة، الموسوم برائد صناعة السينما السودانية، واستعادت دور العرض والمراكز الثقافية الأجنبية بعض أفلامه العتيقة "بركة الشيخ، تاجوج، البؤساء، الخرطوم، تور الجر"، إلى جانب ندوات ومعارض مصاحبة، أسفرت عن مكنون تلك الحقبة الثرية من حياته، وما انطوت عليه التجربة من أسرار الخلود الفني لرجل عاش ومات من أجل السينما، ونتيجة لذلك تم تكريمه بإطلاق اسمه على أحد شوارع الخرطوم.

أضيئت الشاشات العملاقة بأفلام طالما حبست أنفاس السودانيين، وكانت مثار جدل النقاد داخل وخارج السودان، أبرزها فيلم "بركة الشيخ" الحائز على جوائز عالمية، وهو من أهم أفلامه الروائية الطويلة، حيث يغوص في أعماق المجتمع السوداني، بكافة التقاليد الموغلة في الغرابة والطقوسية، عالم الشعوذة والسحر، كما تنقل الكاميرا وجهًا عاريًا للقرية محتشدًا بالتفاصيل الحية.  

قصة فيلم "بركة الشيخ" بسيطة غير معقدة، إذ يحكي عن دجال يحط رحاله في قرية ويسفر عن بعض الكرامات ليتمكن من السيطرة على عقول الناس والحصول على أموالهم، ويقدم الفيلم في سبيل ذلك مشاهد الموت والفرح والصراع والخيانة والمطامع التي تخدم الفكرة المركزية للسيناريو. الشخصيات التي تم اختيارها كانت تنافس بعضها في تقمص الأدوار وتؤدي باحترافية عالية، دون الخروج عن سياق التسلسل المنطقي للأحداث. الأجواء التي دار فيها الفيلم كانت واقعية جدًا، مجتمع القرية حيث بيوت الجالوص والأبواب القصيرة والعناقريب وقُلل المياه والخلوى. ووفقًا للنقاد فإن الفيلم عبارة عن تحفة سينمائية، لا تستطيع أن تتوقف عن المشاهدة طوال ساعتين من العرض الشيق.

يبدو أن جاد الله جبارة لم ينضب معينه الفني إلى آخر لحظات حياته وهو رابض مثل الوحش وراء الكاميرا، وانفجرت مواهبه أولاً أثناء الحرب العالمية الثانية، حين كان من ضمن عمله عرض الأفلام التي تنتجها بريطانيا بهدف تنوير المقاتلين من سكان مستعمراتها السابقة لرفع روحهم المعنوية، ومُنذها ارتحل في العديد من بلدان العالم من أجل الإحاطة بأسرار صناعة السينما، وأنتج خلال أكثر من خمسة عقود ما يفوق المئة وثائقي من بينها "الاستقلال - الذهب الأبيض - المنكوب - أغنية الخرطوم"، فضلًا عن أربعة أفلام روائية طويلة.

لا تختلف الآراء حول ريادة جاد جبارة للسينما السودانية، وحضوره الطاغٍي في هذا المجال الفني الذي اختفى من الساحة السودانية وأصبح محض ذكرى وحسرة تتجدد سنويًا مع ذكرى رحيله.

على نفس المنوال نسج المخرج السينمائي والكاتب السوداني وجدي كامل الذي لازم جاد الله جبارة في بعض محطات حياته، وقال لـ"ألترا صوت" إن جبارة يعد من أوضح الأسماء السودانية علي مر مسيرة السينما، فصوّر وأنتج وأخرج أهم بدايات الأفلام السودانية الوثائقية والروائية القصيرة مع زميله الراحل كمال محمد إبراهيم. كما أنه ظل منافحًا ومبشرًا بفجرها لعقود حاول فيها وعمل على إخراج أهم فيلمين روائيين سودانيين هما "تاجوج والمحلق" و"بركة الشيخ".

يحكي كامل عن بعض من ذكرياته مع جاد الله جبارة، وكيف أنه كان يود عمل فيلم باسم إبنته سارة، السباحة العالمية الشهيرة، يجسد فيه قصة كفاحها المستمرة مع الإعاقة، لكن الحياة لم تمهله، وأضاف "لم أتعامل عن كثب وعن قرب مع شخص شجاع وقوي الإرادة مثله، يجأر بالحق أمام الجميع ولا يخشي أحدًا بما فيهم شخصيات سياسية ذات قوة وجبروت".

بالعودة إلى الذكرى العاشرة، فقد صاحبتها ندوات للحديث حول مشاكل صناعة السينما السودانية، وكيفية التحرر من أسر هذه التجربة حبيسة الماضي.

وفي ليلة الافتتاح تم عرض فيلم "تاجوج" كأيقونة للسينما السودانية، على اعتبار أن جاد الله جبارة نجح في تجسيد الحكاية التي دارت فصولها في منطقة قبيلة الحمران على التخوم الشرقية السودانية، وكانت ملحمة عاطفية جياشة أشبه بقصة مجنون ليلى، ولعل واحدة من سمات ذلك العمل خيال جبارة الخلاق وتحرره من القيود والتابوهات، فعرض مشاهد المرأة السودانية في خدرها بصورة بدت مدهشة للكثيرين، خدمت المشهد الواقعي للحبكة دون أن يتورط في الإثارة الجنسية.

المخرج والممثل الرشيد أحمد عيسى هو أحد أبطال فيلم "بركة الشيخ"، يعتقد أن مشروع الراحل جاد الله جبارة يستحق أن يطرح كمشروع ومبادرة عصامية حاولت من خلال السينما تقديم وجه السودان للعالم بصورة مُشرقة.

وقال عيسى إنه تعامل مع جاد الله جبارة في آخر أعماله بعد أن وهن سمعه وبصره، ومع ذلك "كان لا يزال يقاتل من أجل أحلامه، وهو تقريبًا الأكثر إخراجًا للأفلام الروائية الطويلة". لافتاً إلى أن تجربة بركة الشيخ رغم نجاحها إلا أنها عانت من عنت وسوء الإنتاج، والفقر الذي لازم التجربة. يقول: "فن السينما لا يقبل الفقر، هو فن يعتمد فى كل أسسه على التمويل الضخم والتحضيرات التي تأخذ وقتًا ومالًا، لكننا في دول لا زالت ترزح تحت طائلة الفقر، وبالتالي فلا تتوقع أن تقدم فنًّا يرقى للتطور الذي شهدته السينما عالميًا".

يعد فيلم "تاجوج" أيقونة للسينما السودانية، وملحمة عاطفية جياشة أشبه ما تكون بقصة مجنون ليلى

وفقًا للرشيد أحمد عيسى، كان جاد الله جبارة يحتوي كل الناس بحب واحترام وتقدير، ويهتم بكل تفاصيل عمله، ويسعى بكل طاقته لحل المشكلات التي تعترض إنجاز العمل.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "زنزانة".. سجن اسمه العالم العربي

يوضح عيسى أن جيل الرواد، وعلى رأسهم جاد الله جبارة، انطلقوا من مبادرات فردية، واستطاعوا أن يقدموا مشاريعهم ورؤاهم فى شروط إنتاج فقيرة لا تتناسب مع السينما كصناعة مكلفة وتحتاج إلى رأسمال ضخم وإنتاج منظم له آليات متخصصة. يقول محدّثنا: "بدأت الدولة مبكرًا في تأسيس وحدة أفلام السودان، إلا أنها شأن كل المؤسسات فى السودان أهملت ثم أهدرت بكل أجهزتها وأفلامها"، ونبه إلى أن السودان يعتبر أكبر مخزون من الموضوعات والأفكار والقصص التى تصلح للمعالجة السينمائية، فضلًا عن التنوع الساحر فى الطبيعة، وهذا من شأنه أن يجعل من السودان أرضًا ملائمة ونموذجية للإنتاج السينمائي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "مسافة ميل بحذائي".. الأصل مرتبط بالطفولة

9 وثائقيات تناولت الحرب السورية