جابرييلا ميسترال.. أكثر من وجه

جابرييلا ميسترال.. أكثر من وجه

جابرييلا ميسترال (Getty)

لا يمكن أن تقرأ شعرها وسيرتها الذاتية كعربي دون أن ترتبط في ذهنك تلقائيًا بمي زيادة، فقد كتبت لمحبوبها رسائل محبة وشعر، وكان الغياب بطلًا في كل أعمالها، أحبت مرتين، وفي الثانية انتحر رفيقها، فكتبت قصيدتها "مقاطع الموت" الشهيرة، كما اتهمت أيضًا بالجنون ومنيت بالوحدة. 

كتبت ميسترال قصائد عن الأطفال، ودافعت عن أهمية التعليم، وكتبت عن الأم والطبيعة

اتجهت جابرييلا ميسترال (1889- 1957) إلى العمل كمدرسة وكتبت شعرًا رائقًا مبهجًا أيضًا: "أعطني يدك ولنرقص، أعطني يدك وأحبني". تبدو صورتها في شوارع تشيلي كصورة ذهنية، إذ تظهر مقطبة الحاجبين، ترتدي قطعتين صارمتين محتشمتين من الملابس، وتربط شعرها ربطة خلف أذنيها. الميستراليون، عشاقها، يرون أنها إلهة الشعر، أو قديسة الأدب، ويتعبرون أنها الكاتبة والمفكرة الأهم في تاريخ الأدب التشيليّ.

اقرأ/ي أيضًا: بودلير.. روائح أزهار الشرّ

كتبت ميسترال قصائد عن الأطفال، ودافعت عن أهمية التعليم، وكتبت عن الأم والطبيعة، لكنها أيضًا كتبت قصائد عن العاطفة الشهوانية، وعن العلاقات العاطفية المثلية. في رسائلها ومقاطع الفيديو التي تظهر فيها، تبدو جاربريلا امرأة أكثر تعقيدًا مما تعودت الوثائق الرسمية تداوله عنها، وكأننا نتحدث عن امرأة لها أكثر من وجه، وأكثر من حياة.

كانت جابرييلا أول امرأة لاتينية تحصل على جائزة نوبل، وكانت ذات شخصية مثيرة للجدل. عاشت حياة قاسية بلا أب في كنف أسرة فقيرة، لكنها نسبيًا أفضل من مثيلاتها اقتصاديًا، كانت صاحبة جذور تعود إلى السكان الأصليين قبل الاستعمار الاسباني. قيل الكثير عن مثليتها الجنسية، وهو موضوع يتصدر الأدب اللاتيني المتأثر بالأدب الأوروبي، والفرنسي تحديدًا، لكن عشاقها حاربوا الفكرة بشراسة. تقول مخرجة الوثائقيات ماريا إيلينا وود إنهم فضلوا أن تكون مجنونة على أن تكون مثلية.

قصة جنونها التي حامت حول السنوات الأخيرة من حياتها، جاءت حين لاح الموت مرة أخرى في الأفق، لكن هذه المرة كانت بسبب انتحار ابن أخيها عام 1943، فالشاب الذي لم يكمل العشرين بعد ربته جابرييلا كابن لها، وكانت تسميه "ين- ين".

قضت ميسترال جل وقتها خارج بلدها، وفي عام 1946 بعد فوزها بنوبل، تمت دعوتها لتترأس مؤتمر جامعة كولومبيا في نيويورك، وكان بين الحضور دانا الصديقة القريبة من القلب. لم تسمح ميتسرال لأحد بالاقتراب من حياتها الشخصية، كان لها العديد من المساعدات، ينظمن حياتها المالية والاجتماعية، ويساعدنها أيضًا في فوضى قصائدها ورسائلها، وكانت دانا من مساعداتها أيضًا. 

اقرأ/ي أيضًا: قائمة غير مكتملة للشعراء العرب المنتحرين

من أهم الموضوعات التي سيطرت على شعرها كان الموت والأرض والوطن، وإضافة إلى الطفل الذي كان عنصر حياة وموت معًا في شعرها. تكتب ميسترال: "أغني الأغنية التي كنت تحب/ لعلك تسمع وتقترب/ لعلك تذكر عالمًا عشته/ عند الشروق أغني لك/ وعند الغروب أغني/ لعلك تسمعني".

كانت حياة جابرييلا ميسترال ذات وجهين، وجه للناس ووجه للقصيدة

لعل الصداقة هي العصا التي اتكأت عليها ميسترال في حياتها لمواجهة الموت والعزوف عن الحياة، ثم المرض الأخير. تقول عن الصداقة: "الصداقة تعني فهمًا تامًا، ثقة عريقة، وذاكرة طويلة، الصداقة تعني الوفاء"، وعن الأطفال والتعليم وحقهم في الحياة تقول: "مستقبل أولادنا الآن، غدًا وقت متأخر!".

حياتها التي كانت ذات وجهين، وجه للناس ووجه للقصيدة، كانت من أهم الملامح التي اتفق عليها الباحثون في سيرتها لذا قالت : "هناك ابتسامات ليست السعادة طرفًا فيها، بل هي مجرد بكاء سَمح".

تركت خلفها أكثر من أربعين ألف وثيقة محفوظة في المكتبة الوطنية في تشيلي، وأنشات منظمة الدول الأمريكية جائزة باسمها مخصصة للشعراء والأدباء اللاتنيين. وقد مرت هذا الشهر الذكرى التاسعة والخمسين لرحيلها. 
 
اقرأ/ي أيضًا:

جبران خليل جبران.. حادي الأرواح المتمردة

حسونة المصباحي.. أولاد أحمد سرق قصيدة "نحب البلاد"