ثيودوروس أنجيلوبولوس.. سينما التخوم

ثيودوروس أنجيلوبولوس.. سينما التخوم

من فيلم المناظر الطبيعية في الضباب

ما الذي نقوله عن سينما تحفر في الجوهر الذاتي لزمن الوجود، تتسع في متاهة الاندفاق الكوني لمأزق الفرد المُلاحق من قبل سؤاله الداخلي عن ملامح الكارثة التي أدت به إلى المخاتلة المرآوية ما بين الذات وزمنها؟

في سينما ثيودوروس أنجيلوبولوس يبرز الرهان الفكري على ضرورة تذويت الزمن، أي الانطلاق من التجربة الحياتية للمخرج في صناعته للأفلام، وهذا ملمح وجودي لفلسفة وثقافة سينما المؤلف، إذ في تكثيفنا الإمعان في مجموع أفلامه نرى أن المخرج يسعى إلى مغادرة الزمن بالمكان، أي أنه يُزَمِّن الحدث بالإطار الذاكراتي، وهذه مفارقة نادرة، فعادة ما يحدث العكس، لكنه وبفهمه للتاريخ اليوناني، بادر إلى تحريك الزمن بفهم الزمن المؤدي إلى أسطرة الحادثة.

في سينما ثيودوروس أنجيلوبولوس يبرز الرهان الفكري على ضرورة تذويت الزمن، أي الانطلاق من التجربة الحياتية للمخرج في صناعته للأفلام

وهذا ما حدث في فيلم "رحلة إلى كثيرًا" الذي وظف فيه حادثة اعتقال أو تغييب أبيه من قبل السلطات الشيوعية آنذاك، غير أن عودة عوليس لم تكن مادية، إنما كانت جغرافية محكومة بسلطة الزمن الأيديولوجي، فما بين روسيا واليونان يقيم سبيرو، فيما يكون مضاعفة الترحال إلى تلك الجزيرة الموعودة رغبة منه في مزاحمة التخوم بمكانٍ ذاكراتي.

اقرأ/ي أيضًا: سينما ثيو أنجيلوبولس.. عالم التجوالات الطويلة

في ضوء من هذا نفهم أن التخوم لديه هي مأزق زمني وليست مأزقًا مكانيًا، كون الذاكرة تتشكلُ زمنيًا، أما المكان فلا يمثل لها سوى إعادة هيكلة وتنظيم، وبينما هو منشغل بضرورة الخلاص من وحشية الزمن في الحياة كثيرًا، يُفاجأ بأن التخم "الزمن" يمتد بامتداد مقدرة الإنسان على إحياء نبوءة أزمنته المتمثلة بالترحال، مانحًا بذلك المكان أسطوريته من خلال مساءلة الرحلة بوساطة البحث عن سؤال زمني داخلي، في اشتغال قصدي على الزمن المتكرر أي المتوقف، وهذا نزوع بيكتي الملامح، فشخصية لافندر التي تآكلت لتصل تدريجيا إلى سبيرو هي مالونية الحركة والوجود، ومالون هو العتبة السردية لثلاثية بيكت الشهيرة "مالون يحتضر"، و"اللامسمى" و"مولوي".

بذلك نستطيع أن نقول بأن سبيرو هو القرين السينمائي لمالون، وأن تحريك فضاء الشخصية بالقرين هو دخول في مغارة الزمن الهاملتي، زمن استفهام البقاء بالمغادرة نحو الخروج من الأرض إلى التأرضن على حد تعبير جيل دولوز، بعبارة أخرى خروج من الزمن إلى الانوجاد في الزمن، وأن توافر ذلك منوط به اجتراح زمن سائل. ومثلما يحترك مالون في الثلاثية المذكورة سلفًا، تحرك سبيرو في "رحلة إلى كثيرًا"، و"المرج الباكي "و"غبار الزمن". وعلى ما يبدو أن التخوم بالنسبة للمخرج ليست جغرانفسية وحسب، إنما هي على مستوى الاشتغال الفلمي أيضًا، فالسينما لديه هي فيلم لحدود فيلم آخر، وكأنه يضطلع بمهمة ملاحقة الزمن الدائري للإنسان بتوهج هوميروسي، يغدو فيه القرين هو المحرك الفلسفي للزمن، إذ يتنقل بمواربة تتغذى على التداعي المتاهي، وهذه من أبرز سمات سينما المؤلف، فهي تشتغل على الذات بوصفها معملًا زمكانيًا، محاولةً النأي عن المشاع الفكري في الصنعة الفلمية. وقد أشار المخرج لذلك في أحد حواراته ما مفادهُ "بأنك تحقق فيلمًا لكي تفهم بوضوح ما هو غامض في وعيك".

إن الخاصية الذاتية الحاضنة لمشروع أنجيلوبولس هي بالأصل استفهام للغامض في الإنسان، ويتجلى ذلك في اعتماده الطبيعة المستوحدة، كتعليق منه على بيكتية الوجود، هذا عينه ما طرحه برجمان في امتصاصه لكآبة الطبيعة، بهذا نخلص إلى أن أنجيلوبولس اعتمد تأثيث المكان بالزمن الإسكندنافي، لكنه في هذا الملمح زاد على اشتغالات صاحب الختم السابع، من حيث اعتماده التذكّر بالنسيان، وبذلك يكون قد جمع ما بين أفقية برجمان، وسيولة جودار في تعاملهما مع الزمن، والمعروف عن الأخير كبنية درامية لا وجود للشخصيات في أفلامه، إنما انصب اهتمامه على زمن الشخصية وليست الشخصية نفسها، وهذي مزية ما بعد حداثية، فالأخيرة معنية بالحضور الشبحي، ذلك لأن جوهر السينما الذي يختلف عن عمومية الأفلام، له هدف أسمى هو الفكر ولا شيء غير الفكر وأدائه بحسب دولوز.

إن الخاصية الذاتية الحاضنة لمشروع أنجيلوبولس هي بالأصل استفهام للغامض في الإنسان، ويتجلى ذلك في اعتماده الطبيعة المستوحدة

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "الأبدية ويوم".. الشاعر والطفل

وهذي سمة بارزة لفلمية انجيلو بولوس السابرة لأغوار الكنه الفكري الوجودي للزمن. بذا يمكننا القول بأنه قد أسَّس لسينما بيكتية، تتخذ من المتاهة مصطبةً للانتظار، بهذا يكون قد اضفى على الفكر شاعرية بورخسية، تدور في غواش السؤال عن العمق المتاهي للحظة الاندفاق الأول، لذا نرى سيبرو يتنقل من فيلم لآخر بنفس الروح، لكنه ليس كما يحدث في زمنية آلن رينيه في مارنباد، وهرورشيما حبي، فالزمن الرنيهي ليفيناسي الايقاع، يمتد ليشتبك مع المكان بوصفه آخرَ، أما الانجيلوبولوسي فهو ترميم للزمن الهوياتي والذاتي في آن.

الحديث عن اللجوء، وعزلة الحدود، وعالم المطارات هو تنقيب زمني في اللاأمكنة بحسب مارك أوجيه، وهذا متأت من اندفاق أوديسي، فلدى الأساطير الزمن هو المكان وأسطرة أي حادثة هو تحريها من الزوال عبر دخولها في الزمن الذي هو المكان الأبدي للأسطورة. وهذه الأخيرة بارعة في اصطياد الرنّة الداخلية لهواجس الإنسان في العصر ما بعد حداثي، حيث الأيدلوجيا هي الضابط الحسي الإنساني، ويبرز هذا الحسّ في فيلم "المغنين الجوالين" ورحلتهم المحفوفة بالجحيم، وبرغم رهان المخرج على ضرورة إبعاد السينما عن المأزق السياسي، لكنه برع في التلويح لذلك من خلال تذويت المرحلة، جاعلًا من الذات مناسبةً مأزقية، أي أنه التف على الاجتماعي بالفردي من محاكاته للمرحلة، مع تشديده على الاحتفاظ بالصوت الذاتي، وبذا يكون قد دخل في فضاء الراوي العليم الذي هو الزمن. لكن ليس كما أُشتغل عليه في السرد الروائي، مع أنه لوّح بتروئة الزمن أنطولوجيًا على طريقته، وليس وفق مناهج هايدجر، لأنه يرى بأن الزمن روحاني النشوء، فطغى على اشتغالاته الحسّ التصوفي، والأخير يمنح الأشياء اندفاق شاعري لا سيما في دخولها العالم الفني.

لدى الأساطير الزمن هو المكان وأسطرة أي حادثة هو تحريها من الزوال عبر دخولها في الزمن الذي هو المكان الأبدي للأسطورة

أما الزمن الهايدجري فكل مجهوداته منصبة على ملامسة الأشياء لعقلنتها زمنيًا، هذه الروحانية وضعته في لائحة سينما الشعر، رغم أن الكثير من دارسي الفن السابع لم يُشيروا إلى ذلك، لأنه عمل على شَعرَنة الزمن، وليس الحوادث والأفكار مثلما فعل بازوليني وتاركوفسكي، لكنه كشعرية صورية في بعض المشهديات مقارب لسوريالية فيلليني المتمثلة في جوليت والأشباح، كازانوفا، والحياة حلوة، وفي أحيان يذهب لأن يتشارك معه التكوين المشهدي ومثال ذلك تحليق الكف في السماء في مشهد نقل تمثال لينين في قوارب نهرية، وفي هذا تناصٌ مشهدي التكوين مع مشهد نقل نُصب السيد المسيح في الحياة حلوة. وبرغم التأثر الجلي نجد أن ثمة فارقًا في المشهدين، كونهما انطلاقا من مرجعيتين فكريتين مختلفتين، فالأولى وكما هو معروف أنها تعتمد الرابليهية الواضحة، أما انجيلوبولس فينطلق من تراجيديا المحو، فالملاحظ أن جميع شخصياته هي مخلوقات فلمية تعاني من الغياب والتشظّي بين تخوم الذات قَبل الجغرافية منها.

اقرأ/ي أيضًا: أرونوفسكي في Mother.. والثعبان الذي أكل ذيله!

أما فيما يخص رقص سبيرو على قبر أحد أصحابه فهو استقدام لزوربا مواطنه المأخوذ بالسؤال الذاتي للوجود. ربما أراد أن يقول بأنني المعادل البصري لسرديات أثينا بجميع أزمنتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "The Age of Idaline".. ثلاثية الحب والزمن والموت

فيلم "ألم ومجد" لألمودوفار.. سيرة ذاتية تمجّد عتبة الألم