ثورة 25 يناير.. أمل لا يبارح الخلود

ثورة 25 يناير.. أمل لا يبارح الخلود

تحل اليوم الذكرى التاسعة لثورة "25 يناير" المصرية (أ.ب)

"في حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها"، أحمد خالد توفيق.

الرابعة عصر يوم الجمعة 28 كانون الثاني/يناير 2011، كانت تلك اللحظة الفارقة في حياتي. من قريتي الهادئة التي كان يدخلها شرطي متوسط التعليم ليعيث فيها مُهينًا الأطباء والمعلمين وأساتذة الجامعات، لا لشيء إلا لأنه أمن العقاب؛ إلى القاهرة، المدينة التي يعتمد البعض من سكانها على صناديق القمامة في غذائهم اليومي. عبَرتُ إلى لحظتي الموعودة التي لم أعد منها، ولم تعد الحياة بعدها كما كانت.

كانوا يركضون أمامنا وكأن دولة الظلم تهرب بعيدًا خائفة من الغد وعدله. كنا نقول للوحش: آن أوان رحيلك، فلم يعد في الأرواح متسع لظلمك

قبلها كنت أمضي في عامي الـ24، مثل الملايين من أبناء بلدي، لا أحمل طموحًا في الحياة سوى أن أحيا ما تبقى لي مثل باقي البشر؛ بكرامة لا يحطمها كف شرطي في مخفره أو مرض في مشفى لا يليق بالبشر، أو وظيفة لا تكفي ثمن القوت. ورغم بساطة الطموح، كان كالحلم صعب المنال، فهنالك ظلمة تأبى الانفراج، وحشٌ لا يرى فينا إلا عبيدًا دون كرامة، تُفنى أعمارهم في خدمته وتعظيم ثرواته.

اقرأ/ي أيضًا: 25 يناير.. عيد الثورة الذي لم تنسَه الشرطة

"كنت قبل أن آتي حيًا ميتًا، فجاءت كي أحيا أو أموت"،  جدارية في الميدان، قرأتها يوم 28 كانون الثاني/يناير 2011.

يومها خرجت وحيدًا، لا أعرف أين المسير، هاربًا من أمسٍ مخيف وحاضرٍ مؤلم وغدٍ مجهول. قادتني قدماي إلى هناك، حيث الفردوس الموعود. كنت أجري مع الحشود، تاركين وراءنا خوف عميق عمره مئات السنين، متجهين نحو أمل في حياة وعدل. 

كانوا يركضون أمامنا، وكأن دولة الظلم تهرب بعيدًا خائفة من الغد وعدله. وبأصوات مُستنزفة من الحماس، كنا نقول للوحش: آن أوان رحيلك، فلم يعد في الأرواح متسع لظلمك. عَدونا مُخترقين غيوم الدخان ومبددين خوف المجهول، حتى عبرنا إلى الميدان، حيث اكتشفنا ذواتنا الجديدة التي لن تُشبه سالفتها رغم سنوات الغيوم اللاحقة.

داخل سيارة شرطة محترقة أمضيت ليلتي الأولى في الفردوس. ربما كانت ستصبح يومًا ما مكاني دون ذنب ودون أمل ودون كرامة. لكنها، يومها، كانت ممتلئة بالأمل، تفيض بالكرامة من جوانبها، كما امتلأت رأسي بالطموح والأحلام.

"سقط فرعون"، راحت تطوف برأسي طوال الليل كمغزل فرح تمده الهتافات بمدد لا ينقطع، وقد سطع فجر الثورة جليًا على ملايين شدّوا رحالهم لأرض الأمل، وامتلأ الميدان عن بكرة أبيه، وكأن السماء قد فتحت أبوابها بطوفان من المريدين حاملين أرواحهم قرابين للحلم، وناذرين أعمارهم لتحقيقه.

"كل عين تعشق حليوة.. وانتِ حلوة في كل عين"، أحمد فؤاد نجم. 

كتماثيل المصريين القدماء، كنا نقف في الميدان نُبهر الخلائق. بعد آلاف السنين عُدنا، وها نحن من جديد نقف شامخين غير مطأطئي الرؤوس لفرعون، بل واقفين على جسده، مُعلنين الانتصار، ومؤذنين لعهد جديد يأبى الموت، رغم ضراوة أعدائه، ورغم انحساراته وانكساراته. فاتحين باب أمل لا يزول ولا ينقطع، أمل يدرك أعداؤه قوته أكثر من أصحابه، كُتب عليه الخلود حتى وإن كان سجين التوابيت أو الزنازين، لكنه باقٍ على وعد بالبعث والخروج.

"ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة.. ليمر النور للأجيال مرة"، أمل دنقل.

سنوات مرت، حاملة ظُلمة جديدة أشد عتمة من سابقتها. لكن في القلب منها نور يأبى الانطفاء، حلمٌ ساكن فينا يُعلن كل يوم عن وجوده، تتناقله القلوب من جيل إلى جيل، ويصونه وعيٌ يرى المستقبل رؤيا العين. وعدٌ صادق لا يُرد ولا يزول، وحلم لا يشيب ولا يموت رغم الوهم الساكن في قلوب خصومه بقدرتهم على قتله. حلمٌ أقوى من أصحابه، وأبقى من أعدائه، يرونه خيالًا، ونراه يقينًا.

سنوات مرت حاملة ظُلمة أشد عتمة من سابقتها. لكن في القلب منها نور يأبى الانطفاء وحلمٌ ساكن فينا يُعلن كل يوم عن وجوده

يقول الكاتب والمفكر المرحوم هاني شكر الله: "الثورة الفرنسية فشلت بدلًا من المرة ثلاث مرات. الثورة البلشفية فشلت في نهاية المطاف (...) الثورة الألمانية فشلت وقتلت قياداتها وصولًا بالثورة المضادة النازية. الثورات الشعبية تفشل أكثر بكثير مما تنتصر، لكنها تبقى المحرك الأساسي للتاريخ البشري، والمهم هو التعلم. على مشارف الـ70 من عمري، أعرف أنه لن يكتب لي عيش ثورة ناجحة، لكني واثق تمام الثقة بأنها آتية، لا في مصر وحدها، لكن في العالم كله، وليس عن إيمان بحتمية تاريخية ما، ولكن عن قناعة عميقة بأن الرغبة المتأصلة في النفس البشرية في الحرية والعدالة يستحيل محوها. سننتصر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"28 يناير".. عيد الثورة المصرية الحقيقي

أرشيف 858.. حماية سرديات الثورة المصرية