ثورة على الثورة في لبنان

ثورة على الثورة في لبنان

موالون لحزب الله يعتدون على متظاهري الانتفاضة في بيروت (أ.ب)

في لبنان هناك "ثورة" مستمرة منذ عام 1982، تاريخ تأسيس "المقاومة الإسلامية" في لبنان. وهذه الثورة لا زالت قائمة حتى اليوم متمثلة في حزب الله، قبل اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

مهما حاولنا تحييد مسألة "المقاومة" في لبنان فلن نستطيع، إذ إنها في صلب المعركة، وقد اتخذ ممثلوها من أنفسهم حماةً للنظام

وبطبيعة الحال ثمة تعارض بين انتفاضة 17 تشرين وبين تلك الثورة الإسلامية. لكن السؤال هو: ما هي مقومات كل من هاتين الثورتين؟

اقرأ/ي أيضًا: أخلاقوية السلطة اللبنانية ضد الانتفاضة

التقدمية والرجعية

يرى ثوار 17 تشرين أن انتفاضتهم "التقدمية" تجابه رجعية الثورة الإسلامية، في حين يرى أنصار حزب الله أن ثورة المقاومة الإسلامية تقدمية، وانتفاضة 17 تشرين هي التي تطرح مفاهيم رجعية.

وهذا بالتحديد ما جعل الكثير من موالي حزب الله يقفون ضد انتفاضة 17 تشرين، ذلك أنهم يرون فيها خروجًا عن تصورات ثورتهم وفلسفتها ورؤيتها للبنان.

ومهما حاولنا تحييد مسألة "المقاومة" فلن نستطيع، إذ إنها في صلب المعركة، وقد اتخذ ممثلوها من أنفسهم حماةً للنظام. وأساس موقف المقاومة الإسلامية أنها "ثورة"، لذا فإنها لن تقبل بنجاح انتفاضة 17 تشرين، مع تخوف هذه "المقاومة" من أن تتحول الانتفاضة لثورة عارمة تقضي على مكاسبها.

ولذا، فالنسبة لها الوقوف مع النظام، بل حمايته، وهو الذي يؤمن استمراريتها وتنظيمها المتمثل في حزب الله؛ أفضل بكثير من الالتحاق بانتفاضة 17 تشرين، وتبني النموذج الذي تطرحه، والذي يُعد قاتلًا بالنسبة للثورة الإسلامية.

الأبعاد الثقافية للثورة

تطرح هذه الثورة الإسلامية أجوبتها الثقافية المتداخلة في كافة مناحي حياة الناس، من كيفية دخول الحمام إلى الجنس. وينتشر رجال الدين الشيعة على وسائل الإعلام لتكريس هذه الأيديولوجيا، وتعزيز جبهتها وتوسيع قاعدتها لمصلحة حزب الله وثورته.

قد يسأل أحدهم: ما العلاقة بين هذا وذاك؟ أقول: هل يمكن مثلًا لحزب الله أن يرضى بتشريع حقوق المرأة كما يتصورها منتفضو 17 تشرين؟ أو تشريع الإجهاض كما تنادي به بعض المجموعات في 17 تشرين؟ وماذا عن الزواج المدني؟ هذا فضلًا عن الأطروحات السياسية التي تتبناها انتفاضة 17 تشرين.

فإن لم تكن الثورة في صلب هذه التفاصيل الثقافية والاجتماعية، فأين ستكون؟! إن لم تمس الثورة أعمق أعماق الفرد، فكيف ستنجح في استقطابه؟ إذًا، يمكن القول إن انتفاضة 17 تشرين هي ثورة مضادة لثورة حزب الله الإسلامية، وعليه فإنه واهم من يظن بإمكانية الجمع بين النقيضين.

وعي انتفاضة 17 تشرين

بالرغم من تنوع القضايا المطروحة في خيم انتفاضة 17 تشرين، لا يزال هناك تقصير في طرق القضايا الأكثر عمقًا وتداخلًا في حياة اللبنانيين ثقافيًا واجتماعيًا، والتي في المقابل تملك الثورة الإسلامية أجوبتها عليها، مثل: كيف نربي أطفالنا، المساكنة، العلاقة بين الرجل والمرأة، الجنس ومفاهيم الشرف والثأر، وغيرها.

وهي في أغلبها مواضيع شائكة، لكنها تمس الشعب وثقافته. وقد قامت الثورة الإسلامية بتحديد الأجوبة عليها وفقًا لأجندتها الثقافية/الدينية، ونجحت في خلق بيئة ثقافية واجتماعية، تنضح بفلسفتها.

الثورة والعنف

تحتكر الثورة الإسلامية العنف، وتمارسه، لا بل أكثر من ذلك، تُشرّعه، بينما انتفاضة 17 تشرين منقسمة على ذاتها حول ضرورة العنف من عدمه. والعنف هنا مفهوم واسع يشمل من قطع الطرقات إلى ما هو أكثر عنفًا. 

كما أن انتفاضة 17 تشرين لم تستطع أن تحظى حتى الآن بالتأييد من داخل الجيش والقوى الأمنية، خاصة وأن هذه المؤسسات موالية للطبقة الحاكمة التي يُعد حزب الله أهم ركائزها، بل عمودها الفقري. ويعتبر هذا الأمر من معوقات مسار انتفاضة 17 تشرين.

ما العلاقة بين الشرطة والشعب؟ بين الجيش والشعب؟ ولماذا تقف القوى الأمنية والجيش في صفوف الطبقات الحاكمة والسلطة؟ هذه أسئلة يجب الإجابة عليها.

القواعد الجماهيرية

تتجلى قوة حزب الله في إمساكه بالقواعد الشعبية اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، في حين أن نقطة ضعف انتفاضة 17 تشرين أنها لم تتمكن من التغلغل ثقافيًا واجتماعيًا ضمن الشرائح الأكثر فقرًا، لإحداث تغييرات في البنى الفكرية لها.

وما يجعل حزب الله يقف مكتوف الأيدي، حتى الآن، في وجه انتفاضة 17 تشرين، هو شعوره بالطمأنينة من أنه يملك الشارع ولديه قاعدة جماهيرية هي الأوسع. لكن ذلك لا يعني أن الحزب، بثورته الإسلامية المستمرة، سيترك الأمور تأخذ مجراها أو سيترك الدفة لتدار لوحدها.

من هنا، كان هناك غياب للمظاهرات داخل مناطق تواجد القواعد الجماهيرية ذات الصبغة الوحيدة الخالصة لحزب الله. ولم يتمكن مؤيدو انتفاضة 17 تشرين من بناء خيم للاعتصام في تلك المناطق، ولم يتمكنوا حتى من إقامة الندوات واللقاءات كما الحال مثلًا في وسط البلد حيث ساحة الشهداء. هل كان قمعًا؟ نعم بالتأكيد، فمثلًا المصارف أكثر أمنًا في الضاحية الجنوبية، ولم تخرج أي تحركات ضدها، بالرغم من الفقر المدقع في بعض أحياء الضاحية.

وفي هذا الصدد، فإن الهجمات التي قامت بها المجموعات التي كانت تنادي "شيعة شيعة" على خيم منتفضي 17 تشرين، كانت تأكيدًا على مدى اختناق حزب الله من الانتفاضة، وخوفه من تكثيف الوعي لدى منتفضي 17 تشرين، وتوافد آخرين من مناطق نفوذه على ساحات الاعتصام.

وهناك فئة ضاعت، وقفت في منتصف الطريق، تريد أن تحقق مكاسب من خلال انتفاضة 17 تشرين، مع الحفاظ على مكاسب ثورة حزب الله الإسلامية. وهذه الفئة أيضًا تمت محاربتها عاطفيًا وإعلاميًا، وجوبهت بحملات من التخوين لإضعاف عزيمتها.

وبعضهم في الأصل لديهم أولويات محددة مسبقًا: حزب الله أولًا، ويلي ذلك أولويات أخرى. لكن هم أنفسهم وجدوا صعوبة كبيرة في اتخاذ المواقف، أو المساهمة بفعالية في انتفاضة 17 تشرين، بل إن مشاركتهم كانت سلبية إلى حد ما، لأنهم كانوا يعودون إلى تموضعهم الأول في كل مرة، إلى جانب ثورة حزب الله الإسلامية.

الجماهير الصامتة

من النقاط الهامة التي استطاعت انتفاضة 17 تشرين تحقيقها، تحفيز وتعبئة شرائح اجتماعية جديدة لتخوض غمار الحياة السياسية والثورية. هذه الفئات كانت في الانتخابات الأخيرة "صامتة"، وتفوق نسبتها 40% من مجمل المواطنين اللبنانيين. وقد أزعج هذا المنظومة السلطوية الحاكمة بأسرها، لأن هذه الفئات الصامتة غير المسيسة، تم تحفيزها للعمل السياسي الفعال، بينما كانت في الماضي راكدة وغير مؤثرة.

من النقاط الهامة التي استطاعت انتفاضة 17 تشرين تحقيقها، تحفيز وتعبئة شرائح اجتماعية جديدة لتخوض غمار الحياة السياسية والثورية

إضافة إلى أن المنظومة الحاكمة بكل مكوناتها، تعتبر أن الفئات الصامتة ملكية حصرية لها، مجمدة في الوقت الراهن. وهذا ما آثار حنق الأحزاب السياسية مجتمعة، إلا أنه تبدى بشكله الفج والمعلن والهستيري عند مناصري حزب الله، فبالنسبة لهم حتى الصامتون هم حصة من حصصهم القابلة للاستثمار والتعبئة في ما بعد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتقال النظام اللبناني من الطمع إلى الجشع

الانتصار بالموت في أدبيات حزب الله