هل يمكن لمن خرج في الانتفاضة اللبنانية أن يصفق لأداء حكومة دياب؟ (Getty)

يتمثل دور المثقف في تشكيل حالة مناقضة للسلطة، حالة مزعجة مبنية على النقد والنقض المستمر. تمامًا كما تكون الكوابيس التي تشكل قلقًا للإنسان. هكذا هي وظيفة المثقف في كونه يمثل حالة دائمة للرفض من موقع النقيض. ولا يمكن للمثقف الوقوف في ذات الخندق مع السلطة، ولا يمكن له أن يهلل للسلطة التي كانت في الأصل الحربة التي طعنت الانتفاضة والمنتفضين في لبنان. ولا يمكن للمثقف إلا أن يكون في حالة ثورة وانتفاض ورفض وقطيعة مع هذه السلطة.

يتمثل دور المثقف في تشكيل حالة مناقضة للسلطة، حالة مزعجة مبنية على النقد والنقض المستمر. تمامًا كما تكون الكوابيس التي تشكل قلقًا للإنسان

مؤخرًا اجترح البعض ممن كانوا مع الانتفاضة مقولات مثل "من يعمل منيح نصفق له، ومن يعمل باطل نعترض عليه"، لكن هل تستقيم هذه المقولة مع السياسة؟ لم تكن هكذا مقولات في يوم من الأيام تشكل حالة سياسية، إذ كيف يمكن لثائر أو ثائرة على المنظومة الحاكمة،  التصفيق لخصومهم في السياسة.

اقرأ/ي أيضًا: فيروس كورونا يشل الحياة في لبنان والخوف الأكبر مما هو قادم

ولماذا يجب من الأصل أن يكون هناك داع لشرح البديهيات؟ خاصة للشباب الذين شكلو عصب الثورة في 17 أكتوبر من العام الماضي. كيف لهؤلاء ممن أسقطوا حكومة سعد الحريري في الشارع، كيف يمكن لبعضهم اليوم أن يصفق لحكومة حسان دياب أو لبعض وزرائها امتنانًا وعرفانًا بالجميل لما قدموه في مواجهة فيروس كورونا. لكن ما الذي قدموه بالفعل؟ لا شيء سوى فقاعات إعلامية دون وجود أي مؤشرات يمكن قياسها والبناء عليها، اللهم فيما عدا تدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار.

وهل يمكن للمثقف والثائر والمنتفض والغاضب الذي كان جزءًا من انتفاضة 17 تشرين ممن هتفوا نشيد "هيلا هيلا هو" في مواجهة غطرسة الوزير جبران باسيل، اليوم، التصفيق لحكومة مهندسها جبران باسيل؟

وكيف يمكن في السياسة الربح إن كان البعض يصفق للجلاد الذي اتهم الانتفاضة بالتمويل والعمالة للخارج وفعل المستحيل لكسر الثورة والثوار. كيف يمكن في معركة الحياة السياسية تحقيق أهداف الثورة التي طمح إليها الناس، وتحقيق التغيير، في الوقت الذي أوافق أو أساير بوعي أو دون وعي حملات البروباغندا التي تشنها أحزاب السلطة؟

إن الدراية البسيطة بقواعد السياسة يجب أن تجعلنا نفكر في التزام موقف المحايد المراقب في حال كان هناك نجاحات عند الحكومة لأن نتائج النجاحات يتم توظيفها لخدمة المشاريع السياسة لأحزاب الحكومة، تلك الأحزاب التي قضت على انتفاضة 17 تشرين.

المؤسف أن يكون المهللون لهذه الأحزاب هم فئات من عصب انتفاضة 17 تشرين. في حين أن كل حزب في السلطة ممن قاموا بتشكيل غالبية نيابية ومنح الثقة للحكومة، يعمل منفردًا من أجل تحسين شروطه ومواقعه لدى شرائحه المجتمعية. فالأحزاب كحزب الله تعمل على تلميع صورة وزير الصحة واستثمار فيروس كورونا من أجل حصد ثمار سياسية أمام الرأي العام، ويبدو أن هذا التكنيك لاقى ترحابًا لدى شرائح كبيرة كانت منتفضة في 17 تشرين.

ولا داع لشرح الوسائل التي تقوم بها أحزاب السلطة في تلميع صورة وزرائها في الحكومة. فمن مجموعات الواتساب التي تضخ الأخبار المتلاعب بها، إلى مجموعات الفوتوشوب التي تنشر الصور المفبركة عن مجهود الوزراء وتعبهم، إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وغيرها من جيوش الإعلام.

فها هو وزير الصحة تبدو عليه علامات الإرهاق مما يثير عاطفة الناس، وها هو رئيس الحكومة يظهر فجأة في مراكز التسوق للاطمئان على الأسعار وترافقه عدسات الكاميرا، وها هي أحزاب السلطة توزع المؤونات للفقراء، ويا لمحاسن الصدف، فإن الكاميرات دومًا تكون موجودة هناك لتلتقط أفعال الخير.

ومن المؤسف أن انتفاضة 17 تشرين لم تحصد نتائج سياسية. والبعض اليوم ممن يمكن اعتبارهم مثقفين أو مهنيين أو شباب طليعيين شاركوا في الانتفاضة، بدى أنهم كانوا يعملون في السياسة بمبدأ العاطفة أو بمبدأ المثالية. اليوم يبدو كأن انتفاضة 17 تشرين كما لو كانت محشوة بالمثقفين لكنها كانت خالية من السياسة.

هؤلاء يريدون سياسة بلا دنس، وقد تابوا إلى رشدهم بفعل اجتياح فيروس كورونا للبنان، فما كان منهم إلا أن سلموا تسليمًا وعادوا إلى رشدهم وأقاموا فروض الطاعة من جديد. بدأ الأمر من لحظة مقولة "دعونا نعطي الحكومة فرصة" والتي كانت مرفوضة رفضًا قاطعًا، وها نحن اليوم نصل إلى مرحلة التصفيق للحكومة، وكأن لا دماء سقطت ولا شيء من قبيل الذل والهوان والعنف والاستبداد قد مورس بحق الانتفاضة.

يتناسى هؤلاء أن رفض المثقفين في 17 تشرين لم يكن رفضًا على مسألة أو خلاف من هنا أو من هناك. الرفض كان نابعًا من رفض تام للدولة العميقة في لبنان مهما كان شكل الحكومة أو شكل الوزير ومهما كانت مجهوداته. تلك الدولة المناصرة لطبقة الواحد في المئة والساهرة لخدمة مصالحها.

والمقصود بالدولة العميقة هو الدستور والقوانين وشكل الدولة والمرافق والإدارات والمنهجية التي تعمل بها هذه الدولة. اليوم بات لزامًا تذكير المهللين لوزير الصحة أن أي عضو في هذه الحكومة لا يمكن سلخه عن حزبه السياسي. فهذه الأحزاب تستخدم هؤلاء الوزراء كأدوات ووسائل من أجل حصد نتائج سياسية لما بعد بعد كورونا وهي حتمًا أهداف ستقضي على ما بقي من انتفاضة 17 تشرين.

ويبدو أنه من الواجب تكرار واجترار الشرح مرات عدة للقول بأن هذا السلوك ليس سوى محاولة للتنصل من النتائج اللاحقة لفيروس كورونا وفي مقدمتها الأزمة المصرفية والمالية في لبنان. هكذا تعمل أحزاب السلطة اليوم في أزمة الفيروس حيث تظن أن بإمكانها أن تصرف مكاسبها من الأزمة وعلى حساب خوف المواطنين، ويمكن لها صرف ذلك بعد فيروس كورونا حين تتمظهر الكارثة المصرفية الاحتيالية بأبهى صورها.

وقد جاء فيروس الكورونا كهدية من السماء، فالمصارف وأحزاب السلطة الحاكمة في حكومة الرئيس حسان دياب والطبقة الحاكمة فاحشة الثراء الممسكة بمفاصل القرار في الدولة اللبنانية، كلهم، جاءهم فيروس كورونا هدية مجانية من حيث لا يحتسبون.