ثورات شبابية وشيخوخة سياسية

ثورات شبابية وشيخوخة سياسية

تظاهرة شبابية ضد النظام في البحرين (أ.ف.ب)

موجة الحراك الشعبي، التي انطلقت في تونس أواخر العام 2010، معلنة بدء "الربيع العربي"، تميزت بعودة جيل الشباب بقوة إلى الانخراط في السياسة وقضايا الشأن العام في بلدانهم، بعد عقود طويلة نُزعت فيها السياسة من المجتمع، وباتت حكراً على الأنظمة. فكانت انتفاضات وثورات "الربيع العربي" ذات طابع شبابي بامتياز، وأطلقت سيلًا من الآمال بأنّ ربيعًا حقيقيًا سيصنعه الشباب، ينتظر تلك البلدان التي عانت ما عانته من عسف الاستبداد والدكتاتورية.

كانت الثورات العربية ذات طابع شبابي أطلق سيلًا من الآمال بأنّ ربيعًا حقيقيًا سيصنعه الشباب

جاءت النتائج مخيّبة، وليس هذا مجال نقاش الأسباب. ما تحاوله هذه السطور، هو الإشارة إلى سمة مشتركة بين المحطات "الربيعية" المختلفة، يجدر الوقوف عندها. فقد وجد الشباب الثائر نفسه محاصراً بين أنظمة شاخت وبلغت من القمع والفساد عتيّا، لم توفّر جهدًا في سحق تحرّكه بوحشيّة، وبين معارضاتٍ لا تقلّ شيخوخةً عن النظم التي تُعارضها وتقدّم نفسها بديلًا عنها، سعت بدورها لاحتواء حراك الشباب بغية تجييره وفق مصالحها وأجنداتها، فكان لأدواتها البالية وخطابها الخشبي والعقلية التسلطية المستحكمة بها، تأثيراً بالغ السلبية على ثورات الشباب، ساهم بهذا القدر أو ذاك في المآلات الكارثية التي نشهدها اليوم.

في تونس، أفضل نماذج "الربيع العربي" وأقلها كلفةً ودموية، إذ أُنجزت فيها سريعًا أولى مهام الثورة، ممثلةً بإطاحة رأس النظام، ثم الشروع بعملية سياسية ديمقراطية، أُقصي شباب ثورة الحرية عن المشهد السياسي، لصالح "نخب" هرمة من النظام الساقط وكذلك من المعارضات المزمنة، أعادت معًا إنتاج التركيبة السياسية للنظام القديم، بصورة أفرغت ثورة الشباب من محتواها التغييري، وباتت المحصلة أقرب ما تكون إلى تغيير شكلي، اقتصر على قمة هرم النظام، ولم يتغلغل عميقًا في بنية السلطة ذاتها وآليات إنتاجها وتوزيعها.

كذلك حال النموذج الأسوأ، في سوريا، حيثُ الكارثة الإنسانية المهولة والتكلفة الأعلى في التاريخ التي تطلبها بقاء أو رحيل دكتاتور، لم يكن حظّ شبابها المنتفض أفضل حالًا مع المعارضة السياسة الهرمة، يمينها ويسارها، على مختلف التلاوين الأيديولوجية. فكأنّ وحشية النظام في قمع الثورة ودفعه البلاد إلى أتون الفوضى والاقتتال الأهلي، وانكشافها على التدخلات الخارجية، وتغلغل مجانين الجهاد العالمي فيها، كأنّ كل هذه المصائب لم تكن كافية، لتضاف إليها تخبطات عجائز المعارضة، وخلافاتهم "التاريخية" وأمراضهم الموروثة من حقب العمل السري المديد. 

بقاء الزعيم العربي "التاريخي" على كرسيّ الحكم، يقابله خلود زعيم معارض "تاريخيّ" أيضا

عدا عن الآثار الطبيعية للتقدّم بالسن، والتي بلا شك ترخي بثقلها على أداء "القادة التاريخيين"، مع إصرارهم على مواصلة الحديث باسم "الثورة" والتغني بتضحيات الشباب الثائر. ذلك الشباب الذي لا يعدو تمثيله في هيئات المعارضة السورية أن يكون مجرّد "ديكور" تزييني لا أكثر، كحال التمثيل النسوي فيها. وتتناغم المعارضات على اختلافها في تهميش الشباب، والتعامل معهم بأبوية سلطوية. في أحسن الحالات، حين يُتاح لشاب أداء دورٌ ما، تجد أنّ إحدى أهم مؤهلاته كانت وراثته الأمينة للخطاب والعقلية وأدوات العمل الشائخة نفسها.

على أنّ ما أشرنا له كعارض تشاركت فيه بلدان "الربيع العربي" ليس حكراً عليها، وإنما يمتد ليشمل أنظمةً ومعارضات ضاربةً في خلودها واستقرارها في غير بلد عربي، والأمثلة أكثر من أن تحصى حتى في "الثورة الفلسطينية".

 حين يُتاح لشاب أداء دورٌ سياسي ضمن تنظيمات شائخة، فإحدى أهم مؤهلاته هي وراثته الأمينة للخطاب والعقلية وأدوات العمل الشائخة نفسها

إنّ بقاء هذا الزعيم العربي "التاريخي" أو ذاك على كرسيّ الحكم لعشرات السنين، يقابله خلود زعيم معارض "تاريخيّ" أيضاً، يوازيه في عمره القيادي بل ويزيد عليه في كثير من الحالات. وكلّما زادت شيخوختهما زاد التشبّث بالمنصب، وبالآراء أيضاً. اللافت لدى أكثر هؤلاء رفضهم الاعتراف بحقيقة تقدمهم في العمر، وتالياً صرف النظر عن فكرة التقاعد أصلاً، وثالثة الأثافي حين يرون أن فشل سياساتهم في تحقيق أهدافها إنما سببه "الآخرون"، وليس لخلل فيها أو لأنهم ما عادوا، بإمكاناتهم وأدواتهم وعقلياتهم، مؤهلين للتصدّي للمهام والاستحقاقات التي فرضتها مجريات الأحداث.

لا شكّ أن التقاعد تجربة قاسية يمرّ بها أي شخص، وقد تترك آثاراً نفسية سلبية عليه نظراً لفقدانه شيئاً من المزايا والقيمة الاجتماعية التي كان يحققها خلال حياته العملية. لكن، إذا كانت "المصلحة الوطنية" التي يزعم كل زعيم سياسي أنّه "أفنى عمره" في سبيلها هي غايته، أفلا تستحقّ منه أن يقدّم لأجلها تضحيةً أخيرة بأن يتقاعد، ويفسح المجال لجيل الشباب، مفجّر الثورات وحطبها، وموضوع خطابات عجائزها.