ثم مات المعزون جميعًا

ثم مات المعزون جميعًا

يمني يغطي جثة متفحمة، تحت أنقاض القاعة التي تعرضت لضربات الجوية، في صنعاء (Getty)

لم تكد دموع اليمنيين تجف على ضحايا مجزرة قاعة العزاء الكبرى بصنعاء، والتي أودت بحياة أكثر من 140 شهيدًا وأكثر من 500 جريح، حتى شهدت مأرب وفي أقل من أسبوع على حادثة عزاء صنعاء حدثًا مروعًا آخر: تفجير مجلس عزاء اللواء عبد الرب الشدادي بعبوة ناسفة.

الحادثتان أفصحتا عن التردي الأخلاقي الرهيب الذي صاحب هذه الحرب، وهو ما كان من قبيل المسكوت عنه، من باب "لا تعايرني ولا أعايرك"، وهو الباب الذي أوصد على الضحايا المدنيين وفي تعز تحديدًا فرص تقديم مظلوميتهم المستبعدة من خطط اللاعبين المؤثرين دولًا ومنظمات.

الحادثتان أفصحتا عن التردي الأخلاقي الرهيب الذي صاحب هذه الحرب، وهو ما كان من قبيل المسكوت عنه، من باب "لا تعايرني ولا أعايرك"

خلال أشهر الحرب الثمانية عشر، قتل الحوثيون مئات المدنيين في تعز دون أن يرف لهم جفن، وكالأسواق والمدارس والمساجد لم تكن مجالس العزاء استثناءً في هذا، وكنت قد تحدثت عن هذا في مقال سابق، وهو الأمر الذي كان بيانه صعبًا مع التمترس القائم، ومعادلة الكذب والكذب المقابل؛ التي رخصت دماء الضحايا بالتسويق والمتاجرة، مع ضآلة التوثيق والاهتمام الإعلامي والسياسي لما لا يقع ضمن مركزية صنعاء والرياض.

لذا لم يكن غريبًا هذا الاهتمام الدولي بمجزرة القاعة الكبرى، فبالإضافة إلى مركزية صنعاء السياسية والإعلامية، أضاف النفوذ الذي تحظى به كثير من الشخصيات التي استهدفت بالقصف، وتعداد الضحايا، وعنصر الإغراء في الابتزاز لدى دول التحالف، أهمية أكبر على الحادثة التي لم تحظ مثيلاتها به، ومنها تفجير عزاء مأرب الذي أضاف لأسرة الشدادي راحلين جدد؛ وكأن الحرب في طريقها للإجهاز على ما تبقى من هذه الأسرة.

اقرأ/ي أيضًا: الحوثيون وصالح: الرياض بعيدة.. تعز أقرب!

لا يسعنا البت فيما إذا كان اليمنيون قد أفاقوا حقًا على حجم مأساتهم تأثرًا بما نقلته شاشات التلفزة ووسائل الإعلام، كما لا يسعنا الشك للحظة أن المليشيات التي فجرت هذه الحرب عازمة على السلام العادل أو نصف العادل، فهذه العصابات خلقت لتغزو وتنهب وتحكم عنوة وتستأثر وهي لا تفهم الشراكة إلا بصفتها امتثالًا وانسحاقيًا لأمراضها وعقد الاصطفاء التاريخية!

أيًا كانت المرارة التي نعيشها يصبح التفكير بمآل السلام المجحف مع نمط كهذا ضربًا من السبهللة والغباء

أنا واثق من ذلك، وواثق أيضًا أن المليشيات لو خيرت بين إنقاذ اليمن على حساب السلطة فلا مانع لديها في أن يقتل نصف اليمنيين في الحرب ويقتل نصفهم الباقي في مجالس العزاء، ما دامت موضة القتل غدت على هذا النحو، وهذه ترجمة بديهية لجماعة شعارها "الموت".

لذا؛ أيًا كانت المرارة التي نعيشها يصبح التفكير بمآل السلام المجحف مع نمط كهذا ضربًا من السبهللة والغباء السمج، يضاف إليه السماح باستثمار هذه المعركه لتخليق نموذج شبيه في القتل والعربدة باسم قداسة الحرية والانعتاق.

إنها معادلة مجحفة أن نخير بين القبول بوصفة الموت محاربًا أو مسالمًا أو معزيًا، أو القبول بسلام يعيد إنتاج الحرب أو أن يخضع الشعب لاستعباد عصور الظلام البائدة، فيجب إنهاء هذه الحرب، نعم وبشدة، لكن ليس بالتسوية على حرب جديدة.

اقرأ/ي أيضًا:

بلقنة الشرق الأوسط

عملية إماتة القلب.. تمت بنجاح