ثمار الإعدام

ثمار الإعدام "الشعبي" الغريبة.. تاريخ الأفارقة الأمريكيين على المقصلة البيضاء

كان البيض يحتشدون للتفرج على الأجساد الأفريقية الأمريكية المعلقة بعد إعدامها (Getty)

ارتبطت ظاهرة الإعدام الشعبي للسود الأمريكيين، بأكثر المراحل الدموية في تاريخ الولايات المتحدة. وبغض النظر عن المسببات الحقيقية غير الموجودة غالبًا للقتل، فإن الإعدام لم يكن مرتبطًا بالعقاب، وإنما بطقس كامل من الفرجة الجماعية على الدم، ومن النشوة التي يجتمع عليها نساء ورجال وأطفال، في إطار تغذية شوفينية الوعي الجمعي "الأبيض". كان مئات الأمريكيين البيض، وأحيانا آلاف منهم، يحتشدون في مشاهد من الأقسى في التاريخ المعاصر، لمشاهدة أجساد سوداء تتدلى من أغصان الأشجار العالية، كأن جثثهم المشنوقة والمتورمة تبدو فيما لو كانت ثمارًا ناضجة وغريبة، كما وصفتها كلمات أغنية بيلي هوليدي الشهيرة "Strange Fruit". في هذا النص المطول المترجم عن صحيفة "الغارديان" البريطانية، يضع ألترا صوت القارئ أمام موجز لواحدة من أقسى تجارب الإبادة في التاريخ الإنساني الحديث.


ما هي عمليات الإعدام الشعبي خارج نطاق القانون؟ يتفق المؤرخون على أن الإعدام الشعبي خارج نطاق القانون كان طريقة لفرض رقابة اجتماعية وعنصرية تهدف لإرهاب الأمريكيين السود وإجبارهم على الخضوع، وحشرهم في طبقة عرقية متدنية. مورست تلك العمليات على نطاق واسع في جنوب الولايات المتحدة منذ عام 1877 تقريبًا، بعد انتهاء مرحلة إعادة الإعمار التي تلت الحرب الأهلية، وحتى عام 1950.

كان الضحايا من الأفارقة الأمريكيين يُحتجزون ويتعرضون لكل طرق التعذيب الجسدي التي يمكن تخيلها، وينتهي هذا التعذيب عادة بتعليقهم على شجرة وإشعال النار فيهم

كان الشكل التقليدي لتلك العمليات يتضمن اتهامات جنائية، مشكوك فيها غالبًا، ضد أمريكي أسود، واعتقاله، واجتماع "عصابة الإعدام" عازمين على  تقويض العملية القضائية الدستورية العادية.

كان الضحايا يُحتجزون ويتعرضون لكل طرق التعذيب الجسدي التي يمكن تخيلها، وينتهي هذا التعذيب عادة بتعليقهم على شجرة وإشعال النار فيهم. وفي أغلب الحالات، شوهت جثامين الضحايا وقام أعضاء عصابات الإعدام بأخذ قطع من أجسامهم وعظامهم كتذكار.

وفي حالات كثيرة، كانت عصابات الإعدام تتلقى مساعدة قوات الشرطة وتحريضها، في الواقع عادةً كانوا نفس الأشخاص. كان الضباط يتركون زنزانة سجين أسود بدون حراسة بعد أن تبدأ الشائعات حول قتله بلا محاكمة في الانتشار، للسماح لأفراد عصابات الإعدام بقتله قبل إجراء أي محاكمة أو دفاع قانوني.

اقرأ/ي أيضًا: اعتذاريات ناشيونال جيوغرافيك.. اعتراف متأخر بعنصرية تاريخية

ما الذي كان يحفز "سيرك" الإعدام؟
كان أحد المحفزات الرئيسية، والتي كانت لا تكون حقيقية إلا في أحيان قليلة، هو أي ادعاء بالاتصال الجنسي بين الرجال السود والنساء البيض. كانت ولا تزال الصورة المجازية للرجل الأسود الفاحش مفرط الرغبة الجنسية، وخاصة تجاه حرمة وعفة النساء البيض، واحدة من أكثر الأفكار المتعلقة بالتفوق  العرقي الأبيض المزعوم رسوخًا.

ووفقاً لمبادرة المساواة في العدالة (EJI)، اتُهم ما يقرب من 25% من ضحايا القتل بلا محاكمات بالاعتداء الجنسي، وما يقرب من 30% منهم اتُهم بالقتل. في حين كتب المؤرخ هوارد سميد في كتابه Blood Justice: The Lynching of Mack Charles Parker: "أرادت العصابات أن يحمل الإعدام الشعبي خارج نطاق القانون أهمية تتجاوز فكرة العقاب نفسها". لقد حولت العصابات هذا الفعل إلى "طقوس رمزية يصير فيها الضحية الأسود ممثلًا عن عرقه، وبالتالي، كان يتم تأديبه لأكثر من جريمة واحدة.. كان ذلك الفعل القاتل بمثابة تحذير للسكان السود من تحدي سيادة العرق الأبيض".

كم حالة وقعت في أمريكا؟
بسبب طبيعة عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، أي الإعدام بإجراءات موجزة وقعت خارج قيود التوثيق الذي يجري عادة في المحكمة، لم يكن هناك تتبع رسمي ومركزي لهذه الظاهرة. ويعتقد معظم المؤرخون أن هذا أدى إلى نقص حاد في تقدير العدد الحقيقي لعمليات الإعدام.

لعقود من الزمن، كان مصدر العدد الإجمالي الأكثر شمولاً هو محفوظات معهد توسكيجي، الذي قام بجدولة بيانات 4,743 شخصًا قضوا على أيدي عصابات الإعدام الأمريكية بين عامي 1881 و1968. ووفقًا للأرقام الصادرة عن المعهد، فإن 3,446 من الذين أُعدموا، ثلاثة أرباعهم تقريبًا، كانوا أمريكيين سود.

قامت مؤسسة المساواة في العدالة، والتي اعتمدت على أرقام معهد توسكيجي في بناء إحصاءاتها الخاصة، بدمج مصادر أخرى، مثل أرشيفات الصحف وغيرها من السجلات التاريخية، لتصل إلى ما مجموعه 4,084 عملية إعدام تعسفي في 12 ولاية جنوبية بين نهاية إعادة الإعمار من عام 1877 إلى 1950، ووقوع 300 عملية أخرى في ولايات أخرى.

ولكن على عكس بيانات معهد توسكيجي، تحاول مؤسسة المساواة في العدالة في إحصائها استبعاد الحوادث التي اعتبرتها أعمال "عنف العصابات"، والتي كانت تعقب محاكمةً جنائيةً مشروعة أو التي "لم ترتكب ضد الأقليات وبدون تهديد الإرهاب".

اقرأ/ي أيضًا: عنصرية ضد اللاجئين في أوروبا.. من المهاجرين أيضًا!

أين وقعت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون؟
كما هو متوقع، كانت الإعدامات خارج نطاق القانون تتركز في الولايات الكونفدرالية سابقًأ، وخاصة في تلك التي تحظى بكثافة سكانية كبيرة من السود. وفقًا لبيانات مؤسسة المساواة في العدالة، سجلت ولايات ميسيسيبي وفلوريدا وأركنساس ولويزيانا أعلى معدلات الإعدام الشعبي خارج نطاق القانون في الولايات المتحدة. وسجلت الولايات ميسيسيبي وجورجيا ولويزيانا أكبر عدد من حالات الإعدام خارج نطاق القانون.

من كان يحضر هذه الإعدامات؟
ومن بين أكثر الحقائق إزعاجًا في عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، هي درجة تبني الأمريكيين البيض لها، ليس من قبيل الضرورة غير المريحة أو كوسيلة للحفاظ على النظام، بل كلحظة مبهجة من الاحتفال النافع.

كُتب في مقالة افتتاحية عام 1930 في صحيفتي رالي نيوز وأوبزيرفر:  "كانت العائلات تجتمع ببعضها، الآباء والأمهات، بل وكانوا يحضرون أطفالهم الصغار. كان بمثابة عرض في منطقة ريفية، عرض مُحبب للغاية". وجاء أيضًأ "كان الرجال يمزحون بصوت عالٍ أمام الجسد النازف.. والفتيات يضحكن بينما الذباب يتغذى على الدم الذي يسيل من أنف الزنجي".

وما يزيد من بشاعة المشهد، أن ضحايا الإعدام كانوا يتعرضون عادةً لتمزيق أجسامهم إلى قطع يأخذها أعضاء العصابات كغنائم.

في سيرته الذاتية، يكتب دو بويز عن إعدام سام خوس في جورجيا عام 1899. ويذكر أن مفاصل الضحية كانت معروضة في متجر محلي في شارع ميتشل في أتلانتا، وأن قطعة من قلب الرجل وكبده قدمت لحاكم الولاية.

عند إعدام رايموند غون في عام 1931 في مدينة ماريفيل بولاية ميزوري، قُدر عدد الحشود بـ 2000 إلى 4000 شخص، ربعهم على الأقل من النساء، ومن بينهم مئات الأطفال. كتب آرثر رابر في كتابه The Tragedy of Lynching أنه "كان هناك امرأة ترفع ابنتها الصغيرة حتى تتمكن من رؤية الزنجي العاري المشتعل المتدلي من السقف بشكل أفضل".

بعدما انطفأت النيران، اقترب المئات من الرماد لأخذ هدايا تذكارية، يقول رابر في كتابه: "قٌسمت بقايا الضحية المتفحمة قطعة تلو الأخرى".

تبنى الأمريكيون البيض الإعدام الشعبي، ليس من قبيل الضرورة غير المريحة أو كوسيلة للحفاظ على النظام، بل كلحظة مبهجة

كيف كان السياق السياسي آنذاك؟
حين برزت عمليات الإعدام الشعبي خارج نطاق القانون إلى الواجهة في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن إلا أحدث صيحات الموضة يلجأ إليها الإرهاب العنصري ضد الأمريكيين السود. وقد اعتاد المزارعون البيض منذ أمدٍ طويلٍ على استخدام العنف الذميم والظاهر بشكلٍ صارخٍ ضد المستعبدين، في محاولة منهم لقمع أدنى شائعات تروج عن محاولة التمرد.

في عام 1711 ، بعد محاولة تمرد فاشلة خارج نيو أورلينز، على سبيل المثال، قام البيض بتزيين الطريق المؤدي إلى المزرعة حيث فشلت العملية، بالرؤوس المقطوعة من السود، واعترف العديد من المزارعين في وقت لاحق، بأن العديد من هؤلاء الضحايا لم تكن لهم أي صلةٍ بمحاولة التمرد.

ولم تكن هذه الظاهرة خاصة بالجنوب فحسب. وبعد عام من ذلك، تدخلت السلطات الاستعمارية في مدينة نيويورك، وقامت بتقييد وحرق وقتل 18 من السود المستعبدين، من خلال استخدام طريقة عتيقة في التعذيب تعرف بالعجلة، بتهمة التآمر من أجل استرجاع حريتهم.

وواجهت مجتمعات السود الأحرار هي أيضا التهديد المستمر، لأعمال الشغب العنصري والمجازر المنظمة على يد عصابات البيض طيلة القرن التاسع عشر، مع استمرارها في حقبة الإعدام الشعبي بلا محاكمة.

ومن بين أشهر هذه الأحداث، تبرز قضية هلاك تولسا بأوكلاهوما، في حي غرينوود في عام 1921، بعد اتهام رجلٍ أسودٍ زورًا باغتصاب امرأة بيضاء في مصعد. وكان يشار إلى حي غرينوود أحيانًا باسم "بلاك وول ستريت" نظرًا لحيويته الاقتصادية قبل وقوع المجزرة. يُعتقد وفقًا لجمعية تولسا التاريخية، أن 100 إلى 300 من السود قتلوا على يد عصابات البيض في غضون بضع ساعاتٍ.

وقد تسببت أحداث مماثلة، مثل التنظيم لأعمال الشغب في نيويورك خلال الحرب الأهلية إلى غيرها من الأحداث في نيو أورليانز ونوكسفيل وتشارلستون وشيكاغو وسانت لويس، في مقتل مئات من السود.

لم تعاقب الغالبية العظمى من المشاركين في الإعدام بلا محاكمة، وذلك بسبب الموافقة الضمنية من قِبل السلطات

عادة ما يتم ربط بداية عهد الإعدام شنقًا خارج نطاق القانون بعام 1877، وهو عام تسوية تيلدن-هايز، التي يَنظرُ إليها معظم المؤرخين على أنها النهاية الرسمية لعهد إعادة الإعمار في جنوب الولايات المتحدة. من أجل تسوية انتخابات رئاسية شائكة ومتنازعٌ عليها بين الجمهوري راذرفورد هايز والديمقراطي صموئيل تيلدن، وافق الجمهوريون الشماليون على سحب القوات الفيدرالية من آخر الولايات المتمردة سابقاً.

وقد أثرت هذه الخطوة من الناحية الفنية على ساوث كارولينا ولويزيانا فقط ، لكنها كانت من الناحية الرمزية، بمثابة إشارة إلى الجنوب، بأن الشمال لم يعد ملتزمًا بالكونفدرالية السابقة التي تعِد بالجنسية الكاملة للسود المحررين، مما قدم الفرصة للجنوب، للتراجع عن هذا التعهد. وقد تسبب قرار نهاية إعادة الإعمار في انطلاقة حملة واسعة من الإرهاب والقمع العنصري ضد الأميركيين السود المحررين حديثًا، وكان الإعدام الشعبي بدون محاكمة يشكل قطب الرحى في تلك الحملة القمعية.

هل عوقب الأشخاص الذين نفذوا عمليات الإعدام خارج نطاق القانون؟
لم تعاقب الغالبية العظمى من المشاركين في الإعدام بلا محاكمة، وذلك بسبب الموافقة الضمنية من قِبل سلطات إنفاذ القانون، ثم لأن عمليات القتل هذه نفذت جماعيًا بمشاركة العشرات إن لم يكن المئات. ومع ذلك، لم يكن العقاب على الجرائم غائبًا تمامًا، وإن كان في معظم الوقت، في حالة محاكمة أو إدانة القتلة البيض، يتم بتهمة الحريق المتعمد أو أعمال الشغب، أو بعض الجرائم البسيطة الأخرى.

ووفقًا لـ EJI/مبادرة المساواة في العدالة فإنه من بين جميع عمليات الإعدام شنقًا دون محاكمة التي ارتكبت بعد عام 1900، 1% فقط من هذه المحاكمات انتهت بإدانة القتلة بجريمة جنائية من أي نوع كانت.

متى وكيف انتهت عمليات الإعدام الشعبي خارج إطار القانون؟
تباطأت وتيرة حالات الإعدام خارج إطار القانون في منتصف القرن العشرين مع مجيء حركة الحقوق المدنية. حققت الجهود المناهضة للإعدام  الشعبي خارج إطار القانون، التي قادتها المنظمات النسائية في أغلب الأحوال، أثرً ملموسًا وساعدت في توليد دعم أبيض ساحق لمشروع قانون رافض للإعدام خارج إطار القانون بحلول عام 1937 (رغم أن هذا التشريع لم يمر بسبب مماطلات أعضاء الكونغرس الجنوبيين الذين انشقوا عن الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ). لعبت أيضًا الهجرة الكبيرة للسود من الجنوب إلى المناطق الحضرية في الشمال والغرب دورًا رئيسيًا. إذ إن الرحيل الجماعي لما يقرب من ستة ملايين مواطن من الأمريكيين السود في الفترة بين 1910 و1970 كانت مدفوعة بالإرهاب العنصري واقتصاد زراعي متراجع، وكذلك من قبل وفرة كبيرة في فرص العمل الصناعية.

كان العام 1952 الأول الذي لا يشهد وقوع حالات إعدام شعبي خارج إطار القانون منذ أن بدأ الناس في تقفي المسألة. وعندما حدث مرة أخرى في عام 1953، علقت تجربة توسكيجي جمع بياناتها، مشيرة إلى أنه بالمفهوم التقليدي، لم تعد حالات الإعدام خارج إطار القانون مقياسًا مفيدًا "لقياس وضع العلاقات بين الأعراق في الولايات المتحدة".

ولكن من أجل تسليط الضوء على الموجات الجديدة الكبيرة من الوحشية التي كانت تستقبل حركة الحقوق المدنية الوليدة، واصلت توسكيجي تقريرها النهائي عن الإعدام خارج إطار القانون الذي أفاد بأن الإرهاب كان يستبدل الأوضاع عن طريق "تطوير وسائل أخرى خارج القانون من أجل السيطرة، مثل التفجيرات، والإحراق عمدًا، والتهديدات، والتخويف".

شبح اعتبار طقوس وفاة السود شأنًا عامًا أو تسلية لم ينته مع عصر الإعدام خارج إطار القانون

يجادل أشرف رشدي في كتاب "نهاية الإعدام خارج إطار القانون في أمريكا" (The End of American Lynching): "أن العنف المعني بالتصرف كنوع من الإرهاب والسيطرة الاجتماعية قد أصبح أقل جماعية. يمكن للأفراد والمجموعات الصغيرة أن يلقوا القنابل، وأن ينفذوا عمليات إطلاق نار أثناء قيادة السيارات، وأن يشعلوا النيران في المنازل"، مثلما أثبتت عودة كلو كلوكس كلان وجماعات الكراهية العنيفة التي تضم البيض. رغم هذا، لا يمكن تحديد نهاية الإعدام خارج إطار القانون بشكل أكاديميٌ بحت. وبينما لم ينته العنف الذي يستهدف السود مع عصر الإعدام خارج إطار القانون، فإن عنصر مشاهدة الجمهور والمشاركة المفتوحة بل والاحتفالية كان ظاهرة اجتماعية فريدة لن يعاد احياؤها بنفس الطريقة.

وعلى الرغم من هذا التحول، فإن شبح اعتبار طقوس وفاة السود شأنًا عامًا، وهو شيء استطاع الناس المشاركة فيه بكل ثقة دون عدم إخفاء أسمائهم وكان من الممكن أن يُنظر إليه على أنه تسلية، لم ينته مع عصر الإعدام خارج إطار القانون.

من اتخذ موقفًا ضدها في هذا الوقت؟
بصفة عامة ولاسيما في مرحلة مبكرة، كتبت الصحافة البيضاء متعاطفة مع الإعدام الشعبي خارج إطار القانون وضرورته للحفاظ على النظام في الجنوب. نشرت صحيفة ميمفيس إيفيننج سيميتار في عام 1892:

بعيدًا عن انتهاك النساء البيض عن طريق السود (استخدمت الصحيفة لفظ "الزنوج" الذي كان متداولًا آنذاك)، وهو انحراف وحشي عن الغريزة، فالمسبب الرئيسي للمشاكل بين الأعراق في الجنوب هو افتقار السود للأخلاق. ففي وضع الاسترقاق، تعلموا الأدب من التعاون مع البيض الذين حملوا على عاتقهم آلام تعليمهم. منذ أن جاءت الحرية وانهار ارتباط المصالح والاعتبارات المشتركة بين السيد والخادم، انحرف السود نحو حالة لا هي حرية ولا هي عبودية.

وبالتالي يوجد عديد من السود الذين يستغلون كل فرصة ليجعلوا أنفسهم عدوانيين، ولا سيما عندما يعتقدون أن هذا يمكن القيام به مع الإفلات من العقاب.

لدينا عديد من الأمثلة هنا في ممفيس تشكك في هذا، وتجربتنا ليست استثنائية. لن يساند البيض مثل هذه الأشياء...  والاستجابة ستكون فورية وفعالة.

على الجانب الآخر، يمكن القول إن صحافة السود كانت القوة الأساسية في مواجهة هذه الظاهرة.  كانت إيدا ويلز، الصحافية بصحيفة ممفيس، من أكثر المدافعات عن مناهضة الإعدام خارج إطار القانون في تاريخ الولايات المتحدة وأكثرهم إخلاصًا للقضية، وقضت 40 عامًا في مهنة الكتابة بحثت خلالها عن فظائع هذه الممارسة وتحدثت عنها. عندما كانت امرأة صغيرة، سافرت إلى الجنوب لشهور، ونظمت سجلات لحالات الإعدام خارج إطار القانون وجمعت البيانات التجريبية.

أصبحت ويلز في نهاية المطاف مالكة صحيفة ممفيس فري سبيتش آند هيدلايت قبل أن تطردها العصابات البيضاء من المدينة وتنتقل إلى نيويورك ثم إلى شيكاغو.

وفي النهاية، بدأت عديد من الصحف والمجلات في تغيير دفتها مع السلوكيات الشاملة للبيض بشأن الإعدام خارج إطار القانون. إذ كتبت صحيفة كانساس سيتي ستار في صدر افتتاحيتها "وصمة عار على ميزوري"، وذلك بخصوص عملية الإعدام خارج إطار القانون التي وقعت عام 1931 في مدينة ماريفيل، ميزوري بحق ريموند جون. 

وقد جاء في جزء منها:

الإعدام الشبعي  خارج إطار القانون في ماريفيل كان بشعًا كأبشع ما يكون الإعدام. الإعدام خارج إطار القانون في ذاته يعتبر وصمة عار مخيفة على جبين الحضارة الأمريكية. كما أن الإعدام خارج إطار القانون عن طريق  الحرق هو الانتقام الذي يعود  إلى ماض وحشي… إن الغضب المريض أكثر بؤسًا لأنه بكل بساطة كان من الممكن منعه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل استطاع مارتن لوثر كينج تحقيق حلم حياته؟

عنصرية ترامب ضد المهاجرين السود تفتح ملف الجرائم الأمريكية في أفريقيا