24-يوليو-2022
جوان ميتشيل

لوحة لـ جوان ميتشيل/ أمريكا

1

 

كثيرٌ في قليلٍ ما أراه

كلُّه مشوّه كشاعرٍ غاب

أرى جنائزَ تبرَّأت من أقدامِ السائرين

ووجوهًا أرهقتها قترة

أما الغبارُ فاستُبدِلَ بالجلود

 

يقظةٌ بعد التي مضت

كالغروبِ حين استدراكِه

تُحمِّلُ الأشجارَ ذنبَ هذا الزحام

تؤتي حزنها عند كلِّ مغرب،

وتسافرُ عبر مراكب خيالية/

تخلو من الأزواج..

الدائرُ؛ ثابتٌ كليلٍ بعد ليل

 

أضناني بصرٌ طويل،

وعدَّدَ جُرحَ هذي الأرصفة

كتعداده للساجدين على رملٍ مبلل

من تبنّوا جُنحَةَ النخل القديم

فثارَت فيهم حدّة الطبع،

وماتت في سكونٍ أجسادُهم

 

عرفَ الخائضُ جحيم التردُّدِ

لم يعزل نفسَه عن الخوض

لكنّه استتر في خُصِّ صيادٍ

ظلَّ يتلصصُ على العبارات،

ويُسائلُ المناخَ عن تلك النساء

اللواتي لم ينتبهن للمواعيد

 

لم يعبُرن

انكببن على ندوبِ رجالٍ

خنقتهم قيامةٌ خبيئة

استأذبَت في أنفُسِهم شهوةُ الصلاةِ

من أجلِ هذا اليتم

من أجلٍ أعرافٍ تخطَّفَت الأسئلة..

 

الرجلُ الذي تشربُ مداركُه هذا السراب

يرتدي نظّارةً ترى الأسماءَ صفاتٍ أخرى/

ليس مُتاحًا للأسماءِ سوى اللمس؛

فكلُّ معنى يحتكُّ باسمٍ يفنى،

وتؤبّنهُ صيحاتُ الفقراء المُبدَّدين في الأصوات..

هل اتَّضَحَتْ رغبةُ القبرِ يومًا؟

 

هذا المحمّلُ ببُخارِ اللغةِ

جرَّدَه الشيبُ من لونٍ حائرٍ

أما محاولاتُ التخفُّفِ؛

دفنتها تراتيلُ المؤمنين،

وهالت الترابُ عليها نواياهم

العارفون لهذا تشنجوا

باؤوا بألمٍ من زفيرهم والشهيق

النارُ أولى نعوتهم الهشة

الماءُ آخرُها وحاجتهم للشعور

 

كان يبحثُ عن خبرٍ

في كلِّ سيدةٍ تردُّ التحيةَ على تأجيلِه،

وتمرُّ صريعةً

فتحيّاتُ الصعاليكِ غواية

نهاراتهم كأُنهرِهم جدل؛

تدركُ في المساءِ ربًّا،

وفي الصباحِ تنكرُه..

 

المرئيُّ هذا كُلِّه ملتفٌّ

بمعاطف صفراء غامقة

تذبحُ عافيةَ العيون التي تجيد الانعكاس

 

ضبَّتْ أضواءُ الرجال الصالحين

هوَت من علٍ ساجيةً

الناسُ والحرَّاسُ يشاهدون كيف هوَتٍ

يضحكون مثلما تفعل الصحراءُ احتفاءً

بلمعةِ أقدامِ الإنسِ حين تمرُّ بها

بعد أن تُلاحقها خيبةُ المدن..

 

يستفيقُ ارتداد الجماعة على الواحد؛

ليصيرَ الحديثُ انتباهًا عفويًا

يذوب في خزائن الواحدِ؛

فيصيرُ الواحدُ

يدًا أخرى للكلام النسيّ

تحملُ كلَّ الجبال

تمشي خطوةً أو خطوتين..

ثم تصيرُ أسطورةً

لقومٍ يرتجون روايةً

فلا يجدون إلًا خرسًا طويلًا

ويتجددون رمزًا للسراب،

ولا ينتهون..

 

2

 

كما يرى السيدُ وجهَ العبيد

حين تغيِّبُهم الصدف

أرى خطواتي/ شبابي،

وألقابًا حفظتُها جماحًا..

دون أن تُنسيني المشاويرُ

استعلاءَ الأفعال، وفكرةَ غيمي

عن صحراءٍ محمّلةٍ بمن غدرَتْ بهم الأنساب

 

وردٌ على الشُّرُفاتِ

يسائلُ هذا الجسد المُتعَب

عن هجرة اللوزِ المؤجَّلَةِ

عن زيارات الأصدقاءِ الثقيلة

عن التحديق الخاشع في غبار الذاهبين

عن بقاءٍ أبقتهُ الخوابي أخرسًا

عن كلِّ ظلٍّ ذبحته سكينُ الرواية

فانتفى..

 

الأصدقاء يرجون مكانًا للرقصِ غير هذا

فالرمل يحضنُ كينوتَه الزجاجية،

والأرصفةُ صارت أنصالًا حادّة..

أما العيون التي كانت تحدِّق في استعارتنا الطافحة؛

أهلكَها سيفٌ غنّاه الصدى بعد الجنازة..

 

يعلو الحاضرُ نقمةً

يعانقُ سياجًا مؤبّدًا،

ويخفي القصد عن الصابئين/

من سلّموا للخوفِ راياتَهم،

واستسلموا

ثم لم يعبروا لبرٍّ منتَظَر..

 

لأنَّ الأهلّةَ عارٌ،

والخفايا لا تهون..

ولأنَّ أيامًا تركَتْ للخيبةِ أسماءً سمّاها آباؤنا

لأنَّ الوجوهَ بكُلِّها نارٌ تحرقُ الأبجديةَ

صليتُ كثيرًا،

وكثيرًا بكيت..

فصار عمري تاريخًا للبكاء..

 

علّمتُ وليدًا أخّرته الليالي

لهجةَ البدو الضائعين في زحمة المدن الصغيرةِ

كما لم يفعل أبي قبل انبثاقي من عدمٍ تليد،

وتعلّمتُ سرَّ الله في عبيدٍ طيبين؛

لم يخونوا مرّة، ولم يجرف سيلَهُم شكٌّ عريق..

 

حفظتُ التوراةَ

كحفظي الفرق بين تينةٍ وتينة في البلاد؛

لأخطُبَ في مؤمنيهم خطبةَ الأرضِ الحزينة،

والمدى الذي للآخرين والمتأخرين..

من سارت بهم الأسطورةُ

باتّجاهِ القيامةِ مرتيّن/

مرّةً حين اغتالتهم شقوةُ الأيدي،

وأخرى وقتما خلعَ الدليلُ سترتَه عن جسد آيار الذبيح..

 

كان مجهدًا الصعودُ على متن الرواية،

وعلى الأبوابِ طابورٌ من الخاطئين

من صلّوا دون ذنبٍ للرجوع إلى الجنّة

دون أن تتعثّرَ الجبالُ

بتسابيحِ أبٍ سمّته الهواجسُ هابيل

نحن من قتلناك،

وبعد قتلِك صلّينا مرّة أخرى؛

فهل سيقي كفرُنا الأعناقَ شرّ تاريخٍ للصعود؟

 

اسكنينا يا لغات،

علَّ فيك خيمةٌ تلمُّ شتات الصوتِ

أو صوتَ الشتات..

 

3

 

يُعرَفُ منك الغُبار

كأنَّك قُرويٌّ استنشقَتْ المُدُنُ غبار أقدامِه

يُعرفُ منك بحرٌ من دمٍ حارٍّ

مثل أغنيةٍ غنتها الملائكةُ للمسيحِ؛

هدهدته بها

النخلةُ ترقصُ،

ومريم تحلُمُ بالذئابِ التي أغلقَت عيونها.

 

وحدها الشبابيكُ تنهبُ سَرَّ ملامحك

تصنعُ من تاريخِ الصناديق ترانيمًا جديدةً

لمن يتربعون على عرش الصفر

 

إخوةٌ آخرون

يتردَّدون على الشواطِئ

فتُطبَع آثارُ الأقدام على الأوراق

تخبو في المكيال عدالةُ الريحِ،

ولا نراك إلّا محترقًا..

 

عظمُك أسودٌ،

وحولك أسطرٌ من استعاراتٍ

رتّبَها ليلُك خمائلَ تجهلُ الظلَّ،

وتنأى عن مرادات البحرِ الذي في حنجرتِك

وعلى سواحلِ عينيك

 

السيفُ ساءلَ عنقَك يباسًا

كيّ تُريكَ الأوهامُ مَطيّةً فداءً،

وتُناجيك خُيلاءُ غربِك شرقًا؛

يعيدُ حدِّيتَك إلى أدراجِها

يقتلُ في عروقِ الأمثولةِ خيلاءً خلقتها استفهاماتُك

 

على كتفِ النداء المُراد 

نام الصوابُ نوّمةَ مهديٍّ طاب

كأن لم تخُنْهُ سِهامُ ريح سميجة

خلعَ سترتَه،

وباحَ بما بينه والأعشاش

التي بنتها تعاريجُ عمرٍ سهيمٍ رماديةٌ

 

كتمَ المُريدُ عن المُرادِ شجّةَ الأبدِ العريقةَ

 

عدَّدَتْ مرافِدُ المعنى رواةً قتلى

أكدّوا تحوّلَ السيقانِ،

وسرقوا اليُتمَ من الغريب الذي رآهم

في الحُلمِ يكتبونَ سيرةَ الأبوابِ

يرسمونَ مواعيدًا نسيتها النياقُ على النواصي

تغفو،

وتُدرِكُ كم لبثَ العاشقُ منتظرًا

صوتَ صمتٍ في فلاة

 

قال الأصدقاءُ للأصدقاءِ

أنَّ المعروفَ من الجُدرانِ بقايا أثرٍ

لأظهُرٍ قصدَتْ الأسفلَ ببُطءٍ

عرَّت نوايا شجرةِ السروِ القديمة..

 

علِّمني يا وقتَ المقاهي الذي مضى خَطْبَ التسميات الأولى/

حديثَ الغُرَف التي من قشٍّ

وأدخنة تخدعُ مرايا الموتى وقتَ الخلوِّ،

وبعدَ أن تمارسَ الشمسُ حمأتَها..

 

علِّمني إدراكَ العرائشِ

التي كُنّا ننجبُ فيها من أنفُسِنا الحشودَ،

ونؤسس فلسفةً للولادات

ثم تغفو في أوردتِنا الأزمنة..