ثلاثة أيام في مصرف

ثلاثة أيام في مصرف

تجيرد روياس/ هولندا

لدي تجربة شخصية مريرة مع المصارف. تجربة قصيرة جدًا لكنها تركت أثرًا. عندما تخرجت من الجامعة، وبعد "واسطة" كنت معترضًا عليها، قُبِلت كمتدرب في أحد المصارف، مع وعود سخية بالتوظيف. صمدت ليومين بالضبط. في اليوم الثالث لم أذهب. قال أصدقاء حينها إني مهمل، فوضوي، غير مسؤول. ما زلت أسمع مثل هذه الأشياء حتى الآن. لكنها لم تعد تزعجني.

عادةً يخاف الناس من أشياء كثيرة. لا يوجد أحد بلا أي رهاب

لست سعيدًا جدًا بأني عملت صحافيًا وأصبحت كاتبًا. بالتأكيد كان يجب أن أكون شيئًا آخر. لكن تلك الأيام الثلاث تلك كانت مريعة بالنسبة لشخص مثلي. العيش ثماني ساعات يوميًا مع الأرقام، مع التملق، مع الخواء، مع روبوتات. كنت أشعر أني روبوت، وربطة العنق تلتف حول عنقي مثل مشنقة. كان كابوسًا، وترك أثرًا عميقًا.

اقرأ/ي أيضًا: المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

عادةً يخاف الناس من أشياء كثيرة. لا يوجد أحد بلا أي رهاب. هناك من يخاف من الأماكن العالية. هناك أنواع كثيرة من الرهاب. من الكلاب. من مشاهد الدم في الأفلام العنيفة. من المصاعد. من المستشفيات. من المصل. من الزواحف. من أصوات الطائرات الحربية. من الصراصير. من إنفلونزا الطيور. من السير قرب المقبرة ليلًا. من السرطان. من الحرب. من الزحمة في الباص. من الأجانب (الذين يعانون من هذا الرهاب هم الأسوأ). من الشعر على البطانيات البيضاء. من الأمواج المرتفعة والتيارات البحرية. من الرعد. هناك آلاف الأنواع من الخوف ومن الرهاب، لكني لم أقابل أحدًا مثلي يخاف من المصارف. عانيت لكسر الفوبيا من المصارف لاحقًا. والذي يعرفني جيدًا يعرف أني لست أبالغ. ولا أعرف إن كان هناك أشخاص مثلي فعلًا.

لوقتٍ طويل، وعندما غادرت، تخيّلت عدة سيناريوهات مرعبة قد تحدث معي، أو مع أي أحد، عندما أزور المصرف.

السيناريو الأول، ربما تقتحمه عصابة مسلّحة، بينما أكون موجودًا هناك. من يعلم، هذه أشياء تحدث. ولشدة تأثري بالأفلام، في ذلك الوقت، قد أكون واحدًا بين كثيرين، من الذين سيتعاطفون مع العصابة. لكن قد يُطلق الغاضبون النار. وقد يسقط أبرياء. وما الفائدة إذا تمت محاسبتهم. فهم لا يملكون شيئًا، وسيبقى كل ما أخذوه، في هذا السيناريو المتخيّل، أقل بكثير دائمًا مما يملكه المصرف. لكن العالم سيقول دائمًا إنهم هم الذين ارتكبوا الجريمة. وفي حال صودف وحدث شيء مثل هذا، فسأخاف منهم أنا أيضًا. وسيكون مستحيلًا أن أشرح لهم، أنا أو أي أحد، أننا إلى جانبهم، في تلك اللحظة بالذات. لن يمكننا شرح وجهة نظرنا. لا أحد في العالم يعرف التملق مثل المصرفيين.

السيناريو الثاني، قد يشبّ حريق ضخم. وقد يكون مفتعلًا، أو يكون بالصدفة. لا فارق، سيلتهم كل شيء. ولكن قد يُحتجز الناس في الداخل. والجميع يعلم أن الأولوية ستكون إخراج الأموال من المصرف. فكّرت مثلما يفكّر الجميع، لا بد وأن هناك مخابئ سرية في هذا المبنى. وقد تكون هناك أنفاق أيضًا. لكن دائمًا الأولوية ستكون للأوراق، وليست للبشر. وفي حال شبّ الحريق، سيموت كل الذين في الداخل. وبما أننا في عالم ما بعد رأسمالي، لن يسأل أحد عليهم. ستذكر نشرات الأخبار، في مقدماتها البليدة، حجم الخسائر، بالدولار.

السيناريو الثالث، وهو الأخطر. أن أصادف في البهو كومة من الأثرياء أو حتى ربع واحد منهم. لا أستطيع تخيّل ساعاتهم الذهبية، التي غالبًا ما تكون بشعة وعريضة، كما لو أن صاحبها وضع ساعة الحائط في معصمه. لا أحد يرغب بمشاهدة واحد من الذين يدخنون السيجار في الأماكن الضيقة. ويتحدث بتكلف مع أن لا أحد مهتم لسماع ما يقوله. ولا واحد من الذين يجرّون خلفهم مرافقين وسائقين وفضوليين ومرضى نفسيين.

السيناريو الرابع، أن تكون مئات الأوراق التي وقعت عليها، من دون أن يتسنى لي الوقت بأن أقرأها، تنص على حق المصرف في بيع كليتي في مزاد علني، أو على أشياء من هذا النوع. جميع الذين يملكون حسابًا مصرفيًا، لا بد وأنهم مرّوا بهذه التجربة. وقعوا مئات الأوراق، التي لم يعرفوا ما الذي كُتِب عليها بالضبط، وكانت الموظفة أو الموظف الذي أمامهم يتأفف ويحثهم على التوقيع ويطمئنهم. وقد يكون هناك من وقع ببلاهة لأنه صدّق المصرف، وقد يكون هناك من وقع قبل أن يموت من السأم. في النهاية، الجميع غالبًا لا يعرف لماذا كل هذه الأوراق، ومن سيلف بها ساندويشات.

لوقت طويل، كان المصرف وهمًا كبيرًا. يسلّم عليك موظف المصرف، فتشعر بأنك شخص هام. وإن احتجزوا مالك، كما فعلوا أخيرًا آلاف المرات، مع آلاف الناس، الذين يسمّيهم الإعلام البائس "مودعين"، سيبذلون جهدًا للتمويه. قد يستقبلك مدير الفرع شخصيًا. فتشعر بأهمية مضاعفة. ستكتشف أنه يعرف اسمك وعملك، وربما يعرف نوع الحساء المفضّل لديك. لديه بيانات كاملة عنك، عن حياتك، عن عائلتك. ربما يضعون خانة في المستقبل عن عدد المرات التي تذهب فيها للتبول خلال النهار، خلال الليل. سيتحدث المصرفي إليك كصديق في البداية. يتحدث في السياسة، وفي وضع البلد، وقد يقول إنه مع الانتفاضة أيضًا، أو مع برشلونة، وقد ينصحك بزيارة مطعم صيني، من دون أن يعرف أن هذا المطعم أغلق أخيرًا بسبب مصرف آخر مثله. لكن في النهاية أنت مثل الجميع. سيفعل معك ما يفعله مع الجميع، سيحتفظ بمالك. أليست هذه هي وظيفة المصرف؟

يسلّم عليك موظف المصرف، فتشعر بأنك شخص هام. وإن احتجزوا مالك سيبذلون جهدًا للتمويه

بعد كل شيء، تخلصت من الفوبيا. ولكني لا أشعر بأي تعاطف مع الموظفين والموظفات، ولست مضطرًا لمراعاة شعورهم. بالنسبة لي يشاركون في جرائم، في حربٍ على المساواة. وهم مطالبون بالاستقالة. ولا أتعاطف مع أي أحد يملك حسابًا كبيرًا، لأن ذلك سيكون على حساب آخرين. ربما أتعاطف مع رجل الأمن الواقف أمام الباب كمتسول، أو مع العامل الطيبين الذين يجبرون على تنظيف غبار المكاتب، وهم يعرفون أن المكان سيبقى وسخًا مهما فعلوا.

اقرأ/ي أيضًا: العملة الوطنية اللبنانية في الميزان

وقد أندم على أشياء كثيرة في حياتي، لكن ليس على قرار عدم الذهاب في اليوم الثالث إلى العمل في المصرف. كان هذا أفضل قرار اتخذته في حياتي، طبعًا بعد مبادلة قميص لبايرن ميونخ ذات يوم، بحذاء رياضي من نوع "ديادورا". كان حذاءً رهيبًا ومناسبًا للملاعب الرملية القاسية، التي كانت دارجة في أيامنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتقال النظام اللبناني من الطمع إلى الجشع

صناديق الإعاشة للانتقام من الانتفاضة اللبنانية