"ثلاثاء الأفلام".. وقت مستقطع لسينما جوسلين صعب

المخرجة جوسلين صعب

لن تُصادف مواطنًا لبنانيًا دون أن يُعبِّر لك عن مخاوفه من الأزمات السّياسية الدائرة في بلده. "البلد واقف على كف عفريت"، هي العبارة الأكثر دقّة عنده لوصف الحالة التي يمرُّ فيها لبنان منذ سنوات، أي البلد الذي لا ينفكّ يخرج من أزمة ليدخل في أخرى أشدُّ تعقيدًا، تُزعزع استقراره، وتُلقي بظلالها البائسة على مختلف مجالات ومرافق الحياة اليومية والاجتماعية وغيرها. في هذا السياق، يُمكن القول، وبثقة، إنّ قطاعًا واحدًا في هذا البلد لا يزال مستمرًّا في النجاة وتجاوز الواقع الراهن. وهو قطاع الثقافة الذي تفوّق على جميع التّحديات، بمختلف أشكالها.

"ثلاثاء الأفلام" مبادرة لاقت إقبالًا ومتابعة واسعة، وتمكّنت من تكريس نفسها كواحدةٍ من أبرز الأنشطة الثقافية في مدينة بيروت

في الـ 16 من كانون الثاني/ يناير من العام الجاري، أطلقت "دار النمر للفنّ والثقافة" مبادرة سينمائية تحت عنوان "ثلاثاء الأفلام". المبادرة التي لاقت إقبالًا ومتابعة واسعة، تمكّنت من تكريس نفسها كواحدةٍ من أبرز الأنشطة الثقافية في مدينة بيروت. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه المبادرة، وكجزءٍ من المشروع الذي تشتغلُ عليه دار النمر بإتاحة الفنّ للجميع، أصرّ القائمون عليها على أن تكون مُبادرة مجانية، أي أن يكون حضور فعّالياتها مجانيًا. ما يعني أنّ المبادرة انطلقت دون ميزانية بدل عرض. ولكنّ الأمر لم يمنع المخرجين من المشاركة إطلاقًا. بل، وعلى العكس تمامًا، قابلوا المبادرة برحابة صدر واسعة، وأبدو استعدادهم لعرض أفلامهم لجمهورٍ جديد لربّما يُشاهد هذه الأعمال لأوّل مرّة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "حرب خاصة".. عين واحدة محدّقة في بشاعة الحرب

إذًا، وبهذا الشكل، تكون مُبادرة "ثلاثاء الأفلام" التي تُخصِّصُ شهرًا كاملًا لعرض أعمال أحد السينمائيين، لا سيما تلك المُتعلّقة بلبنان وفلسطين؛ أقرب إلى حيّزٍ تُفسحهُ دار النمر لا لعرض الشرائط السينمائية فقط، جديدةً كانت أو قديمة. بل لتكريمها، بشكلٍ أو بآخر، واستعادتها أيضًا، وعلى وجه التحديد تلك التي طواها النسيان، وتثبيت حضورها في المتن مُجدَّدًا. المُميّز في هذه المبادرة، مع الأخذ بالاعتبار ما ذكرناهُ قبلًا، هو أنّها تضع المشاهد وجهًا لوجه مع أعمال سينمائية إمّا قديمة، منسية، أو أعمالًا ليست معروفةً، إلى جوار صانعيها، عندهُ. وبالتالي، يُمكن القول إنّ المبادرة، ناهيك عن الاستعادة والتكريم، هي مبادرة لاكتشاف ما هو مجهول وغير معروف.

الغرض من هذه المبادرة، كما يتّضحُ شهرًا بعد آخر، هو أن تعرض أعمالًا يُمكن أن تُقدّم صورة عن التحوّلات التي جرت قبلًا في بلدٍ ما، أو تلك التي تجري الآن في بلدٍ أو بلدان أُخرى. وبالتالي، يكون الشّريط السينمائي هنا بمثابة أرشيفٍ لأحداثٍ مضت دون أن توثّق. وضمن هذا الإطار، خصَّصت "دار النمر للفنّ والثقافة" شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري للمخرجة اللبنانية جوسلين صعب. المُخرجة المولودة سنة 1948، اتّسمت أعمالها السينمائية بقربها من الواقع، ومواكبتها له ولتحوّلاته المتعدِّدة. الأمر الذي جعل منها أعمالًا ملتزمة بكلّ القضايا الراهنة من حولها، تلك التي لا يُمكن للإنسان، بغض النظر عن موقعه، أن يتجنَّبها إطلاقًا.

اتسمت أعمال اللمخرجة اللبنانية جوسلين صعب بقربها من الواقع، ومواكبتها له ولتحوّلاته المتعدِّدة 

افتتحت دار النمر شهر جوسلين صعب بعرض فيلمها "لبنان في الدوامة" (1975) يوم السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر. الشريط الذي يمتدُّ على ساعة و15 دقيقة، يصوّر الحرب الأهلية اللبنانية، تلك التي أثمرت خرابًا لا يزال مُستمرًّا إلى الآن، والقصد هنا أنّهُ مستمرًّا بالنمو والتوسّع. وما يُمكن أن يلاحظهُ المشاهد في هذا الشريط هو اشتغال المُخرجة على البحث، من خلال عدسة كاميرتها، عن الأسباب والخلفيات التي فجّرت هذه الحرب بكلّ ما تحملهُ من وحشية ودمار طال النفس البشرية قبل أي شيء آخر. واستكمالًا لفعّاليات هذا الشهر، تعرض دار النمر مساء اليوم، الثلاثاء 13 تشرين الثاني/ نوفمبر فيلمان قصيران تحت عنوان "بيروت لم تعد كما كانت"، و"من أجل بعض الحياة". الشريط الأوّل صوّر خلال هدنة سنة 1976، ويُمكن القول إنّه صوِّر كمرثية لمدينة بيروت التي ظهرت فيه مدينةً مُدمّرة، بشوارع تخلوا من المارّة، أو ربّما من الحياة كاملةً. ومباني مُتهالكة. إنّها صورة بيروت كما لم يعدها سكّانها آنذاك، وكما لم يراها الكثير من أبناء الجيل الجديد.

اقرأ/ي أيضًا: قريبًا.. فيلم "بريكنغ باد" بمشاركة أبطال المسلسل الأصلي!

"من أجل بعض الحياة" المُمتد على 17 دقيقة فقط، صوّر هو الآخر سنة 1976. ولكنّهُ جاء بمضمون مختلف عن الأوّل قليلًا، ذلك أنّه يوثّق القليل من حياة المرشّح الرئاسيّ آنذاك ريمون إده الذي كان لهُ مواقف مختلفة عن مواقف زعماء الطوائف المتقاتلة. ولا سيما الموقف الذي اتّخذه من دخول الجيش السوريّ إلى لبنان، ورفضه له بشكلٍ قاطع. وبالإضافة إلى هذان الفيلمان، تعرض دار النمر فيلمان آخران بعنوان "رسالة من بيروت" 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، و"غزل البنات" 27 من الشهر نفسه، وهو الشريط الذي تختتم به الدار شهر جوسلين صعب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"اصطياد أشباح".. الحياة هي في مكان آخر

آلام اللاجئين بعدسة لينا دونهام.. كل شيء "أبيض"؟!