ثقافة المخابرات: من يدفع للعازف يخترِ اللحن

ثقافة المخابرات: من يدفع للعازف يخترِ اللحن

عمل للأمريكية ساندي سكوغلاند بعنوان الحرب الباردة

إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام المنتصرين باقتسام العالم المنهك وخروج العديد من الدول القوية آنذاك من ميدان المنافسة مثل ألمانيا، إيطاليا، اليابان... اكتشف أصدقاء الحرب: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية أنهما عدوان لا حياة للواحد منهما إلا بإلغاء الآخر بوصفهما يمثلان عالمين نقيضين: العالم الرأسمالي الذي تمثله الولايات المتحدة، والعالم الشيوعي/الاشتراكي الذي يمثله الاتحاد السوفييتي، وبدأت بينهما حرب وحشية هي الأخرى عُرفت بالحرب الباردة، واكتشف العدوّان الجديدان أن السلاح يجب أن يتغير، فبدلًا عن الدبابات والمدافع والطائرات... يجب أن يحل السلاح الثقافي، فالمطلوب هو تغيير العقول والتفكير والانتماءات، بمعنى: يجب تغيير العقل البشري كي يدرك الفرق بين عالم شيوعي، شمولي كما وصفته أمريكا، وبين عالم حر كما وصفت نفسها. إذ أن هذه الحرب الثقافية الباردة كانت بتخطيط أمريكي.

عام 1966، نشرت صحيفة نيويورك عدة مقالات كشفت من خلالها عن ذلك العمل السري الذي قام به مجموعة من الكتاب والفنانين والمثقفين بدعم من CIA

الثقافة السوفييتية التي أراد السوفييت نشرها عبر العالم، وكسب المزيد من البلدان لسيطرتهم هي التي عُرفت بالواقعية الاشتراكية. الغرب الأمريكي يفهم من عبارة "الواقعية الاشتراكية" أنها إيديولوجية، دعائية، ومنحازة سياسيًا للشيوعية: العدو المخيف. وعلى النقيض طرحت الولايات المتحدة ما أسمته "الثقافة الحرة" غير الخاضعة للضوابط والرقابة الإيديولوجية وغير المنحازة سياسيًا. وأرادت نشر تلك الثقافة عبر العالم بواسطة الإعلام، الكتب، المجلات، الجرائد، ودور النشر... ووسيلتها إلى ذلك هي شراء الأقلام والذمم عبر ضخّ مالي لا نهاية له ولا حدود.

اقرأ/ي أيضًا: الفن الحديث كان سلاحًا للمخابرات الأمريكية

بدأت الولايات المتحدة العمل على برنامج سري للغاية، يعمل على استمالة الكتّاب المؤثرين آنذاك لصالحها ولصالح حربها على "الواقعية الاشتراكية". وباعتباره سريًا للغاية فيجب أن يكون عملًا استخباراتيًا، لذلك تولى هذه المهمة الصعبة جهاز المخابرات المركزية الأمريكية المعروف بـ CIA الذي تم إنشاؤه عام 1947 والذي بدا أنه/ أو أنه فعليًا وزارة الثقافة الأمريكية! ولأجل هذه الغاية أنشأت CIA عام 1951 "منظمة الحرية الثقافية" وصار لها فروع في 35 دولة من بينها دول عربية: لبنان، مصر، السعودية،المغرب، ليبيا، والأردن. وأصدرت أكثر من 20 مجلة ذات نفوذ واسع في العالم، على رأسها مجلة "إنكاونتر" Encounter التي صدرت من بريطانيا خلال الأعوام 1953- 1990 بالتعاون بين CIA والمخابرات البريطانية. وانتشرت في إنجلترا، أمريكا، آسيا، إفريقيا، الهند، الشرق الأقصى... وضمت كلًا من: نانسي ميتفورد، إديث وارتون، بورخيس، برتراند رسل، ديفيد ماركاند، دبليو اتش أودن... لقد كانت المجلة الأكثر تأثيرًا آنذاك. وقد صمتت سياسيًا عن الكثير من الأمور واتخذت، أيضًا خلافًا للإعلان الأمريكي، صبغة إيديولوجية عنوانها: معادة الشيوعية. وكتب فيها أرنولد توينبي، برتراند رسل، هربرت سبنسر وآخرون...

عام 1966 نشرت صحيفة نيويورك عدة مقالات كشفت من خلالها عن ذلك العمل السري الذي قام به مجموعة من الكتاب والفنانين والمثقفين بدعم من CIA، بعضهم كان يعرف ذلك، وبعضهم لا يعرف. في هذه الأثناء تظهر أسماء كتّاب أثروا بثقافة العالم: أشعيا برلين، كليمينت غرينبرغ، روبرت لويل، أندريه مالرو، آرثر شليزنغر، ستيفن سيندر، ماري مكارثي، همنغواي، جورج أورويل، هنري لويس... وغيرهم.

وكان لـ"نادي القلم" الدولي 76 فرعًا في 55 دولة، وقد استطاعت CIA استمالته لجانبها، وتحول إلى وسيلة إعلانية لثقافة المخابرات الأمريكية (كان ذلك في منتصف الستينيات).

لقد كان تركيز المخابرات الأمريكية ينصب على ما أسموه: اليسار غير الشيوعي، وقد تم دعم الفكرة نظريًا عبر كتابات: إشعيا برلين، نابوكوف، إفريل هاريمان، شيب بوهلين، جورج كينان... وقد قال أحد المؤرخين إن هذا المسمى "اليسار غير الشيوعي"، "كان رمزًا لجماعة تحمل بطاقة تعريف معينة"، وهو المسمى المعتمد داخل أروقة الحكومة الأمريكية.

دعمت CIA الفن التعبيري التجريدي الناشئ آنذاك بوصفه فنًا أمريكيًا، وأغرقت المعارض والصالات العالمية به

عام 1951 أرسل الكاتب الشهير نابوكوف رسالة سرية إلى منظمة الحرية الثقافية تتضمن تخطيطًا لمهرجان عالمي قال فيها إن هذا المهرجان هو: "أول تعاون وثيق بين المؤسسات الثقافية الأمريكية الرفيعة في أوروبا وبين المؤسسات الأوروبية، وكذلك بين مؤسسات الإنتاج الأمريكية والمؤسسات الأوروبية... وعبر ذلك سيكون ثمة تضامن ثقافي وتعاون بين الحضارتين الأمريكية والأوروبية وسيكون ذلك تحديًا من ثقافة العالم الحر لثقافة العالم الشيوعي". وفي العام ذاته نال نابوكوف الموافقة. وبعد جولة في أوروبا ضَمَن حضور: باليه مدينة نيويورك، إيغور سترافنسكي، متحف الفن الحديث، جان كوكتو، لورانس أوليفييه، الفيلسوف برغسون، برتراند رسل، أندريه مالرو، أوبرا جاردن... وسواهم. وقد رفض سارتر الحضور حيث قال: "لست معاديًا للشيوعية إلى هذا الحد".

اقرأ/ي أيضًا: الدبلوماسية الرقمية والحرب الباردة الجديدة

جميعنا ربما شاهد الفيلم الأمريكي المأخوذ عن رواية جورج أورويل الشهيرة 1948. لقد قامت CIA بشراء حقوق أعمال أورويل من زوجته ما أهّلها للتصرف بالرواية، إذ غيّرت نهاية الفيلم وجعلت بطل الرواية والفيلم سميث يقول في النهاية بما يفيد: "أنا أحب الأخ الأكبر"، فيما في الرواية يقول: "فليسقط الأخ الأكبر". وقد هدفت المخابرات الأمريكية من ذلك إلى أن الكاتب يقصد في روايته فضح الطغيان السوفييتي فقط، فيما الرواية تفضح كل النظم التسلطية بما فيها النظم الرأسمالية.

كذلك دعمت CIA الفن التعبيري التجريدي الناشئ آنذاك بوصفه فنًا أمريكيًا، وأغرقت المعارض والصالات العالمية به. كان المقصود أن يظهر أن لأمريكا فنًا حرًا ومستقلًا أمام التهمة الموجهة لها بأنها بلد بلا فن. لكن في التحليلات أنها دعمته ورعته بوصفه "صامتًا سياسيًا"، فقد كان ثمة أمريكيون مؤثرون يعتبرونه فنًا مبتذلًا ومجرد "شخبطات مثيرة للقرف"، لكن "الإيديولوجية" الأمريكية اعتبرته فنًا قادرًا على أن يمثل أمريكا وأن يكون منافسًا للفن الواقعي الاشتراكي المصنوع سوفييتيًا، وهكذا علا شأن هذا الفن في العالم.

ثمة الكثير من المعلومات المخيفة والمخيبة للآمال تم الكشف عنها خلال الحرب الباردة، وثمة الكثير من التوجهات الثقافية أنشأتها ورعتها CIA، هي ذاتها الثقافة المنتشرة في العالم لحد هذه اللحظة. كل ذلك نشرته الكاتبة ف. س. سوندرز في كتابها شديد الأهمية: "من الذي دفع للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية/ المخابرات المركزية الأمريكية وعالم الفنون والأدب"، وقد تمت ترجمته في مصر عبر طلعت الشايب، وفي سوريا عبر أسامة إسبر.


كتاب سوندرز بالإنجليزية

ثمة الكثير من المقالات التعريفية بالكتاب صدرت عربيًا، وثمة تلخيصات له. إلا أن الملفت للنظر أن غالبية المقالات (ربما جميعها؟) تطرقت إلى شرّ الولايات المتحدة، وإلى تدخلها الصلف حتى في مجال الثقافة، وتحولت المقالات إلى حفلات شتم للولايات المتحدة ومخابراتها. إلا أن أحدًا، حسب اطلاعي، لم يتساءل إزاء الثقافة التي نشرتها CIA، وإزاء كل تلك الأفكار والنظريات والتوجهات  التي تبنيناها ودافعنا عنها وكتبنا انطلاقًا منها، على الرغم من أنها أفكار ونظريات وتوجهات محمية ومرعية ومنتشرة عبر المخابرات! لم نتساءل ونتشكك إزاء ثقافتنا التي ثبت أنها ثقافة CIA! أو على الأقل مرحّب بها من ومدعومة من CIA،  شعر ورسم وأفكار ورواية ونظريات... كانت من عمل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية! هل يلزمنا مراجعة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يكون بديهيًا. وهذا السؤال لم يسأله أحد!

الثقافة العربية تعرف قصة مجلة "حوار" التي رأس تحريرها الشاعر يوسف الصايغ. في كتاب "ذكريات في الترجمة" للمترجم الشهير دينيس جونسون ديفيز، ذكر أن جون هانت ممثل "منظمة الحرية الثقافية" فكر في أوائل الستينيات بإصدار مجلة عربية برئاسة يوسف الخال (صاحب مجلة شعر) إلا أن دنيس اقترح عليه يوسف الصايغ. وبعد انكشاف أمر تمويل المجلة من قبل CIA  بعد خمس سنوات على انطلاقتها قام الصايغ بإغلاقها. وقال إنه لم يكن يعرف أنها ممولة من CIA. وقد ضم العدد الأول حوارًا مع أحد أكبر المؤثرين في حركة الحداثة الشعرية العربية ت. س. إليوت.

وثمة مصادر تذكر أن مجلة "شعر" فائقة الشهرة والتأثير كانت تتلقى دعمًا من تلك المنظمة الاستخباراتية عبر شراء 1500 نسخة منها كل عدد.

مجلتا الحداثة العربية الكبيرتان كانتا: إما مدعومة مباشرة من المنظمة، كمجلة "حوار"، أو تتلقى دعمًا من نوع آخر كمجلة "شعر"، والسؤال، بعيدًا عن أي حس باستهداف الثقافة العربية، فالأمر لم يكن استهدافًا للعرب أصلًا، فحركة المنظمة المخابراتية كانت دولية، السؤال هو: لماذا تم دعم تلك المجلتين؟ وما هو تأثير الحداثة العربية بالفكر والتوجه الثقافي العربي إلى الآن؟ ما يمكن المحاججة به هو أن الحداثة الشعرية التي أطلقتها وأشاعتها مجلة "شعر"، المجلة الأكثر تأثيرًا في حركة الحداثة الشعرية العربية، أنتجت فضيحة كبيرة اسمها: الشعر العربي الحديث، هذه الفضيحة التي خرّبت الشعر وعزلته عن محيطه وواقعه الاجتماعي، وجعلته متعاليًا، غائمًا، عصيًا على الفهم تحت يافطة أن الشعر غامض بذاته، ونظّرت لذلك، وطرحت مفاهيم شعرية حرمت عبرها الناس من قراءة الشعر، إذ جعلته لـ"عليّة القوم"، وأطلقت على باقي خلق الله ألقاب الرعاعية والجهل وما إلى ذلك.

الحداثة الشعرية العربية أنتجت فضيحة كبيرة اسمها الشعر العربي الحديث، وبالتالي خرّبت الشعر وعزلته عن محيطه وواقعه الاجتماعي

هذه المفاهيم لم يزل يدفع ثمنها الشعر والشعراء والقرّاء. وقد كان ت. س. إليوت هو القابع في خلفية الذهن الحداثي العربي آنذاك، وهو المثل والمثال النظري والشعري لحداثة العرب الشعرية المنطلقة عبر مجلة "شعر". وهو الذي بدأت مجلة "حوار" انطلاقتها به!

اقرأ/ي أيضًا: أثر اللاجئ

ربما يتوجب على الثقافة العربية وثقافة المنطقة أن تتساءل إزاء ذلك، إزاء الشعر كما إزاء الفن الحديث ومقولاته، واستنطاقه حول "صمته السياسي"، وكيف يمكن لبقع لونية مجردة أن تقدم جمالًا وموقفًا وقولًا؟ إلى آخر هذه التساؤلات التي يمكن عبرها أن نضع تعريفات أكثر وضوحًا وجذرية للثقافة والشعر والفن... وعلاقة ذلك كله بالمجتمعات والناس.

لا تهدف المقالة إلى التشكيك بدعم المشاريع الثقافية حتى لو من جهات أجنبية، بل ربما تهدف إلى مساءلة الثقافة، لا سيما ما صار منها بديهيًا من كثرة ما عمّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السّرابُ هناك وهنا أدلاؤه

رمزية الحجاب في المخيلة الأوروبية المعاصرة