ثقافة الشكر في الهند.. بعض الشكر إهانة

ثقافة الشكر في الهند.. بعض الشكر إهانة

الشكر في الهند بين الأهل والأصدقاء غير محبذ (هاميش بلار/Getty)

تختلف عادات الشعوب في التعبير عن الشكر والامتنان للآخرين، ولكن هل يمكن أن يكون الشكر إهانة؟ هذا ما سنعرفه في هذا المقال الذي كتبه الصحفي والكاتب الهندي ديباك سينغ في مجلة أتلانتيك.

أعيش في الولايات المتحدة منذ أكثر من عشر سنوات، وأجد نفسي أقول "شكرًا" أكثر من خمسين مرّة في اليوم، وأراني أقولها هكذا من دون جهد ولا تفكير. أقولها لسائق الحافلة رغم أنّه لا يسمعني في كثير من الأحيان. أقولها لبائع القهوة، وللرجل الذي يفتح لي الباب إذا دخلت إلى مطعم فاخر. أقولها لزوجتي ولطفلتي التي تبلغ خمس سنوات من العمر عدة مرّات في اليوم.

"شكراً الهنديّة" هي محاولة للدخول في دورة من تبادل الأفضال وتفتح بابًا لعلاقة جديدة

حين انتقلت للعيش في أمريكا، لم يكن سهلًا عليّ أن أتعوّد هذا في البداية. لم أكن أعرف إن كان يجدر بي أن أشكرَ البائع في الدكّان حين أشتري منه، أو أن أشكر من يسألني عن حالي. لم أكن أعرف وقتها كيف أردّ على الشرطيّ حين يحرّر مخالفة مرور بحقّي ويعطينيها قائلاً: "شكرًا لتعاونك، أتمنى لك يوماً طيباً".

اقرأ/ي أيضًا: الهند.. زينة، رقص وحشيش في عيد الاستقلال

نشأت في مدينة شمالي الهند اسمها لَكهنؤ (Lucknow) وقول "شكرًا" في ثقافة الناس هناك ليس بالأمر الهيّن. تعلّمت أن أقول شكراً باللغة الإنجليزية وأنا في المدرسة الابتدائية، وكنت حين أشكر أحدهم أستخدم العبارة الإنجليزية، لأنّها كانت أقلّ وقعاً من مقابلها الهنديّ. وكنت أحتفظ بكلمة الشكر لمن يصنع لي معروفاً كبيرًا وحسب، ولم أكن أشكر أصدقائي أو زملائي في الصف. فإن فعلتها وشكرت أحدهم، تراه ينظر إليه بابتسام ساخرًا، وأصدقاء آخرون يظنونني أمزح معهم، أو أنّني أقولها لأمرّن لساني على الإنجليزية. لم أشكر والديّ على شيء في حياتي، ففي اللغة الهندية، في تعابيرنا وثقافتنا اليوميّة، ثمّة فهم وإدراك للامتنان لا يحتاج إلى كلمة "شكرًا".

كلمة "dhanyavaad" تعني شكرًا، ولاستخدامها وقعٌ يقرب من التهكم في معظم الأحيان، ولا يبدو مناسباً. حين أريد أن أشكر أحدهم بالهنديّة فلا يمكنني فعل ذلك إلا وأنا أنظر إليه. ولو قلت "dhanyavaad" لشخص دون أن تنظر إليه ستبدو وكأنّك ما قلت شيئًا البتّة. لا أذكر في صغري أنّني سمعت أي ولد من أقراني يقول هذه الكلمة. لقد سمعت أبي يقولها لرجال من جيله، ولكنّه حين يقولها كان يجتهد ليظهر أنّه يعنيها من كلّ قلبه، فيرفع يديه مقابل صدره، وهي إشارة الاحترام المعروفة بالهند باسم (namaste). إنّه حين يستخدم كلمة الشكر بالهندية فإنه لا يعبّر عن امتنانه وحسب وإنما يرغب في أن تحصل له الفرصة ليردّ الفضل والمعروف. وهذا كان مفهومي عن الامتنان في ثقافتي.

في أمريكا، قولك شكراً قد لا يعني سوى أنّ معاملةً ما قد تمّت أو أنّ الحوار انتهى كأنّك تنهي الجملة بوضع نقطة في نهايتها

أمّا في أمريكا فقولك شكرًا قد لا يعني سوى أنّ معاملةً ما قد تمّت، أو أنّ الحوار انتهى فتستأذن للمغادرة، كأنّك تنهي الجملة بوضع نقطة في نهايتها. كنت أتعجّب حين ذهبت إلى أمريكا كيف أنّ الناس يشكرونني إن زرتهم في منزلهم، مع أنّني أنا المدعوّ وهم أصحاب الدعوة، ثمّ اكتشفت لاحقاً أنّ قولهم "شكراً لزيارتك لنا في بيتنا" تعني في الحقيقة "هيًا لقد حان الوقت لتغادر".

أمّا شكراً الهنديّة فهي محاولة للدخول في دورة من تبادل الأفضال، وتفتح بابًا لعلاقة جديدة.

اقرأ/ي أيضًا: مجاعة أوريسا.. حين تركت بريطانيا مليون هندي للجوع 

حين استقرّ بي المقام في الولايات المتحدة احتجت بعض السنوات لأتعوّد على قول "شكرًا" دون أن أعنيها حقًّا، فقد كان انتقال هذه الكلمة من أحشاء قلبي لتصبح قابلة للصرف السريع على طرف لساني من أصعب دروس اللغة التي كان عليّ أن أتقنها في أمريكا.  

أمّا في الهند، خاصّة أثناء التعامل مع إخوتك الكبار أو أقربائك وأصدقائك القريبين، فإنّ قولك شكرًا يجعلهم يشعرون بأنّك تهزّ تلك العلاقة الحميمة التي تربطك بهم وتبدو كأنّك تتعامل معهم برسميّة وجفاف لا داعي لهما. بل قد يشعرون أيضاً أنّك من خلال شكرك لهم تودّ أن تغلق الباب المعروف المشترك بينكم. أمّا إن قلت كلمة " dhanyavaad" للغريب، فهذا يعني أنّك راغب في أن تبدأ هذه العلاقة من التعاون والتقارب. أمّا الأصدقاء والعائلة، فهذه الكلمة تزعجهم لأن الألفة والقرب قائمان أصلاً، ورسميّتك في شكرهم تفهم على أنّها رغبة في الابتعاد عن دائرة الفضل التي بينكم.

أذكر مرّة أنني عدت إلى الهند بعد فترة من الإقامة في أمريكا. فدعاني عمّي، وهو بمثابة والدي، فقد كنت أقضي في بيت عمّي في صغري أوقاتاً أكثر مما كنت أقضيه عند والديّ، إلى بيته لتناول العشاء. وعندما خرجت شكرته باللغة الهندية على دعوته، وأدركت من فوري حجم المصيبة التي أوقعت بها نفسي. لم يحر عمّي جواباً، ولكنّي رأيت المرارة في تعابير وجهه، تمتزج بشيء من القرف منّي. لم أستطع حينها أن أعتذر إليه حتّى لفظاعة الموقف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعطش هنديّ للتكنولوجيا الإسرائيلية.. وإسرائيليّ للمليارات الهندية!

"كذبة نيسان".. "آكيتو بريخو" في أصلها السوري