نجلاء شوكت الفيتوري/ ليبيا

وضعوني في عنبر به كتّاب شباب كانوا قد قبضوا عليهم في ندوة ثقافية أُقيمت بمسرح مدرسة شهداء يناير ببنغازي، قبضت عليهم اللجان الثورية بقيادة الطالب الجامعي أحمد إبراهيم المقرب من الدكتاتور، والذي صار فيما بعد وزيرًا للتعليم. في ولايته، أُلغيت اللغات الأجنبية من مناهج الدراسة، وأُحرقت الآلات الموسيقية في ميدان الشهداء بطرابلس وخلف المحكمة ببنغازي.

رحّب بي الرفاق كثيرًا وأعجبهم سبب سجني، احتفوا بالسبب واعتبروه بطولة؛ شاب ليبي ينقذ جيتارًا تحصل عليه هدية من محرقة الدكتاتورية ويسجن بسببه، يا لك من ملحمة! موضوع رواية، موضوع قصة قصيرة، بل موضوع قصيدة ولوحة تشكيلية ومقاربة نقدية، حسناء ألمانية تهديك جيتارًا لا بد وأن تموت من أجله، وحتى أن تقتل من أجله.

كانت الأجواء جميلة داخل العنبر، سألوني عن ألمانيا وعن بون وعن الجامعة التي قرأ فيها نبيّهم كارل ماركس ووصفت لهم الجامعة وأروقتها والمدرج الذي درس فيه والنقوش المحفورة على الحجر التي تتحدّث عنه، حكيت لهم عن الحديقة الخضراء التي خلف الجامعة والتي تكتسي بمسحة رومانسية بعد غروب الشمس، فتكتظ بالعشاق والشواذ وتتم ممارسة الجنس فيها براحة وهدوء دون إزعاج.

حكيت لهم أيضًا عن فريدريك نيتشه، فهو الآخر درس في جامعة بون لكن لم يتحمسوا له، قالوا يهمنا ماركس فقط، نيتشه موضوع آخر فلنتركه على جنب. وقالوا: "لو أنّ ماركس لم يدرس في جامعة بون لبقيت الجامعة مغمورة لا يعرفها أحد، ماركس جلب لها الضوء من كل بقاع العالم، تأثيره في العالم جعل الكل يسأل أين درس هذا العقل الفذ؟"، ويقول يا لك من جامعة عريقة صقلت موهبة قلبت العالم رأسًا على عقب، ويشتدّ النقاش بينهم حول جنسية ماركس وأصله ودينه، ويتعالى الصياح والجدل ليتفقوا أنّ أصله يهودي لكن دينه مسيحي، فأبوه قد تحوّل من اليهودية إلى المسيحية ليسمح له بالانخراط في العمل السياسي في ألمانيا.

بعد انطفاء جدلهم يعودون فينصتون إليّ باهتمام، تعجبهم أي حكاية عن ممارسة الجنس، ويطالبون بإعادتها حتى تترسخ في ذهنهم بكل تفاصيلها، ربما لاستحضارها أثناء ممارسة العادة السرية. ذات مرة حكيت لهم حكاية عن صديقتي كرستينا ووصفتها لهم: "إنّ لها شعرًا أسود يضرب إلى أسفل مؤخرتها"، فوقف أحدهم في نهاية العنبر محتجًا قائلًا: "المرة السابقة قلت لنا شعرها أشقر، نحن نريد الشعر أشقر وليس أسود"، قلت له: "لقد صبغته تلك المرّة بمناسبة عيد الهالوين لتكون شريرة أكثر، ولتتمكّن من الحصول على حلويات وهدايا من البيوت التي نطرق أبوابها معًا".

عندما رأيت الأطفال في عيد الهالوين يطرقون الأبواب ويطلبون الحلويات وإلا ستركب روح شريرة أهل البيت وتعكر صفو حياتهم، تذكّرت أطفالنا، بل تذكّرت نفسي في عيد عاشوراء عندما نخرج جماعات ونهتف أمام البيوت: "اللي ما تعطيش الفول.. يقعد راجلها مهبول"، "اللي ما تعطيش الحمّص.. يقعد راجلها يتلمس"، فتخرج لنا ربّات البيوت ويملأن صحوننا بالفول الساخن والحمّص الساخن وأيضًا بالبيض المسلوق، والطريف أنّ ربّة بيت زوجها تزوج عليها امرأة مصرية كانت غاضبة منه كثيرًا، فعندما صرخنا أمام بيتها بالأغنية لم تعطنا لا فولًا ولا حمصًا وأطلت برأسها من النافذة وقالت: "إن شاء الله ينهبل، إن شاء الله ينعمى، يا رب استجب لدعوة هؤلاء الأطفال".

 قال أحدهم وهو فنان تشكيلي وجهه كلّه ابتسامات: "نحن حكينا لبعضنا كلّ ما في ذاكرتنا من حكايات عدّة مرات، نبدأ من رحم أمنا وطفولتنا ومراهقتنا وبداية شبابنا إلى يوم القبض علينا حيث توقف زمن الحرية. حكينا كلّ تفاصيل حياتنا من طقطق إلى السلام عليكم، والآن نحن سعداء بوصول ذاكرة بنغازية ألمانية موسيقية طازجة تعرف ماركس وتعرف الأغاني المرسكاوية، ولازم تحكي لنا بالتفصيل. نحن هنا من ثماني سنوات تقريبًا، وذاكرتنا تحتاج إلى إنعاش بماء خصب لذيذ حتى لا تموت".

صرت أغني لهم وأحكي لهم عن ذكريات في حي المحيشي وعن ذكريات في ألمانيا، وعن إنقاذ الجيتار من القطر الطرابلسي وجلبه إلى بني غازي، وعن مباريات كرة قدم فازت فيها ليبيا مؤخرًا على السودان وغانا، وعن لاعبين كبار برزوا في الفريق الليبي وفي النوادي التي يشجعونها، الأهلي بني غازي والنصر والهلال والتحدي والاتحاد والأهلي طرابلس والمدينة والوحدة ودارنس والصقور والسويحلي وغيرها. وعن أغانٍ جديدة غنّاها المطربون الشعبيون عبد الجليل الهتش وأحمد فكرون واحميده درنة وعليويكا وغيرهم.

أحكي لهم أيضًا عن مسرحيات عرضت بعد المسرحيات التي تسببت في سجن كتّابها كالكاتب منصور بوشناف، وعن ماء نهر صناعي عظيم وقع القائد عقده مع شركات عالمية سيصلنا قريبًا من الصحراء عبر جعب كبير، أي أنابيب خرسانية ضخمة أقاموا لها مصنعًا في البريقة والسرير وسيكون مذاق مائه عذبًا، لكنّه حتمًا سيكون ماء حزينًا يبكي فهو ليس حرًّا، لم يجر شمالًا بمحض إرادته، لكن سيتمّ شفطه من رحمه الصحراوي الدافئ رغمًا عنه بعنف وبقوّة الكهرباء ليصل إلى مدن الشمال.

وعن هذا المشروع والإنجاز الحضاري الضخم، يقول أحد الشيّاب الذين يلعبون السيزة في ظل سور الجامع بعد كلّ صلاة عصر: "إنّ هذا الماء القادم إلينا قريبًا في جعب كبار إن أعددنا به الشاي والقهوة سنجد الشاي والقهوة قد فقدتا مذاقهما المميز الذي تعودنا عليه، الشاي سيكون بلا رغوة والقهوة -أكرمكم الله-  ستكون بلا وجه، وعندما سنعد به الشرمولة أكيد سنجدها صامتة، وسنضيف لها الكثير من الملح  حتى تعتدل قليلًا وتصير مستساغة بعض الشيء، ولعلمكم أنا درت كم طريق إلى حقل السرير بشاحنتي المرسيدس وجربت الماء الذي هناك بنفسي، صح حلو عذب لكن ياخذ سو أمية بني غازي المالحة المباركة، ماء الصحراء دمه ثقيل فعلًا".

ويصيح شايب يتفرّج على لعبهم قائلًا: "عليّ الطلاق هالماء الصناعي اللي ناويين يوردوه لنا باللاتريك والكورينتو ما فيه ابْركَة جرام (بركة)". بينما شايب آخر متكيء على عمود كهرباء مائل يهمس بصوت خافت جدًا: "أفرح يا ليبي جاك جعبْ.. اركب عالزبْ.. إن كان ناوي منا تشربْ"، فينفجر الجميع ضاحكين وهم يصيحون: "عطك ادعوة، احترم الجامع اللي متكئين على سوره".

حكيت لهم حكايات كثيرة، في الصباح أحكي وفي المساء أحكي، استنزفوا كلّ ما في ذاكرتي من حكايات، جعلوني مخلاة أمسكوها من أذنيها ونكثوا كل ما فيها من حكايات، طلبوا مني كثيرًا أن أعيد حكاية زيارتي إلى مدينة بها تمثال رأس ماركس في ألمانيا الشرقية، وكانوا منتبهين جدًا لكلّ التفاصيل، حكيت لهم عن سبب الزيارة والأجواء المبهجة هناك كثيرًا حتى مللت بل حتى ندمت على زيارته. كل واحد منهم ينفرد بي ويقول: "لم أسمع الحكاية جيدًا أعدها عليّ الآن لو سمحت، فإنها تعدل مزاجي". تنرفزت من الأمر كثيرًا حتى أنّ بعضهم اكتشف ذلك فصار يثيرني: "آه، احك لنا عن زيارتك لرأس ماركس، كيف رأس ماركس بالضبط؟ كبير؟ صغير؟ مستدير؟ مربع؟" فأنزل سحابة البنطلون وأقول له: "كيف رأس هذا بالضبط"، فيضحكون كثيرًا ويتوقفون عن السؤال.

ذات ليلة قبل موعد نومنا سمعنا قصف طيران عنيف وقريب من سجننا، وعرفنا بعد قليل من حارس يعاملنا جيدًا في غياب رؤسائه أنّ أمريكا ورئيسها رونالد ريجن نفذوا تهديدهم لنا وقصفونا. لقد اتهموا ليبيًا بتفجير ملهى في برلين، وعاقبونا بقصف طرابلس وبني غازي، وقفز آنذاك شاعر من ضمن السجناء في العنبر وأنشد بصوت جهوري رخيم قصيدة انبثقت من مخيلته فجأة تدين العدوان على ليبيا، معنى القصيدة يقول لو أنّنا لسنا في السجن لكنا في الصفوف الأمامية دفاعًا عن الوطن، سنحاربكم نحن السجناء بغض النظر عن كل خلافاتنا السياسية مع النظام. لقد كان هؤلاء السجناء وطنيين حقًا إلى حدّ النخاع، فرغم أنّ القذافي سجنهم وسرق شبابهم ونكل بهم، إلّا أنّهم لم يرحبوا بالعدوان الأجنبي على أرض ليبيا ودافعوا عن الوطن بالكلمة وهي الشيء الوحيد المتاح لهم آنذاك.

وفي اليوم الثاني قالوا لي: "ماذا لديك من فن أيها الموسيقار عاشق الجيتار؟ هل يمكنك أن تغنّي لنا أغنية تدين العدوان البربري الأطلسي الغاشم"؟ قلت لهم: "لا أعرف أغاني وطنية، وكل الأغاني الوطنية الجيدة بها أسماء ثقيلة الدم لساني ينقطع ولا يغنيها، المؤلفون عليهم اللعنة أفسدوا مقاطع أغنيات جميلة ببعض قمامة تستدعي قائد الانقلاب". قال الشاعر: "إذًا أنشد أنا قصيدتي وأنت صاحبني بموسيقى جيتار مفترضة من فمك". قلت له: "حاضر يا زعيم". وأمسكت بعكازه وكأنّه جيتار وبدأ ينشد وبدأت أدندن بفمي مع تحريك أصابعي على جسر العكاز. كانت أجواء جميلة، سألوني: "بما أنّك كنت في ألمانيا، هل تعتقد أنّ الليبيين فعلًا يفجرون ملهى في برلين"؟ قلت له: "لا أعتقد ذلك؛ الليبيون لديهم نقود، ممكن دفعوا فلوس لفرخ حرام من أي دولة أو ملّة وقالوا له دونك قم بالشغل يا بطل يا فدائي يا مناضل يا رفيق يا أخ، وعمومًا في كلّ الأحوال هذه الأعمال الإرهابية هي شغل مخابرات دولية، قد يكون الألمان أو الأمريكان أو الإنجليز أنفسهم هم من فعل ذلك لغاية استراتيجية في أنفسهم، في مثل هذه الأمور غالبًا ما تبقى الحقيقة معتمة غائمة غامضة".

ذات يوم قال لي زعيمهم: "لقد دلعناك كثيرًا وفترة ضيافتك عندنا انتهت". قلت لنفسي لقد امتصوا كلّ حكاياتي وصرت صفرًا فارغًا مثلهم لكن لا مشكلة. قلت لزعيمهم: "نعم فترة ضيافتي انتهت، وتفضّل ماذا تريدني أن أعمل؟" قال: لازم تشاركنا في أعمال العنبر اليومية"، وشاركتهم في أعمال العنبر اليومية، وجاء دوري في طبخ الطعام لهم وكان آنذاك شهر رمضان وأحضرت لنا مصلحة السجن تموينًا جيدًا به خضروات ولحوم وفواكه.

لقد حدثت تغيرات سياسية كبيرة في المعسكر الشرقي جعلت القائد يستبق الأحداث ويحسّن من صورته ويقوم بعدة خطوات استباقية جيدة لإصلاح ما أفسده هو وشلته الفاسدة. ورغم أنّ معظم السجناء ملحدون وشيوعيون مفطرون في رمضان، إلّا أنّي أعددت لهم فطورًا رمضانيًا فاخرًا، أعجبهم جميعًا، وقالوا: "هل أنت رجل حقًا؟" ففتحت لهم سحابة بنطلوني وأخرجت لهم المختون، فضحكوا قائلين: "لا نقصد ذلك، نقصد أنّ طبخك وكأنّ امرأة بنغازية قد طبخته". قلت لهم: "اشتغلت في حقل نفطي طباخًا لمدة سنتين، وقبلها اشتغلت مساعدًا لشيف إيطالي في فندق قصر الجزيرة، واشتغلت أيضًا شهرين مع احميده فاصوليا في مطعمه بسيدي حسين، والطبخ هو موسيقى الطعام، يعني أنا لم أطبخ لكم بل عزفت لكم ألحانًا شعبية تحبونها على آلات من المعدنوس والفلفل والطماطم واللحم والأرز والحرارات والكركم والملح البني غازي الأصيل المعبأ من منطقة كركورة"، وبدأت آنذاك في العنبر غيطة عفوية، أحدهم يطرق بالملعقة على ظهر قصعة الألمنيوم والآخر يغيّط: "يا محنّي ذيل العصفورة..عليك ملايح كركورة".. إلخ، وجاء الحرس مستفسرًا ماذا هناك، وعرف أنّنا نغني، وقال له أحدهم: "شاعرنا ألّف قصيدة تتغنى بالحرية وتدين العدوان الأطلسي الغاشم"، وقال الحارس الطيب: ربي يفك أسركم قريبًا بجاه شهر رمضان الكريم المبارك".

في اليوم الثاني طبخ أحدهم وكان الطعام سيئًا ما يتكل بكل حشى النعيمة، وقالوا لي: "يا رفيق أنت اطبخ لنا في شهر رمضان فقط، وبعد العيد سنطبخ نحن، حرام هذا التموين الجيد يفسده طهاة أغبياء مثلنا، نحن ولدنا للنضال وليس للمطابخ، يمكننا أن نحشُو عصبانة أو براكة بالماركسية بكل سهولة، لكن نعجز تمامًا إن أردنا حشوها بالكسبر والمعدنوس والأرز ونتف اللحم". ضحكت طبعًا ووافقت على عرضهم اللئيم، تبًّا لهم قوم تحب الكسل ولا تحب الاشتراكية والتعاون في انجاز المهام اليومية.

كانت الأجواء في العنبر جيدة نعيش كأنّنا إخوة فعلًا، نقتسم الطعام والسجائر ومواد التنظيف وأي شيء يصرف لنا أو تأتي به الزيارة، ومن يمرض ينشغل به الجميع ويساعدونه حتى يشفى، يمنحونه حصصهم من الشاي أو البيض أو الفاكهة بطيب خاطر، لا أحد يعبث بالتموين ويتم استخدامه بتقنين جيد، ويبدو أنّ كل ما حكيته لهم من قبل قد نسوه فعادوا من جديد وطلبوا مني أن أحكي لهم كل ليلة عن أي شيء، حكيت وحكيت وحكيت من جديد حتى مللت، حكيت لهم حكايات أكثر من عدد أيام حياتي، كثير منها كذب وبعضها صدق مشوه، وهم في كل الأحوال سعداء بحكاياتي ويجدون فيها أشياء تنقصهم، خاصة المتعلقة بالمكان سواء في ليبيا أو ألمانيا عندما زرتها زمان. شعرت وكأنّني في ورشة لتعليم الكتابة الأدبية، يسألون عن تفاصيل كثيرة في كل حكاية أحكيها لهم، عن الزمن عن المكان عن الملابس عن الأحاسيس النفسية، عن الطقس ومذاق الأشياء في زمن الحكاية.

كانت أيامًا جميلة بنيت صداقات معهم وأنعشت ثقافتي بروافد معرفية جديدة، عرفت عن طريقهم الكثير من الشعراء والفلاسفة والكتاب ومدارسهم، صبغوني باللون الأحمر رغمًا عني  لكن ما زلت متمسكًا بديني فلم ألحد، ولم أؤمن بالماركسية ولم أفطر في رمضان الكريم.

كانت صديقتي كرستينا ماركسية حمراء كالبنجر، صحبتني معها إلى جامعة بون أكثر من مرة، كانت تحكي لي عن ماركس وأنجلز وعن أفكارهما ولكن لم أقتنع بأنّ الدين أفيون الشعوب، فعندما أصلي أو أقرأ القرآن لا أشعر بما أشعر به بعد أن أدخن لفافة حشيش، فرأسي لا تدوخ ولا أضحك. مع الدين أشعر بالطمأنينة والسكينة، أشعر أنّ هناك شيئًا مجهولًا بالنسبة لي سيقتص من الظالمين والمجرمين، وسيقتصّ مني أنا أيضًا عن الجرائم القليلة التي اقترفتها، لم تفرض عليّ كرستينا رأيها رغم صداقتنا وحبنا، ولم تتغير مشاعرها نحوى بعد أن رفضت أفكار ماركس وقلت لها: "بصراحة لا أفهم هذه الأفكار، ربما بسبب ثقافتي المحدودة أو عدم استكمال دراستي أكاديميًا فاعذريني يا حبيبتي، يمكنني أن أحبك دون مركسة ومفكرك ماركس على الرأس والعين، لكنّ أفكاره لن تدخل رأسي دون أن أقتنع بها".

مدّة طويلة قضاها هؤلاء السجناء في السجن. سألتهم: "كيف تفرغون شحناتكم الجنسية؟" قالوا: "نتدبر أمورنا كل بطريقته ولا يشكلّ لنا الجنس مشكلة كبيرة، همنا كلّه هو الاشتراكية والشيوعية والماركسية واليسار والفودكا الروسية التي بطعم النار، ويا حبذا لو تكون معها رفيقة ماركسية كلامها وجدلها كثير. تعرف يا رفيق أنّ مناقشة قضية فكرية مع رفيقة أهم كثيرًا من مضاجعتها. يعني نحن يهمنا أن تتلاقح وتتضاجع وتتفاعل الكلمات أهمّ من الأجساد، تعرف يا رفيق لدينا بعض الكلمات حامل في الشهر السادس وأُخر في التاسع، وأُخر للأسف أجهضت الحمل بسبب ضعف دم الحُجة والبرهان". قلت لهم: "فهمت ذلك، تمارسون الجنس فكريًا فيما بينكم، وكل منكم يمكنه أن يتحول إلى رفيقة أو حتى إلى جنس ثالث حسب هوى الكلمات العاشقة". توقفت عن مناقشتهم أكثر في هذا المحور الذي سيجعلنا نطرح قضية زامل الفكر حيث لن يتوقف بعدها الجدل والنقاش، وقد يتطور إلى عنف إن شعر أحدهم أن الصفة تقترب من الحجج والآراء التي دفع بها.

قلت لهم: "ربّما يكون السجن مفيدًا للصحة، ولو كنتم خارج السجن لقتلكم الخمر الرديء والمغشوش، شباب كثيرون ماتوا من القرابا المخلوطة ببنزين الطائرات والذين نجوا منهم أصيبوا بالفشل الكلوي. لكن هنا في العنبر، لا خمر ولا سجائر وتوجد رعاية صحية لا بأس بها. كثير من الأطباء الثوريين يريدونكم على قيد الحياة وبصحة جيدة، ربّما من أجل ولائم السابع من إبريل السنوية، وأنتم الحمد لله مازلتم شبابًا.

وقال أحدهم: "بصراحة يا رفيق المرض الأكبر حتى وإن كنا في ظروف جيدة هو السجن، حتمًا سيؤثر فينا كثيرًا عندما نخرج، سيظهر في ملامحنا، سنبدو كمسنّين. الدكتاتور سرق شبابنا، سرق زهرة عمرنا، الزمن الذي من الممكن أن نضاجع فيه جسديًا بشكل جيد سطا عليه دكتاتور أرعن، نهب رعشاتنا الجنسية القوية التي إن حدثت ستظل في ذاكرة من نحب طوال العمر، والآن سنخرج من السجن طال الزمن أو قصر ونحن في حالة وهن وارتخاء، وبعد كل ممارسة لا تعجبنا سنلعن الدكتاتور التيس هو ورجاله وسننتقم منه إن سنحت لنا ربع فرصة، وباختصار شديد لا لصحة وراء القضبان".

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

النبش جار على قدم وساق

حدائق ميتة