05-مايو-2021

كتاب "أدب أمريكا اللاتينية الحديث" (ألترا صوت)

ألترا صوت – فريق التحرير

تستعيد هذه المساحة الأسبوعية، كل أربعاء، ترجماتٍ منسية مختلفة الاتجاهات والمواضيع، كُتب لها أن تؤدي دورًا معينًا في لحظةٍ ما، قبل أن يطوي الزمن صفحتها فيما بعد، لتصير ترجماتٍ "طي النسيان"، بعيدة عن اهتمامات الناشرين العرب. إنها، بجملةٍ أخرى، مساحة يخصصها "ألترا صوت" لرد الاعتبار لهذه الترجمات، عبر لفت انتباه القراء والناشرين العرب إليها، في محاولةٍ لجعلها قيد التداول مجددًا.


واحدة من سمات الأدب الذي ظهر في أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، هي الفشل أو القصور الذي يعود، وبحسب أغلب نقاد ودارسي تلك الحقبة، إلى مسألة اللغة وما يرتبط بها من إشكاليات، ذلك أن القارة التي خَبِرت أشكالًا مختلفة من الاستعمار، ورثِت لغات القوى الاستعمارية التي كانت مرفوضة آنذاك، وسط محاولات مثقفيها وأدباءها المختلفة لإيجاد لغةٍ جديدة تخصهم وحدهم.

يقدِّم ديفيد باتريك غالغر في كتابه قراءة نقدية موسعة في أعمال وتجارب أشهر شعراء وروائيي أمريكا اللاتينية في القرن العشرين

ولكن هذا القصور الذي وسمَ أدب تلك المرحلة، لم يمنعه من أن يكون مرجعية للأدب الذي ظهر خلال القرن العشرين، والذي يدين له بالفضل لأسبابٍ كثيرة، بل إن هناك من يرى أنه لا يمكن فهم أدب تلك الحقبة دون التوقف، وإن قليلًا، عند الأدب الذي سبقه، خصوصًا أن المواضيع التي تناولها الأدب اللاتيني لم تتغير بشكلٍ جذري بين هاتين المرحلتين.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: رحلة المخاطر

ديفيد باتريك غالغر، أحد هؤلاء النقاد الذين أوجدوا روابط عديدة بين أدب القرن التاسع عشر وما ظهر في القرن العشرين، إذ يرى في كتابه "أدب أمريكا اللاتينية الحديث"، الذي صدر عام 1973 عن "منشورات جامعة أوكسفورد"، ونقله إلى العربية محمد جعفر داود في ثمانينيات القرن الماضي، حيث صدرت طبعته الثانية عام 1986 عن "منشورات وزارة الثقافة العراقية"؛ أن معظم كتَّاب أمريكا اللاتينية المعاصرين، تعلَّموا من نصوص كتب القرن التاسع عشر.

يبدأ غالغر كتابه بإلقاء نظرة سريعة على واقع الأدب اللاتيني في القرن التاسع عشر، محاولًا الوصول إلى جوهر المعوقات التي كانت تعترض طريق كتَّاب القارة آنذاك، ومنها مسألة اللغات الاستعمارية التي رفضها اللاتينيون لكونها فُرضت عليهم دون إرادتهم من قبل القوى الاستعمارية، وذلك في ظل عجزهم عن توفير بديلٍ لها.

يضم الكتاب أحد عشر فصلًا، تناول المؤلف في الفصل الأول "القرن التاسع عشر"، أحوال الأدب اللاتيني وسماته خلال تلك المرحلة. بينما خصص الفصل الثاني "الشعر 1880 – 1925"، للحديث عن حركة الشعر الحديثة التي ظهرت بين عامي 1880 و1925، وهي حركة اشتقت وحيها من: "الشعر البرناسي، والرمزي الفرنسي. ويُعتبر أشهر شعراء هذه الفترة شاعر نيكارغوا روبين داريو (1867 – 1916). ولا يوجد في الشعر الكثير من الخيالات، والموضوعات تحاول التعبير عما لم تجده لدى بعض الشعراء الفرنسيين".

في الفصل الثالث "سيزار فاليجو"، يدرس الباحث التشيلي تجربة الشاعر البيروفي سيزار فاليجو، بصفته شاعرًا: "منح دائمًا اصطلاحاته الشخصية، وكان قاسيًا مع نفسه بعنف. ونلاحظ أن فاليجو يتركنا في أعماله، الناضجة، في جو عالم معقد ومهدد". بينما يناقش في الفصل الرابع "بابلو نيرودا"، نتاج الشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي: "يبحث دائمًا عن الارتباطات والعلاقات، لأي شيء يصوره، كأنه يحاول، بقوة من إرادته الشعرية، تصنيف عالم يائس في ضمن تكوين مكتمل".

أما الفصل الخامس "أوكتافيو باث"، فيحاول فيه غالغر الوقوف عند أبرز سمات شعر المكسيكي أوكتافيو باث، بصفته شعرًا أقرب إلى: "محاولة لبعث الحياة في الحجارة.. تلك الحجارة الصماء.. وعلى هذا الأساس فإن شعر باث محاولة لقلب صمم الحجارة إلى ضياء". قبل أن ينتقل في الفصل الخامس "الرواية الإقليمية"، للحديث عن روايات عشرينيات وثلاثينيات القرن الفائت، وهي روايات تستحق الدراسة برأيه رغم فلشها، لأنها تكوِّن الفحوى التي كتب به العدد من الروائيين المتمكنين قبل ثلاثة عقود.

ويدحض الكاتب في الفصل السابع "القصة من عام 1940"، المقولات التي تدعي أن الرواية الجديدة التي ظهرت في أمريكا اللاتينية هي "مدنية"، بينما كانت سابقتها "ريفية"، إلى جانب تلك التي تقول إنها هجرت الهواجس الإقليمية في الصراع بين الإنسان والطبيعة العدائية. ويرى أن الرواية الجديدة: "حرة تمامًا من النظرة التعليمية. وقد تمكنت عن قصد من التخلص من الانقسامات التي فرضها الإقليميون".

خصص ديفيد باتريك غالغر أربعة فصول من كتابه لدراسة تجارب الشاعر البيروفي سيزار فاليجو، والتشيلي بابلو نيرودا، والمكسيكي أوكتافيو باث

وخصص الناقد الأدبي التشيلي ما تبقى من الكتاب، لدراسة تجارب أربعة كتّاب لاتينيين بالتفصيل، وهم: الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، والبيروفي ماريو فارغاس يوسا، والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والكوبي غيرمو كابريرا إنفانته.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: غير المرغوب فيه

واختَتَم غالغر كتابه بالقول إنه: "من الطيش بمكان التوقع للمسيرة التي تمر بها كتابات أمريكا اللاتينية في العقد القادم، بالدرجة نفسها التي يمكن التنبؤ بها بمسيرة المجتمع في القارة المذكورة. ومهما يحدث في مجتمع أمريكا اللاتينية، فقد حصل كتّاب القارة على المهارة والخيال الضروري للتعبير عن تلك الأحداث".

 

اقرأ/ي أيضًا:

تُرجم قديمًا: ما يبقى

تُرجم قديمًا: إدغار آلان بو